باب التقوى من رياض الصالحين 7

باب التقوى من رياض الصالحين 7

الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أنواع خطب النبي صلى الله عليه وسلم وشرح حديث أبي أمامة في التقوى

يستعرض المقطع حديث أبي أمامة في حجة الوداع الذي يجمع أصول الإسلام من تقوى وصلاة وصيام وزكاة وطاعة الأمراء. ثم يقسم خطب النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطب راتبة كخطبة الجمعة والعيدين والكسوف، وخطب عارضة تُلقى عند الحاجة كخطبة اشتراط الولاء لبريرة وخطبة الشفاعة في المرأة المخزومية.

الخطب العارضة في حجة الوداع ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى وإقامة الصلاة

يتناول المقطع خطب النبي صلى الله عليه وسلم العارضة في حجة الوداع، ومنها موقفه من شفاعة أسامة بن زيد في الحد، ويبين أن هذه الخطب جمعت فيها جوامع وصاياه. ويركز على وصيتيه الأساسيتين: تقوى الله سبحانه وتعالى المدعومة بآيات قرآنية كثيرة، وإقامة الصلوات الخمس المفروضة.

أركان الإسلام وطاعة ولاة الأمر

يؤكد المقطع على وجوب أداء الصلوات الخمس وصوم رمضان وإخراج الزكاة كأركان للإسلام، ويبين أن طاعة ولاة الأمر مشروطة بالمعروف وعدم معصية الخالق. كما يحذر من عواقب مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

