وقفات مع آيات الاستقامة

المحاضرة بعنوان وقفات مع آيات الاستقامة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الاحد ١٩ ربيع الآخر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الاستقامة على أمر الله والنهي عن الطغيان

يشرح المقطع أن الاستقامة تعني لزوم طاعة الله والاستمرار عليها حتى الممات، مستنداً إلى قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. ويؤكد أن النهي عن الطغيان يقتضي عدم الزيادة على ما شرعه الله، مستشهداً بموقف الشيخ الوادعي في الرد على من يتنازلون عن ثوابت الدين بحجة المصلحة.

الاستقامة على الصراط المستقيم ووساوس الشيطان

يبين المقطع كيف يزيغ الشيطان بالإنسان عن الاستقامة إما بالغلو والإفراط في الدين أو بالتقصير والتفريط في الواجبات. وتستدل الآيات القرآنية بالأمر بالاستقامة كما أمر الله دون زيادة ولا نقصان، محذرة من اتباع الأهواء ومشيرة إلى الاستغفار عقب الأمر بالاستقامة لتكملة النقص البشري.

الاستقامة والاستغفار: طبيعة البشر والحاجة للتوبة

يوضح المقطع أن الاستقامة الكاملة مستحيلة على البشر لوقوعهم في الخطأ والزلل، لذا قرن الله الأمر بالاستقامة بالأمر بالاستغفار. ويشير حديث «قاربوا وسددوا» إلى القصد والاعتدال دون غلو، مع المبادرة بالتوبة عند التقصير، فالمستقيم ليس معصوماً بل من يبادر بالرجوع إلى الله ولا يصر على الذنب.

