الدرس في باب التقوى من رياض الصالحين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى والتقى والعفاف والغنى. يبين أن الابتداء بـ«اللهم» توسل بالاسم الأعظم، وأن طلب الهداية ليس لنقص بل لزيادة الدرجات والثبات عليها.
يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه إمام المهتدين كان يسأل ربه الزيادة في الهدى والتقوى، وأمر الله المؤمنين بالاقتداء به. فطلب الهداية والتقوى من الله وحده دليل على التبرؤ من الحول والقوة، واعتراف بأن التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى.
يشرح المقطع أن العفاف يعني اجتناب كل ما حرم الله من زنا وسؤال الناس ومال حرام وسفاسف الأخلاق، وهو عطف خاص على عام. أما الغنى فهو الاستغناء بالله عن الخلق كله، فيعز المؤمن نفسه ولا يذل لأحد، ويتجه بطلبه إلى الله وحده.
يؤكد المقطع على أن المسلم يجب أن يطلب جميع احتياجاته من الله وحده، فهو مالك خزائن السماوات والأرض. سواء كان المال، الزوجة، المغفرة، الرزق أو الأولاد، فالتوجه إلى الله هو السبيل لتحقيقها.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب التقوى، الحديث الثالث: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»، رواه مسلم. وهذا الحديث من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ احتوى هذا الحديث على ألفاظ قليلة مختصرة، لكن تحمل معاني جليلة عظيمة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم»، ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء بالتوسل بهذا الاسم، الذي ذكر بعض أهل العلم أنه هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب سبحانه وتعالى. ثم سأل نبي الله عليه الصلاة والسلام ربه أربعة أمور، وفي هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إلى الزيادة في هذه الأمور الأربع، فالمسلم لا غنى له عن الهداية، فهو في كل ركعة يصليها يقول: «اهدنا الصراط المستقيم». هل معنى ذلك أنه ليس بمهتد؟ نعم هو في هداية، لكن يسأل من ربه سبحانه وتعالى الزيادة في هذه الهداية، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، فالهداية مراتب ودرجات، فأنت تسأل الله أن يزيدك من درجات الهداية، وهكذا تسأل الله الثبات عليها. فمن معاني سؤال الله عز وجل الهداية أن يثبتك على هذه الهداية حتى الممات، حتى الممات. فكم من إنسان كان على هداية ثم انحرف وترك ما كان عليه من خصال الهداية! فأنت تسأل الله الزيادة من الهداية، وتسأل الله أن يثبتك على هذه الهداية. ومعنى الهدى هنا: العلم، العلم، وكذلك التوفيق إليه، التوفيق إلى هذا العلم، والعمل به، والعمل به. وكما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم محتاج لهذه الهداية لما يكون فيها من الزيادة، وقد قال له ربه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، وقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فقلنا: الهدى بمعنى العلم، لما تقول: «اللهم إني أسألك الهدى»، أي الزيادة في العلم الذي هو السبب للهداية. ولذلك في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، فُسِّر الهدى بالعلم النافع، ودين الحق بالعمل الصالح. فسؤال الله الهداية أمر مهم جداً، ينبغي للمسلم أن يسأل ربه دائماً وأبداً الهداية. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إمام المهتدين، ومع هذا يسأل من ربه الهداية، فكيف بغيره من المسلمين؟ فهم أولى وأحرى بأن يكثروا من طلب الهداية. وهكذا في قوله: «والتقى»، وهذا هو موطن الشاهد من إرادة هذا الحديث في هذا الباب، باب التقوى. فالمراد بالتقوى هنا: تقوى الله عز وجل، أي أن يوفقك الله إلى تقوى الله، وهو كما تقدم معنا: القيام بالواجبات وترك المحرمات. وهكذا يقال في التقوى ما قيل في الهداية، فالنبي صلى الله عليه وسلم إمام المتقين، ومع هذا يسأل من ربه الزيادة في التقوى، وقد أمره الله عز وجل بذلك، فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾. فهل معنى ذلك أنه ليس بمتق؟ كلا وحاشا، وإنما المراد: ازدد من هذه التقوى واثبت عليها. وهكذا أطلب التوفيق من الله سبحانه وتعالى للعمل بالتقوى، لأن الله سبحانه وتعالى بيده مقاليد كل شيء، وهذا فيه تبرئة الإنسان من حوله وقوته، وأن الموفق الموفق له لهذه الهداية أو التقوى هو الله سبحانه وتعالى، فيطلبها منه وحده، يطلبها من الله سبحانه وتعالى وحده. فهذا هو موطن الشاهد من إيراد هذا الحديث. وأما قوله: «والعفاف»، فالمراد بالعفاف هنا: هو العفة عن كل ما حرم الله عليه، عن كل ما حرم الله عليه، فهو من باب عطف الخاص على العام. فالتقوى كذلك تشمل ترك المحرمات، والعفاف، والعفاف أيضاً: العفة، أي البعد عن كل ما حرم الله، عن كل ما حرم الله. فإذا كان هذا من باب عطف الخاص على العام، على العام. أما إذا كان على شيء معين، ك العفة مثلاً عن الزنا، أو العفة عن سؤال الناس، أو نحو ذلك، فهذا يكون من باب عطف المترادفين، من باب عطف المترادفين. فإذا العفاف هنا: أن يعف عن كل ما حرم الله عليه، فيشمل ذلك كل محارم الله سبحانه وتعالى، كل محارم الله، سواء كان العفاف عن الزنا، أو العفاف عن سؤال الناس وذل الإنسان نفسه للناس، أو كذلك العفة عن المال الحرام، أو العفة كذلك عن سفاسف الأخلاق، أو نحو ذلك مما يبتعد المسلم أن يرتكب شيئاً مما حرم الله عز وجل عليه. وأما الغنى، فالمراد به هنا: الغنى عما سوى الله، أي أن تستغني بالله عز وجل وحده عن الخلق، بحيث أن الإنسان لا يفتقر إلى أحد سوى ربه سبحانه وتعالى. فإذا وفق الإنسان إلى الاستغناء بالله عز وجل عن الخلق، صار عزيز النفس، صار عزيز النفس، لا يذل نفسه لأحد، ولا كذلك يعني يطلب شيئاً من أحد، لأنه غني بالله عز وجل. فإذا أراد شيئاً توجه إلى الله، وسأل الله، وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث فيه أيضاً إبطال التعلق بغير الله، من يتعلق بالأولياء أو الصالحين في جلب المنافع أو في دفع المضار، فهذا ينافي الغنى بالله عز وجل. فإذا أردت شيئاً فتوجه إلى من يملك ذلك الشيء: تريد المال، فالله عز وجل عنده خزائن السماوات والأرض؛ تريد الزوجة، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعينك ويسر لك ذلك؛ تريد المغفرة، تريد الرزق، تريد الولد، تريد أي شيء، فاطلب ذلك من الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى عالم.