أهمية تقوى الله وثمارها

تعد التقوى أساس سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وتجلب تيسير الأمور وسعة الرزق والنجاة من النار ودخول الجنة. ويحث هذا المقطع المسلم على الالتزام بتقوى الله سبحانه وتعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب التقوى، الحديث الخامس: عن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فقال: «اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم». رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح. والحديث صحيح عند العلامة الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة". وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب أصحابه، وخطب النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى قسمين: خطب راتبة، بمعنى أن لها مناسبات، فدائما يخطب النبي صلى الله عليه وسلم فيها. مثال تلك الخطب الراتبة: كخطبة الجمعة، ففي كل جمعة تكون الخطبة، وكذلك خطبة العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، هذا أيضا من الخطب الراتبة. كذلك خطب الكسوف والخسوف، هذا أيضا من الخطب الراتبة، وإن كانت وقعت مرة واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن تتابع السلف على فعل هذه الخطبة بعد صلاة الكسوف أو الخسوف. هذا القسم الأول، وهي الخطب الراتبة. وهناك خطب عارضة، هذا القسم الثاني: خطب عارضة، أحيانا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في أوقات ولكن على حسب الحاجة، على حسب الحاجة. مثال ذلك: مثلا خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترط أهل بريرة، وهي جارية اشترتها عائشة، فاشترط أهلها أن يكون لهم الولاء، والولاء في الإسلام لمن أعتق، وليس لأهلها، وإنما لمن أعتق. فعائشة لم تقبل بذلك، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «خذيها واشترطي لهم الولاء»، ثم قام فخطب الناس، وأخبرهم أن الولاء لمن أعتق. وكذلك خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء أسامة بن زيد، حب حب رسول الله، وأراد أن يشفع في أمر المرأة المخزومية، كانت تستعير المتاع فتجحده، فبنو مخزوم شق عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فقالوا: من يشفع لنا عند رسول الله؟ فقالوا: أسامة بن زيد، حب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما جاء أسامة بن زيد أراد أن يشفع، قام النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تغير وجهه، وقال لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله؟» قام فخطب، وأخبر الناس بأن الذي أهلك من كان قبلهم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه. فهذه من الخطب العارضة. من الخطب العارضة كذلك في حجة الوداع: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فهذه أيضا من الخطب العارضة. كذلك خطب يوم النحر، لما وعظ النبي صلى الله عليه وسلم الناس وذكرهم، فهذه كلها أيضا من الخطب العارضة. ومن ذلك ما ورد في هذا الحديث: أنه خطب الناس في حجة الوداع، ومما قال في هذه الخطبة... وهذه الخطبة قد جمع بعض أهل العلم جميع ألفاظها، ففيها جوامع وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، لأنها خطبة وداع، والمودع لا شك أنه يخلص في النصيحة والوصية لمن أراد أن يودعه. فجمع أهل العلم خطب النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة، حجة الوداع. ومما جاء في هذه الموعظة وفي هذه الحجة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله»، أي أمر المسلمين جميعا بتقوى الله سبحانه وتعالى. ولأهمية التقوى، فإن ربنا سبحانه وتعالى كثيرا ما يوصي به عباده في كتابه، سواء كان بلفظ الناس أو بلفظ المؤمنين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا بلفظ الإيمان: قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، والآيات في هذا كثيرة. وهكذا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان يأمر أمته لتقوى الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك هذا الحديث. ثم أوصى بعد تقوى الله عز وجل بهذه الوصايا العظيمة، فقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا خمسكم»، أي الصلوات الخمسة المفروضة: صلاة الصبح، وصلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. فهذه خمس صلوات افترضها الله على عباده في كل يوم وليلة، فلا يجوز للمسلم أن يترك شيئا منها، أو أن يتساهل في أدائها، فهي من أركان الإسلام ومبانيه العظام، ولذلك أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام العظيم في حجة الوداع. وكذلك: «صوموا شهركم»، يعني شهر رمضان، فقد افترضه الله عز وجل على عباده، وكذلك جعله من أركان الإسلام. وقوله: «وأدوا زكاة أموالكم»، أي عطوها لمستحقيها، ولا تبخلوا بها إذا توفرت عندكم شروط إخراجها، كحولان الحول وبلوغ النصاب ونحو ذلك. فهذا أيضا فيه الأمر بأداء الزكاة. وقوله: «وأطيعوا أمراءكم»، أي من جعله الله أميرا عليكم، وهذا يشمل الإمارة العامة والإمارة الخاصة. فالإمارة العامة: كولي الأمر العام، رئيس الدولة، رئيس الحكومة، ونحو ذلك، أو ولي الأمر يعني الأمير، أمير البلاد، أو نحو ذلك. وأيضا من يوكلهم الإمام في بعض مناطقه، كالمحافظ والوزير ونحو ذلك، هؤلاء يعدون من ولاة الأمر، فيطاعون في طاعة الله. ليس معنى قول أهل السنة وأمر أهل السنة الناس بطاعة أولياء الأمور أن يطيعوهم في كل شيء، لا، الطاعة بالمعروف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف»، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فيطاع الأمر في طاعة الله، فيما فيه موافقة للشرع، أو ليس فيه مخالفة للشرع. ولو عملوا أنظمة ما فيها مخالفة للشرع، فيجب على المسلم أن يتقيد بهذه الأنظمة، كأنظمة الطرقات، المرور، ونحو ذلك، هذا مما فيه مصلحة للعباد، فيه مصلحة للناس، فيه ترتيب لأمور سيرهم ونحو ذلك. فهذا أيضا مما أمر به نبي عليه الصلاة والسلام في ذلك المقام. وإذا خالف الناس هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا، فإنا وراء ذلك الفتن، وراء ذلك الفتن، وتغير الأحوال، والقتل والقتال، والأدلة في ذلك كثيرة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وأولو الأمر هم الأمراء، وكذلك العلماء، وكذلك العلماء. فاشتمل هذا الحديث على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله»، هذه كلمة عظيمة، كلمة عظيمة. ما معنى «اتقوا الله»؟ يعني: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، وذلك بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه. هذه خلاصة التقوى، فهي كلمة عظيمة، وهي أساس سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وقد عرفنا في أول هذا الباب ثمرات تقوى الله عز وجل، من تيسير الأمور، والسعة في الرزق، والنجاة من النار، ودخول الجنة، وثمار عظيمة وكثيرة. فهذا الباب فيه حث المسلم على أن يلتزم تقوى الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.