الخاتمة والدعاء بالثبات على الاستقامة

يختتم المتحدث بالتأكيد على أهمية الاستقامة، داعياً الله أن يثبته وإخوانه على الدين والشرع حتى الممات. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي هذه الدقائق المعدودة نقف وقفات مع بعض الآيات الواردة في الاستقامة على دين الله عز وجل في سورة هود، والآية المئة واثني عشر. يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ففي هذه الآية لما أمر الله عز وجل بالاستقامة ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، والاستقامة هي لزوم طاعة الله عز وجل والاستمرار على ذلك حتى الممات، فهذه هي الاستقامة: أن تستقيم على أمر الله، أن تبتعد عما نهى الله عز وجل عنه، وتستمر على ذلك وتلزم ذلك حتى الممات. فأمر الله عز وجل بها، وبيّن أن مصدر الاستقامة هو أمر الله عز وجل، فليست الاستقامة تؤخذ من غير الكتاب والسنة، فلذلك قال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، أي كما أمرك الله عز وجل، فلا تزيد على ذلك ولا تنقص. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يستدل بهذه الآية في الرد على بعض الطوائف والجماعات التي تتنازل عن بعض ثوابت هذا الدين وبعض أصول هذا الدين من أجل ما يسمونه بالمصلحة أو بالسياسة، فكان ينكر كثيرًا على الإخوان المسلمين، على حزب الإصلاح، وعلى غيرهم ممن يداهنون ويتنازلون عن ثوابت وأصول بحجة المصلحة، فكان يقول: نحن لسنا مفوضين في دين الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، أنت مطلوب منك أن تستقيم على شرع الله، وأن تدعو إلى الحق الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما النتائج فأمرها إلى الله سبحانه وتعالى، فلست مفوضًا في دين الله تزيد فيه أو تنقص. ولذلك قال الله عز وجل بعد أن أمر بالاستقامة على ما أمر عز وجل: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، والطغيان هو الزيادة، هو الزيادة، فمعنى ذلك أنك تستقيم على ما أمرك الله عز وجل ولا تزيد على ذلك، لا تزيد أو لا تزيد على ذلك ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. وقد ذكر العلامة ابن القيم عليه رحمة الله أن الشيطان يأتي للإنسان حتى يضله ويصرفه عن الاستقامة بإحدى أمرين اثنين، وبنزغتين اثنتين: إما بنزغة غلو وإفراط، وإما بنزغة تقصير وتفريط. فلو نظرت إلى الخارجين عن طريق الاستقامة لرأيت أنهم لا يخرجون عن إحدى هذين الأمرين، فإما أنهم غلوا في أمر الاستقامة فأتوا بزيادات، وأتوا بتشريعات، وأتوا كذلك بقواعد ومناهج ليست من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان ذلك الأمر سببًا في انحرافهم وخروجهم عن طريق الاستقامة. وهكذا طرف آخر عندهم تقصير وتساهل وتفريط، فانحرفوا من هذا الباب، وانجرفوا خلف الشهوات، وتركوا ما أمرهم الله عز وجل به من الاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. أما قوله: ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾، يعني من اتبعك، فهو بمعنى قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فمن تاب معه أي من اتبعه وآمن به. ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي عالم بما أنتم عاملون، فإن زدتم علم الله عز وجل ذلك، وإن كذلك أنقصتم علم ربنا سبحانه وتعالى ذلك. فأمرنا الله عز وجل أن نستقيم على الطريقة النبوية وعلى الصراط المستقيم. وهناك آية أخرى هي بمعنى هذه الآية، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. في هذه الآية كذلك أمر بالاستقامة، وأن الاستقامة هي ما أمر الله عز وجل به دون زيادة ولا نقصان ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني لا تأخذ بطريقهم المخالف لأمر الاستقامة. نعم، لا تأخذ بطريق الضالين المنحرفين الخارجين عن الاستقامة، وإن زينوا لك ذلكم الخروج بأن العصر غير العصر، وأن الزمن غير الزمن، وأن الأمور تغيرت واختلفت، والسياسات يعني تطلبت تغيير بعض الأمور، وإلى غير ذلك، وكل ذلك من اتباع الأهواء. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وآية أخرى يقول ربنا عز وجل فيها: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. ذكر العلماء أن الله عز وجل في هذه الآية أمر بالاستقامة ثم أمر بالاستغفار، فما مناسبة ذكر الاستغفار بعد الأمر بالاستقامة؟ قال العلماء: لأن العبد مهما حاول أن يأتي بالاستقامة الكاملة فإنه لن يستطيع، لأنه بشر، فقد يعتريه الخطأ، وقد يعتريه الزلل الذي يحتاج منه إلى الاستغفار والرجوع، إلى الاستغفار والرجوع، فلذلك قرن ربنا سبحانه وتعالى الأمر بالاستقامة بالاستغفار: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. ويوضح ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَأَعْلِمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ». فقوله عليه الصلاة والسلام، قال العلماء: المقاربة هي القصد في الشيء من غير غلو ولا تقصير، هذه هي المقاربة، هذه هي المقاربة: أن تفعل الشيء وتقصد الشيء من غير غلو ولا تقصير، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. وأما السداد، قال العلماء: هو الاستقامة والسداد، الاستقامة والسداد، والسداد قد يكون فيه شيء من عدم الإصابة، من عدم الإصابة، ويقال: فلان سدد الهدف، ربما أتى بجانبه أو أتى بطرفه أو إلى غير ذلك، فالمراد أن الشخص يسعى حثيثًا إلى أن يأتي بالاستقامة على الوجه الذي أمر الله عز وجل، فإن حصل منه شيء من التقصير فإنه سرعان ما يرجع، لأنه بشر، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَا بْنَ آدَمَ إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». فالمستقيم ليس بملك معصوم، فقد يقع في شيء من الزلل ومن الخطأ، ولكنه سرعان ما يبادر إلى التوبة والاستغفار والرجوع، كما وصف الله عز وجل في كتابه الكريم هؤلاء المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فليس الشأن كل الشأن ألا يعصي الإنسان، ولكن الشأن كل الشأن أنه إذا عصى بادر بالتوبة والرجوع والاستغفار، ولا يصر ولا يكابر ولا يعاند، وإنما يرجع وينوب ويندم ويأتي بشروط التوبة المعروفة المعلومة. فهذه بعض الوقفات التي أحببت أن أذكر بها نفسي وأن أذكر بها إخواني فيما يتعلق بأمر الاستقامة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على دينه وشرعه حتى نلقاه، وأن يتوفانا مسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرًا لكم، شكرًا لكم، شكرًا.