الحياة الطيبة

المحاضرة بعنوان الحياة الطيبة، محاضرة للنساء بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 شعبان 1437هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الحياة الطيبة: مفهومها وأسبابها من الإيمان والعمل الصالح

يشرح المقطع أن الحياة الطيبة المذكورة في القرآن هي السعادة والطمأنينة القلبية التي تنال بالإيمان الصادق والعمل الصالح، ويبين أن التوحيد الخالص والإيمان بالقضاء والقدر هما أساس راحة النفس، بينما الشرك يجلب القلق والاضطراب، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأمثال السلف.

أثر الإيمان بالقضاء والقدر في تحقيق الطمأنينة والسعادة

يبيّن المقطع أن السعادة الحقيقية والطمأنينة تنبع من إيمان المؤمن بأن أجله ورزقه مقسومان، مما يزيل القلق والخوف، ويجعله قوي القلب في مواجهة الموت والمرض والرزق والزواج والذرية. ويضرب المثل بدول الكفر التي تفتقر للإيمان فتكثر فيها الانتحارات رغم الثروات. ثم يوضح أن العمل الصالح، وعلى رأسه الصلاة، هو السبب الثاني للحياة الطيبة، فهي قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم وراحته، وأقرب ما يكون العبد لربه في سجوده.

دور الأعمال الصالحة والصلاة ومجالس العلم في راحة القلب

إهمال الصلاة أو أداؤها بلا خشوع ينقص السعادة، بينما مجالس العلم والذكر تُشبَّه برياض الجنة وتورث السكينة والطمأنينة كما ورد في الأحاديث. رمضان يجمع صياماً وصدقة وقياماً وقراءة قرآن، مما يرفع الإيمان ويمنح الحياة الطيبة، لذا يجب الاستعداد الصادق، تجنب اللهو والأسواق، والإكثار من القرآن والذكر والدعاء وطلب ليلة القدر.

رمضان مدرسة الصبر والتحذير من الملهيات والصوارف

يحذر المقطع من كثرة الصوارف والملاهي التي تصرف عن طاعة الله، ويؤكد أن رمضان مدرسة للأخلاق وأبرزها الصبر. ويشير إلى أن الله تكفل بأجر الصائم دون تحديد قدره، مستشهداً بالحديث القدسي عن أبي هريرة في الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيتها المسلمات، إنه ما من إنسان يُسأل من ذكر أو أنثى: ما هي أمنيتك في هذه الحياة؟ لكان جواب كل أحد: أمنيتي في هذه الحياة أن أعيش حياةً طيبة، أن أعيش حياةً حميدة، أن أعيش حياةً سعيدة. ولكن لنعلم أيتها الأخوات أنه لا يمكن أن تنال هذه الحياة الطيبة، الحياة السعيدة، إلا بأسباب شرعية ذكرها ربنا عز وجل في كتابه الكريم. ألا وإن من أعظم تلك الأسباب الإيمان والعمل الصالح. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ما هي الحياة الطيبة التي ذكرت في هذه الآية؟ جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الحياة الطيبة هي السعادة، وجاء عنه أيضًا أن الحياة الطيبة هي القناعة، وجاء عن غيره أن الحياة الطيبة هي العمل بالطاعة والانشراح بها. قال الحافظ بن حجر رحمه الله، وقال الحافظ بن كثير رحمه الله تعالى: والحياة الطيبة يشمل ذلك كله. فإذا هذه هي الحياة الطيبة: ما يجده المسلم في قلبه من الراحة والطمأنينة، ومن الهدوء والسكينة، ما يجده المؤمن في قلبه من لذة الطاعة، ومن لذة الأعمال الصالحة. ولقد عبر السلف الصالح عن مدى سعادتهم وطمأنينة قلوبهم، فهذا ابن القيم عليه رحمة الله يذكر عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه كان يقول: «إن في الدنيا جنة لا يدخلها... إن في الدنيا جنة لا يدخلها، أو قال: إن في الآخرة جنة لا يدخلها إلا من دخل جنة الدنيا». ما هي جنة الدنيا؟ ليست جنة الدنيا ما يأكله المسلم من أطيب المأكولات، أو ما يشربه المسلم من ألذ المشروبات، وإنما المراد بجنة الدنيا ما يجده المؤمن والمؤمنة في قلبه من لذة الإيمان، ولذة الطاعة، وطمأنينة القلب. هذه هي الحياة الطيبة. ولذلك يقول أحد السلف: «إنه ليمر بالقلب ساعات، إن كان أهل الجنة على مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب». يمر على قلبه ساعات يجد من الراحة، ويجد من السكينة، ويجد من الطمأنينة، فيقول: إن كان أهل الجنة على مثل هذا الحال، إنهم لفي عيش طيب. فكيف وهم في نعيم مقيم؟ فإذا هذه هي الحياة الطيبة، ولا تنال كما تقدم إلا بما ذكر في هذه الآية: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فأول هذه الأسباب من أسباب الحياة الطيبة: الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الإيمان الذي معناه أن يؤمن العبد بألوهية الله، وبربوبية الله، وبأسمائه وصفاته. أن يؤمن بألوهية الله فيعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى وحده، فلا يخاف إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح إلا لله. فإنه بذلك يقوى قلبه وتطمئن نفسه، لا يكون مشتتًا، ولا يكون مضطربًا، ولا يكون خائفًا، يفر منه الشيطان؛ لأنه قد علق قلبه بالله سبحانه وتعالى وحده. أما الذي ضعف إيمانه بألوهية الله، فإنه يعيش قلقًا، يعيش خائفًا، يعيش وهو قد تسلط عليه الشيطان. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. هذا مثل ضربه الله عز وجل للمؤمنين وللمشرك. فمثل الله عز وجل المشرك بعبد يملكه عدة أسياد، وما يسمى بالعبد المَبْعَض، فبعضه لهذا وبعضه لذاك، فيه شركاء متشاكسون، أي أسياد متنازعون، هذا يأمره وذاك يأمره، هذا يريد منه قضاء حاجته وذاك في نفس الوقت يريد منه قضاء حاجته، فإن قضاء حاجة أحد الأسياد غضب الآخر، وكان عرضه للسب والشتم والضرب، فهو خائف مضطرب. وهذا هو حال المشرك الذي عبد غير الله، ودعا غير الله، وعلق قلبه بغير الله. وقد جاء في حديث عبد الله بن عكيم، ويحسنه، يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِّلَ إِلَيْهِ». مَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِّلَ إِلَيْهِ، يعني وكله الله إلى من تعلق إليه. مَن تعلق بقبر وكل إلى ذلكم القبر، فماذا يغني عنه وماذا ينفعه؟ والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. ما ينفعك غير الله، ولا يضرك، ولا تدعو من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت فإنك من المشركين. فإذا مَن تعلق شيئًا وكل إليه. مَن تعلق قلبه بتميمة أو حرز أو ساحر، أُكِل إلى هذه المتعلقات، وماذا تُغني عنه؟ ما يشعر بالراحة والسعادة أبدًا. هذا هو حال المشرك، كالعبد الذي يملكه عدة أسياد. وأما الموحد فمثله ربنا عز وجل بالعبد الذي يملكه سيد واحد، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾، يعني خالصًا لرجل واحد، فهو يأتمر بأمره ولا ينازعه فيه أحد، فلا شك أنه يعيش في راحة، ويعيش في طمأنينة، ويعيش في سكينة. وهذا هو حال المؤمن الموحد. فانظرن أيتها المسلمات إلى فضل الإيمان، وكيف أنه من أعظم أسباب طمأنينة القلب وراحة النفس. وهكذا من الإيمان: الإيمان بقضاء الله وقدره. فالمؤمن الذي قد أخلص توحيده لله سبحانه وتعالى وحده، لا تجده قلقًا، ولا مضطربًا، ولا متبرمًا، وإن أصابه من أقدار الله المؤلمة، فإنه يحول هذا الألم إلى راحة وإلى طمأنينة، وذلك بصبره واحتسابه. فالمؤمن في هذه الدنيا بين الشكر والصبر. وكما جاء في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ». هذا هو السر في أن المؤمن يعيش حياةً طيبة، لأنه يؤمن أن أجله محدود، وأن رزقه مقسوم، فلا يضطرب ولا يقلق. ولذلك تجدين المؤمن قوي القلب، شجاعًا، مقدامًا في مواطن الإقدام، لأنه يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾. حتى في مواطن مضنة الموت، فإنه يؤمن بأن أجله قد حدد له، إن كتب أن يموت في هذه المعركة أو في تلك الوقعة مات، وإلا عاش. وصدق من قال: «وَمَن لَّمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ، تَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدٌ». فلا تجده يخاف من مرض، لأنه يرجو بذلك الأجر والثواب، ويعلم أن المرض إن أراد الله عز وجل أن يشفيه منه شفاه، فهو يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى. يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. إيمان بالله عز وجل، كيف سيكون قلب هذا المؤمن أو تلك المؤمنة؟ لا شك أنها أو أنه سيعيش في حياة مطمئنة، في حياة مطمئنة هادئة. وهكذا يؤمن بأن رزقه مقسوم، فلا يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له، فلا يقلق ولا يضطرب في باب الرزق. يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُم وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾. يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. يؤمن بقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِكَتْبِ أَرْبَعٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ». فهو يتخذ الأسباب الشرعية ويتوكل على الله عز وجل، والله يرزقه، فيكون مطمئن القلب، هادي البال. وهكذا في باب الزواج، وهو رزق من الله عز وجل، يؤمن المؤمن وتؤمن المؤمنة أن ما قدر لها من زوج فستتزوجه، طال الزمن أم قصر، فالأمر لله سبحانه وتعالى، فلا تنزعج من هذا الباب، وتؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فتطمئن وتعلم أن الخيرة فيما اختاره الله سبحانه وتعالى لها أو له. وهكذا في باب الذرية، يطمئن المؤمن بما وهبه الله عز وجل من الذرية، فإن الذرية هبة من الله، فهو يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. فهو يتخذ الأسباب الشرعية الجائزة المباحة من التسبب، سواء كان بعلاج أو كذلك بطعام أو إلى غير ذلك، ويعلق قلبه بالله، فهو الذي يهب لمن يشاء إناثًا فقط ولا يعطيهم الذكور، حكمة من الله عز وجل، وما يدري هذا الأب أو تلك الأم، لعل الخير والبركة في هؤلاء الإناث. ويهب لمن يشاء الذكور فقط ولا يعطيهم شيئًا من الإناث، ولله الحكمة البالغة. ومنهم من يجمع لهم بين الذكور والإناث، أو يزوجهم ذكورًا وإناثًا، يعني يهب لهم الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيمًا، ويجعل من يشاء عقيمًا لا ذرية له، فلله الحكمة البالغة. فقلب مليء بالإيمان والصبر والاحتساب، يعلم أن هذه الدنيا زائلة، وأنها ليست بدار استقرار ولا دار خلود، وإنما هي دار ابتلاء وامتحان، ودار عمل وزرع، ويحصد المرء ما زرع في حياته الدنيا. فإذن هذا هو أثر الإيمان في حياة الفرد، في حياته الطيبة. فليست الحياة الطيبة بكثرة الأموال، ولا بكثرة الدور والقصور، ولا بكثرة السيارات، ولا بكثرة الأولاد. فكم ممن أعطوا من زينة هذه الحياة الدنيا وهم في ضنك من العيش، وهم في حياة تعيسة. انظروا إلى دول الكفر، لما فقدوا هذا الأصل العظيم، ألا وهو الإيمان بالله عز وجل، كثرت فيهم الانتحارات. في إحصائيات الدول الأكثر انتحارًا تجدها دول الكفر، مع ما عندهم من كثرة الأموال وكثرة الثروات، ومع هذا يعيشون حياة ضنكة. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. فلا تظني يا أمة الله أن الحياة الطيبة بكثرة الأموال، وكثرة الأولاد، وكثرة زخرف في هذه الحياة الدنيا. وإنما السعادة الحقيقية بالإيمان بالله، وتقوى الله عز وجل. ولقد صدق من قال: «وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ، وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ». علماء الحديث كانوا يعيشون على شربة الماء وعلى الخبز اليابس، ولكنهم من أسعد الناس، من أسعد الناس. جاء عن الحسن البصري وعن غيره، وهو من أهل الحديث، أنه قال: «إِنَّنَا فِي سَعَادَةٍ لَوْ يَعْلَمُ بِهَا الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ لَجَالَدُونَا عَلَيْهَا بِالسُّيُوفِ». ما هي هذه السعادة التي يعيشها هؤلاء العلماء؟ إنها سعادة القلب، إنها لذة العلم، إنها لذة الطاعة، إنها لذة القرآن. هذه هي السعادة التي حرمها، حرمها من ابتعد عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا تكون إلا بالإيمان والعمل الصالح كما سمعت في الآية. وهكذا السبب الثاني من أسباب الحياة الطيبة: العمل الصالح. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يجد راحته ويجد طمأنينة قلبه وقرة عينه في العمل الصالح. فعلى سبيل المثال، من أعظم الأعمال الصالحة من أعمال الجوارح: الصلاة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يجد قرة عينه وراحته وطمأنينته في الصلاة. فقد أخرج الإمام النسائي في سننه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». هذا هو وجه الشاهد: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، يعني جُعِلَتْ طُمَأْنِينَتُهُ وَرَاحَتُهُ في الصلاة. وهكذا أخرج الإمام الترمذي من حديث رجل من خزاعة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول لمؤذنه بلال رضي الله تعالى عنه: «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا». أرحنا بهذه الصلاة، فهي راحة وطمأنينة وسعادة. كيف لا تكون الصلاة سعادة للمؤمن وهي صلة بينه وبين ربه؟ يقف بين يدي الله عز وجل يدعوه ويرجوه، ويعظمه ويسأله، بل ويكون أقرب إلى ربه في أعظم ركن من أركان هذه الصلاة وهو السجود. يقرب العبد من ربه وهو ساجد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ». فينال العبد من السعادة بقدر اهتمامه بأمر الصلاة، وبقدر تعظيمه لشأن الصلاة. فإذا أتى بهذه الصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، وصلاها كما كان يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نال من السعادة الحظ الكبير. وإن فرط وتهاوى بأمر الصلاة، وأداها من غير اهتمام بشروطها ولا أركانها ولا واجباتها ولا مستحباتها، وإنما صلاها عادةً وتقليدًا لأجداده وآبائه دون علم، فينال من السعادة بقدر هذا التهاوي. وأما الذي لا يصليها بالكلية، فلا حظ له من السعادة. فانظرن بارك الله فيكم إلى أثر العمل الصالح في حياة المسلم. وهكذا من الأعمال الصالحة التي جاءت النصوص الشرعية في أن المسلم يجد راحته وطمأنينته في هذه العبادة: مجالس العلم، ومجالس الخير والذكر. ولذلك جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا». قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكْرِ». في هذا الحديث شبه النبي عليه الصلاة والسلام مجالس الذكر برياض الجنة. الرياض هي البستان الذي قد امتلأ بالأشجار النظرة الخضراء، التي إن رأتها العين سرت وفرحت. فشبه النبي عليه الصلاة والسلام هذه المجالس برياض الجنة، ليس رياض الدنيا، رياض الجنة، جنة الخلد. قَالَ: «فَارْتَعُوا». لما تأتي البهيمة إلى أرض خضراء فيها من العشب الكثير، ترتع في هذه الأرض وتأكل ما طاب لها ولذ. وهكذا مجالس العلم، يأخذ فيها المسلم ما طاب ولذ من العلم، من الإيمان، من القرآن، من سنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام. ولذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن مجالس العلم مجالس سكينة، والسكينة هي بمعنى طمأنينة القلب، يهدأ الإنسان في هذه المجالس لما يشعر من الراحة ومن سكون القلب. ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث حنظلة، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أولاً جاء إلى أبي بكر وقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ نَافَقَ حَنْظَلَةُ». قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَمَاذَاكَ؟ قَالَ: نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَعْنِي فِي مَجَالِسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ، نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يُذَكِّرُنَا بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى كَأَنَّهَا رَأْيُ عَيْنٍ، حَتَّى كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ. إيش معنى على رؤوسنا الطير؟ يعني في هدوء وسكينة وطمأنينة، فيصير أحدهم من الطمأنينة كالخشبة الساكنة التي لا تتحرك، فيأتي الطير ويظن أنها خشبة فيحط عليها، حتى كأن على رؤوسنا الطير من الهدوء السكينة. فَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى أَهَالِينَا وَعَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالضِّيَعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا كَذَلِكَ أَجِدُ مَا تَجِدُ. فَذَهَبَا إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَخْبَرَاهُ بِمَا قَالَ حَنْظَلَةُ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى مَا... لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ عِندِي، يَعْنِي تَسْتَمِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقَاتِ وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً». لكن إيش معنى ساعة وساعة؟ لا كما يفهمه بعض عوام الناس: الساعة لقلبك وساعة لربك. هذا من الجهل، ومن كذلك عدم النظر في أول الحديث، فالحديث يفسر بعضه بعضًا. فالمراد: ساعة وساعة، يعني ساعة في مجالس العلم، وساعة في الأمور المباحة. لأن حنظلة ماذا ذكر؟ هل ذكر الأغاني في الحديث؟ هل ذكر الطبول والمزامير في الحديث؟ ماذا قال؟ قال: «عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضِّيَعَاتِ». الأزواج معروف، يعني ما أباحه الله عز وجل مما يكون بين الزوج وزوجته. والأولاد معروف، مداعبة الأولاد وملاعبة الأولاد، وهذا مما تحبه النفوس. وأما الضيعات فهو جمع ضيعة، وهي المهنة والحرفة التي يتخذها الرجل لإعفاف نفسه وأهله، وهذا مما أحله الله. فإذا المراد: ساعة وساعة، ما جاء في الحديث، ما جاء في الحديث، وليس مما يفهمه بعض الناس. الشاهد من هذا الحديث: «حَتَّى كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ». فمن جلس مجالس العلم شعر بالراحة والطمأنينة والسكينة. وجاء في مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِندَهُ». هذه نفحات وعطايا من الله عز وجل لمن جلس في مجالس الذكر والعلم. فإذا لا نفرط في مثل هذه المجالس: مجالس القرآن، تعلم القرآن، حفظ القرآن، سماع الموعظة والذكرى، كل هذه من مجالس الذكر. قال الإمام النووي في حديث أنس المتقدم: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا». قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكْرِ». قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ، حِلَقُ الْعِلْمِ. لَيْسَ الْمُرَادُ حِلَقُ الذِّكْرِ حِلَقُ الْمَوَالِيدِ وَالْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ وَالْأَذْكَارِ الْجَمَاعِيَّةِ أَبَدًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِحِلَقِ الذِّكْرِ حِلَقُ الْعِلْمِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَذْكَارِ. فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ رَاحَةِ الْقَلْبِ وَسَعَادَةِ الْمُرْءِ. وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ وَيَقَرِّرُهُ مَا يَجِدُهُ الْمُسْلِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَنَحْنُ مُقْبِلُونَ عَلَيْهِ. فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَجْتَمِعُ عِبَادَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا الصَّوْمُ، وَمِنْهَا الصَّدَقَةُ، وَمِنْهَا قِيَامُ اللَّيْلِ، وَمِنْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. كُلُّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، فَيَشْعُرُ الْمُسْلِمُ فِيهَا بِرُوحَانِيَّةٍ، وَيَشْعُرُ فِيهِ الْمُسْلِمُ بِطُمَأْنِينَةٍ وَزِيَادَةِ إِيمَانٍ. لِمَاذَا؟ لِتَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْمُسْلِمُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ. فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمَةٍ أَنْ تَسْتَعِدَّ لِهَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، فَقَدْ قَرُبَتْ أَيَّامُهُ، فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ وَسَيَطْلُ عَلَيْنَا هَذَا الزَّائِرُ. وَلَذَلِكَ يَقُولُ الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يُبَلِّغَكَ رَمَضَانَ فَلَا تَنْسَ أَنْ تَدْعُوَهُ أَنْ يُبَارِكَ لَكَ فِيهِ، فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي بُلُوغِهِ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ مَاذَا سَتَعْمَلُ فِيهِ». لَيْسَ الشَّأْنُ أَنَّكَ أَدْرَكْتَ رَمَضَانَ، فَكَمْ مِنْ مُدْرِكٍ لِرَمَضَانَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَعِيدٌ عَنْ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ، بَعِيدٌ عَنْ اسْتِغْلَالِ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ، فَمَاذَا يُغْنِي عَنْهُ هَذَا الْإِدْرَاكُ؟ فَإِذَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ هَذَا الشَّهْرَ الْمُبَارَكَ بِالْعَزِيمَةِ الصَّادِقَةِ وَالتَّوْبَةِ كَذَلِكَ الْجَازِمَةِ النَّصُوحِ. نَسْتَقْبِلُ هَذَا الشَّهْرَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْتَفَرُّغِ لِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. احْذَرِي يَا أَمَةَ اللَّهِ أَنْ تُشْغِلِي نَفْسَكِ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِالْقِيلِ وَالْقَالِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الْأَسْوَاقِ وَكَثْرَةِ الزِّيَارَاتِ، وَكَذَلِكَ الْإِسْرَافُ فِي الْمَأْكُولَاتِ وَكَثْرَةِ الِاعْتِنَابِ الْمَطْبُوخَاتِ، فَذَلِكَ مِمَّا يُضَيِّعُ عَلَيْكِ وَقْتِكِ. فَإِنْ أَرَدْتِ لِبَاسًا لَكِ وَلِأَوْلَادِكِ فَاسْتَعِدِّي مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ. لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ يَكْثُرُ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي رَمَضَانَ إِلَى الْأَسْوَاقِ وَتَضِيعُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْأَوْقَاتِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ. فَلِمَاذَا لَا تَتَفَرَّغُ الْمَرْأَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْانْتِهَاءِ مِنْ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ حَتَّى تَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، وَلِحُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ، وَلِحُضُورِ كَذَلِكَ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ؟ فَإِنَّهَا تَنْشَطُ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بَيْتُهَا أَفْضَلَ لَهَا، إِنِ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُصَلِّيَ بِحِفْظِهَا، إِنْ كَانَتْ حَافِظَةً، وَلَا تَكْسَلُ، هَذَا الْأَفْضَلُ. لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ، بَلْ وَالرَّجُلَ، يَكْسَلُ إِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ، وَتُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَذَلِكَ أَدْعَى لِنَشَاطِكِ وَالِاسْتِمْرَارِكِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ. وَهَكَذَا تُكْثِرُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَرَمَضَانُ شَهْرُ الْقُرْآنِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْشِرِي بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، أَبْشِرِي بِرَاحَةِ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ. أَكْثِرِي مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَكْثِرِي مِنْ الدُّعَاءِ، تَحَرِّي لَيْلَةَ الْقَدْرِ الَّتِي فِيهَا هِيَ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. فَبِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ تَتَغَيَّرُ حَيَاتُكِ وَتَنَالِينَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَوَعَدَ مِنَ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا كَمَا فِي الْآيَةِ. فَاحْذَرِي مِنْ كَثْرَةِ الصَّوَارِفِ وَالْمُلْهِيَاتِ الَّتِي تَصْرِفُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَلَيْكِ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ رَمَضَانَ مَدْرَسَةٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا الصَّبْرُ. وَلَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَكَفَّلَ بِأَجْرِ الصَّائِمِ وَلَمْ يُحَدِّدْ لَهُ أَجْرًا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيح