الدرس في من حوارات القرآن والسنة 5، الدرس الخامس: ( الحوار الذي دار بين ابني آدم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع قصة ابني آدم وقربانهما، مبيناً سبب قبول قربان هابيل ورفض قربان قابيل، وما أدى إليه الحسد من قتل الأخ لأخيه. ثم يوضح كيف بعث الله الغراب ليعلم قابيل مواراة الجثة، ونزول التشريع الإلهي بتحريم قتل النفس وجعله كقتل الناس جميعاً.
يبيّن المقطع أن الحسد من أعظم الذنوب بعد الشرك، وهو داء الأمم الذي أدى إلى أول قتل في التاريخ مع قابيل، ومعصية إبليس، وكيد إخوة يوسف، وعداوة اليهود. ويوضح أن الحاسد يعترض على قسمة الله وحكمته، محذراً من أن الحسد يحلق الدين لا الشعر.
يفصل المقطع الفرق بين الغبطة المحمودة التي هي تمني النعمة للغير دون زوالها عنه، والحسد المذموم الذي هو تمني زوال النعمة عن صاحبها. ويؤكد أن الحسد خلق ذميم من أخلاق إبليس واليهود لا يجتمع مع الإيمان، بينما الغبطة جائزة في الدنيا ومحمودة في الآخرة.
يسرد المقطع قصصاً من واقع السلف تُظهر عجز الحسد عن منع الرزق أو الميراث، وعود وبال الحاسد عليه، وينقل أقوالاً تُبين أن الحسد داء للجسد وخلق اللئام. ويختتم بتوجيه الدعاء في رمضان بطهارة القلوب من الحسد وسائر الأخلاق الذميمة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فحوار درسنا لهذا اليوم من حوارات القرآن والسنة حوار قرآني دار بين ابني آدم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾. هذه الآيات دار في هذا الحوار بين ابني آدم. ذكر السلف ممن نقل عن أخبار بني إسرائيل وحدث عنها: إن أحد هذين الابنين يقال له قابيل والآخر هابيل، والأكبر هو قابيل وهو القاتل، وهابيل هو الأصغر وهو المقتول. قرب قربانا، ما سبب تقريب هذا القربان؟ نقل في هذا أسباب، منها: عدم قبول قابيل لحكم الله جل وعلا بتزويج أخته التي خرجت معه في بطن واحدة، هابيل الذي خرج مع أخت أخرى في بطن آخر. قالوا: لأن آدم عليه السلام كان يزوج الذكر الذي خرج في البطن الأولى لأنه كان يولد له ذكر وأنثى في كل بطن، ذكر وأنثى، فيزوج ذكر البطن الأولى بأنثى البطن الثانية التي خرجت البطن الثانية مع الذكر الثاني، وهكذا هذا الذكر مع الأنثى التي خرجت البطن الثانية والذكر الثاني مع الأنثى الأخرى. لكن ذكروا أن قابيل التي خرجت معه كانت وضيئة يعني عليها شيء من الجمال، والتي خرجت مع هابيل دميمة. فقابيل قال: لا، أنا أستحق هذه أختي خرجت معي في بطني في بطن واحدة. بل ذكروا أنه قال: نحن من ولادة الجنة وهؤلاء من ولادة الأرض. فلم يرضَ بهذا الحكم. فآدم عليه السلام قال: إذا قرب قربانا، الذي يتقبل منه القربان يتزوج هذه الوضيئة. فقرب قربانا، فجاءت النار فأكلت قربان هابيل، وكانت علامة قبول القربان نار تأتي وتأكل هذا القربان، ولم تحل الغنائم إلا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا كان في الوقت السابق علامة قبول القبول من الله جل وعلا أن تأتي النار فتأكل هذا القربان علامة على أن الله جل وعلا تقبل ذلك. وقيل في سبب هذا أي تقريب القربان: أن قابيل كان صاحب زرع وهابيل كان صاحب غنم. ذكروا أنه لم يكن يوجد ذلك الوقت مساكين يتصدق عليهم وإنما يقرب إلى الله جل وعلا من هذا المال. فذكروا أن قابيل قرب رديء ماله ولم يخلص في ذلك القربان ولم يتق الله فيه، وأما هابيل فقرب قربانا جيدا وأحسن ماله، فتقبل قربان هابيل، جاءت النار وأكلت قربان هابيل. فقابيل غضب، على التفسيرين: الأول لأنه لم لا يريد أن يتزوج هابيل من التي خرجت معه، وعلى هذا التفسير: لماذا يتقبل قربانك ولم يتقبل قرباني؟ ولذلك قال أخوه له: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾. اجزم بأنا ما لي ذنب، لعلك لم تخلص في هذا القربان، لم تتق الله، إنما يتقبل الله من المتقين، تقبل الله ممن اتقى، فلعلك لم تتق ولذلك لم يتقبل قربانك، فأيش ذنبي تقتلني؟ لكنه لم ينتصح ولم يتعظ بهذه الموعظة من أخيه فقتله. ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فلم يدري ماذا يفعل بأخيه هابيل، لم يكن قد ترك قتله لضعفه نعم أو لعجزه، بل ذكر عبد الله بن عمر وهو من نقل عن أخبار بني إسرائيل أنه كان أقوى، هابيل كان أقوى من أخيه بدنا وقوة، لكنه منعه الخوف من الله جل وعلا. ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾. استخوفا منك وعدم قدرة على ذلك ورد السيئة بالسيئة؟ نعم لا، وإنما الخوف من الله جل وعلا. الخوف من الله سبحانه وتعالى هو الرادع وهو الزاجر. فبعد أن قتل أخاه صار ما يدري ماذا يفعل. وانظروا شؤم المعصية، انظروا شؤم المعصية: الإنسان إذا فعل المعصية صار لا يهتدي إلى تصرف حسن، يصير ربما كالمجنون، تصرفاته غريبة عجيبة، عليه دعر، لماذا؟ من المعصية التي فعلها. انظروا السارق حين يسرق، إذا سرق وانتهى من السرقة كيف حاله؟ مرعوب، يتلعثم، ربما تكلمه ما معه كلامه، ما يسليبه، من شؤم المعصية التي عملها. وهذا فعل الزنا، وهذا فعل أي معصية، شؤم هذه المعصية العاجلة أنه لا يهتدي إلى التصرف الحسن. وهذا قتل، كيف يكون حاله بعد القتل؟ إنسان قتل شخصا، انظروا حاله بعد أن قتل، انظر فيه، انظر إلى تصرفه كيف يفعل؟ هل هو على ما كان عليه من الهدوء والرزانة والحكم؟ أبدا، كالخائف، تصرفاته تصرفات هوجاء، نعم، بشؤم المعصية. هكذا هذا لما قتل أخاه لم يهتدي إلى التصرف الحسن مع أخيه، ما يدري ماذا يفعل، قتل أخاه، طيب ماذا يفعل؟ أن يضع هذه الجثة، لم يهتدي إلى أن يحفر حفرة ويضعه فيها. ذكروا أنه صار فترة يعني يحمل أخاه على ظهره من مكان إلى مكان، إذا جلس وضعه وإذا قام أخذه على ظهره، ما يدري ماذا يفعل، لم يهتدي إلى تصرف حتى يتخلص من هذا. قالوا: حتى وجد ريح تلك الجثة، فالله جل وعلا بعث غرابا يبحث في الأرض. ذكروا أن هذا الغراب قتل غرابا آخر ثم حفر في الأرض ووارى هذا الغراب. ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾. انظروا: ماذا كتب الله جل وعلا بعد ذلك في هذا الحكم؟ ليبين ربنا جل وعلا شناعة هذه الجريمة وعظم هذه الجريمة وهي جريمة القتل: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾. إذا قتلت نفسا فكأنما قتلت الناس جميعا، كم في أرض الله من بشر ومن أناس؟ هذا يدلك على ماذا؟ على شناعة هذه الجريمة. ولذلك الله جل وعلا ذكر هذه المعصية بعد الشرك: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك في مواضع ذكرها بعد الشرك بالله جل وعلا، كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين: سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل الله ندا وهو خلقك» وهذا الشرك بالله. قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قيل: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾. حتى أن بعض السلف ذهب إلى أن قاتل النفس ليست له توبة، عن ابن عباس، وقيل تراجع، والحق أن له توبة إذا تاب، حديث صاحب التسعة والتسعين نفسا وغيرها من الأحاديث، الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ثم تاب فتاب الله عليه، وإلى آخر النصوص في ذلك. الشاهد أن هذه الجريمة عظيمة. شاهدنا من هذا الحوار ما هو السبب؟ ما هو السبب الذي أوقع هذا الأخ في قتل أخيه؟ والجواب معلوم إن شاء الله عند الجميع: إنه الحسد، إنه الحسد. حسد أخاه على ما أنعم الله جل وعلا به عليه فقتله. وهذا يدلنا على شناعة هذه المعصية أيضا وهي الحسد، والعياذ بالله. من الذي طُرد إبليس من الملكوت الأعلى؟ كان في الملكوت الأعلى، طُرد ولُعن بسبب الحسد والكبر. أول معصية عُصي الله جل وعلا بها كان سببها الحسد من إبليس لأبينا آدم. ماذا قال إبليس؟ ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾، ﴿ كَيْفَ أَسْجُدُ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَأَنَا خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾. وفي الآية الأخرى قال: ﴿ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾. نظر إلى العنصر، العنصر الذي خلق منه، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، ولم ينظر إلى فضل آدم عليه الله جل وعلا شرف آدم وأكرمه بتشريفات عظيمة، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وإلى آخر ذلك من هذه الكرامات. إبليس نظر إلى العنصر: هو من نار وهذا من طين. قال ابن كثير: فقاس هذا القياس، قاس هذا القياس وهو قياس فاسد. قال ابن سيرين رحمه الله تعالى والحسن البصري: أول من قاس القياس الفاسد إبليس لعنه الله، القياس الفاسد الذي هو في معارض النص. الله جل وعلا يقول: ﴿ فَاسْجُدُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾، أمر بالسجود، إبليس يأتي يقيس: كيف أسجد؟ أنا مخلوق من مادة كذا وهذا مخلوق من مادة كذا، أنا فاضل، ظن نفسه فاضلا وهذا مخلوق، كيف يسجد الفاضل للمفضول؟ هذه قياسات فاسدة. اليوم ترد كثير من النصوص، نصر الله العافية، بسبب القياس الفاسد. فمن يفعل ذلك فنقول: أسوتك إبليس وقدوتك إبليس، لأن أول من سنّ القياس الفاسد هو إبليس لعنه الله. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فضرّ، ضرّ ضرّ إبليس عنصره الفاسد، العنصر هذا الفاسد الذي فيه ضره، وآدم نفعه عنصره وهو هذا الطين التي خلق منها. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى قال: قبحه الله، أي إبليس، هذا القياس الفاسد، أيهم أفضل: النار أم الطين؟ قال: الطين أفضل، الطين خير، الطين بها يكون النبات، ويكون بها الزرع، ويكون بها كذلك الخير الكثير، وفيها الطمأنينة، وفيها السكون، أما النار ففيها الطيش، وفيها الإحراق. لكن إبليس يقول: النار أفضل لأن النار تعلو على الطين، النار تعلو على الطين فهي أفضل. نعم، وجهل حقيقة هذه الطين وما فيها من منافع عظيمة للعباد وأرزاق كثيرة من النبات والثمرات والخيرات. فالشاهد أن إبليس صُرد بسبب الحسد، عياذ بالله. وهكذا كذلك من الذي أوقع أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام فيما وقعوا فيه؟ هو هذا الأمر، كما قال الله جل وعلا: ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾. في تلك البئر، لماذا؟ لأنهم رأوا أباهم يحب يوسف ويحب أخاه، ففعلوا ما فعلوا كما قص الله جل وعلا. والله جل وعلا يقص علينا ذلك لنعتبر ولنتعظ، وإلا فقد تاب أخوة يوسف رضي الله تعالى عنهم، لكن الشاهد أن الله يقص هذه في كتابه ونحن نقصها لأجل الاعتبار لا للتنقيص لحق هؤلاء، لكن لأجل أخذ العبرة وننظر إلى عواقب الأمور كيف تصل بأصحابها، فربما تصل ببعض الناس إلى قتل إخوانهم. ومن الناس من ربما لا يبالي بإخوانه، يفعل بهم الأفاعيل بسبب الحسد، عياذ بالله. ما الذي جعل اليهود يردون رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟ أنكروا رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، عندهم البراهين في التوراة باسمه وبعلاماته، وسألوا عنها وتحققوا عنها، جاءوا للنبي عليه الصلاة والسلام وسألوا عن العلامات فوجدوها، لكن ما الذي منعهم من قبول رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟ إنه الحسد. حسد النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا كان من العرب؟ أرسل من العرب، كان يظنون أنه سيُسل منهم، إنه الحسد والعياذ بالله. فهكذا الحسد عباد الله، آثار وخيمة، كم دمر من أمم وكم دمر كذلك من شعوب وأفراد. وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه داء الأمم، وصف الحسد بأنه داء الأمم، يعني مرض الأمم الفتاك، المرض العضال. جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الحاكم، حسّنه الألباني رحمة الله تعالى عليه في الصحيح، وصحح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: «سيصيب داء أمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والحسد هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين». وفي رواية: «سيصيب داء أمم قبلكم: الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي». هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: داء الأمم سيصيب هذه الأمة وقد أصابها كما أخبر نبي عليه الصلاة والسلام. التكاثر لأجل الدنيا موجود، التحاسد لأجلها، تقاتل لأجلها، وهكذا كما أخبر نبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك النصوص تكاثرت في كتاب الله جل وعلا وفي سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في ذم هذا الخلق السيء وهذا المرض العضال. فجعل الله جل وعلا الحاسد كأنه معترض على قدر الله، الحاسد كأنه يعترض على قدر الله، هذه قسمة الله جل وعلا، قسم الأرزاق الله جل وعلا، فلماذا تحسد أخاك؟ هل عندك اعتراض على قدر الله؟ وذلك قال جل وعلا مبينا ذلك في كتابه الكريم: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾. لماذا يحسد هؤلاء؟ الله جل وعلا آتاهم ملكا عظيما. ماذا يعطى هذا؟ سيارة، بيتا، كذا وكذا، تحسدوه على هذا أو على شيء من أمور الدنيا أو غير ذلك؟ عليك أن تغبطه، فهي مشروعة، ألا تمنى زوال النعمة من أخيك، لكن تكون عندك غبطة. وهذه الغبطة الأفضل أن تكون في أمر الآخرة، حتى في أمر الدنيا لا تغبط أخاك في أمر الدنيا، الأفضل أن لا تغبط أخاك في أمر الدنيا، نعم، ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه. لكن الغبطة في أمر الآخرة هذا أفضل، وجاز في أمر الدنيا لكن خلاف الأولى، على الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم أن الغبطة الأفضل في أمر الدنيا كذلك الأفضل تركها وهي جائزة. نعم، يعني عند أخيك بيت تتمنى أن يكون لك بيت مثله جائز، عنده سيارة ما شاء الله تتمنى أن تكون عندك سيارة مثله جائز، لكن هل الأفضل؟ الجواب: لا، الأفضل أن لا تغبطه في أمر الدنيا، اغبطه في أمر الآخرة، هو كثير صلاة اغبطه على ذلك، تريد أن تكون أفضل منه أو مثله، وهكذا في العبادات والطاعات، في الجهاد في سبيل الله، في الصدقة، هذا هو الأفضل والله أعلم. فإذا اليهود ردوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام بسبب حسدهم، والله جل وعلا بيّن ذلك من الاعتراض على قدره جل وعلا الذي قضاه وقدره كما سمعتم. الحسد من أخلاق إبليس، خلق من أخلاق إبليس، ليس من أخلاق أهل الإيمان. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يجتمعان في قلب عبد إيمان وحسد، كما في حديث أبي هريرة عند النسائي، صحيح العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمع في قلب عبد إيمان وحسد، لا يجتمع في قلب عبد إيمان وحسد، لا يجتمعان». لماذا؟ لأن المؤمن إنما هو التنزه عن الحسد، صادق في إيمانه، والذي كمل في إيمانه لو كان مؤمن حقا لماذا يحسد الناس على ما أتاهم الله جل وعلا من فضله؟ أين الإيمان؟ أين أثر الإيمان؟ الإيمان ضعيف، فإذا هو ليس بمؤمن كامل الإيمان، وإلا إذا كان مؤمن كامل الإيمان فما اجتمع في قلبه الحسد مع إيمانه. الحسد من أخلاق اليهود، ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. هؤلاء اليهود أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم ودوا أنه لم ينزل الله جل وعلا عليكم من خير، وأن يختصكم برحمة منه جل وعلا، لماذا؟ حسد من عند أنفسهم، والعياذ بالله. وهكذا كذلك هو خلق المشركين، كما قالوا: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾، حسد النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا نزل القرآن عليه؟ ما نزل على رجل عظيم من أهل القريتين. فهو من خلق اليهود، ومن خلق كذلك المشركين، وكذلك هو من خلق اللئام، وليس من خلق الكرام. وأحاديث سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، وفي القرآن أمرنا جل وعلا، أمرنا جل وعلا أن نستعيذ من الحاسد ومن حسده: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾. أمر الله جل وعلا بأن يستعيذ به، أمر عباده بأن يستعيذوا به من شر الحاسد وحسده. الحديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: جاء حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا». الحديث، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التحاسد، فالتحاسد مذموم، ذمه الله وذمه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكما سمعتم أنه لا يجتمع مع الإيمان في قلب عبد، المؤمن الذي صدق في إيمانه. فلذلك علينا أن نتورع وأن نتنزه عن هذا الخلق. الكثير من الحسد الذي يحصل بين الناس غالبا يحصل بين الأقران وبين النظراء، فالصياد يحسد الصياد، والبناء يحسد البناء، وسائق السيارة يحسد من كان مثله، والصانع كذلك، والمهندس كذلك، والمزارع كذلك، ربما حتى الشحاد وهو شحاد يحسد الشحاد مثله، حتى الشحاد وهو شحاد يحسد الشحاد مثله، نعم. فغالبا الحسد يكون بين الأقران والنظراء. لكن ما فائدة هذا الحسد؟ هل تظن أيها الحاسد أنك سترد شيئا من الله جل وعلا به على أخيك؟ ما تستطيع. رأيت لأخيك بيتا جميلا ربما كذا وكذا من الأدوار، هل إذا حسدته نقصت أدوار هذا البيت؟ إذا كان أربعة أدوار هل بحسدك سينقص دور منها يكون ثلاثة، ولا بدل من أربعة إلى دورين؟ الذي عنده سيارة حسدته على سيارته، هل ستصبح هذه السيارة غير جميلة؟ نعم. وهذا إذا حسدت في ماله ما سينقص، بل ربما حتى إذا حسدت أقرباءك، أقرب الناس إليك، إذا حسدتهم ما تستطيع أن ترد شيئا كتبه الله جل وعلا لهم. إذا كان قريبا لك مثلا سيرثك من مالك، لكن أنت ما تريد أن يرثك، ما تريد أن يرثك، تحسده، تقول: لنا إذا مات هذا سيرثني، وأنت تحسده، هذا المال هذه الأمواس، إذا حسدته هل تظن أنك ستمنعه من هذا المال وهذا الذي قدره الله جل وعلا له؟ لا، ما تستطيع، رغم أنفك سيأخذ هذا المال رغم أنفك. ولذلك ذكروا في بعض الكتب كما ذكر ابن أبي عاصم المكي رحمه الله في كتابه "جنة الرضا في أخبار ما قدر الله وقضى": ذكر رجلا كان له أبناء عم وكان لا يريد أن يريثوه من بعده حسدا وعداوة، فماذا فعل؟ قالوا: جمع ماله كله عنده، ذهب عنده، جواهر وعنده كذا وكذا، جمعه كله كله في جرة، في جرة، ثم صب عليها الرصاص، صب عليها الرصاص، وذهب إلى رجل كان يتاجر في البحر، يذهب إلى بعض الجزر يتاجر له تجارة، فقال له: يا فلان، خذ هذه الجرة، إذا وصلت إلى جزيرة كذا فألق بها في البحر، ألق بهذه الجرة في البحر. أخذ هذا التاجر معه في سفينته، ذهب، فنسي، مر على الجزيرة ونسي أن يلقي تلك الجرة في البحر، فأخذ تجارة واشترى تجارة، ثم بعد ذلك تذكر جرة الرجل أنه مر جزيرته ولم يلقيها في البحر، قال: مادام كذلك فأنا سأنظر ماذا في هذه الجرة الآن، تفضول يريد أن يرى ما في هذه الجرة، ففتح الجرة فإذا فيها الذهب والجوهرات، سبحان الله، فاجتهد يشتري بهذا المال تجارة، كانت تجارة في هذا الوقت يعني رخيصة فيها أرباح كثيرة، فاجتهد يشتري بهذا المال تجارة ثم يبيعها ثم يرد المال، فاشترى بهذا المال تجارة ثم رجع، فلما رجع سأل عن هذا الرجل وهو كان كبيرا في السن، هذا الرجل صاحب الجرة، قال له: قد مات، سأل عن ورثته، فقال له: أبناء عم، لا يرثه غيرهم، ما أحد ورث إلا هؤلاء، فقال لهم: هذه التجارة لكم وأنا قد أهدي أفضل لكم من المال لأن هذه التجارة إذا بعتموها ومضمون ربحها أضعاف هذا المال، فهي لكم، وأعطاهم إياها. رجع المال، أين الحسد؟ أين حسد هذا الرجل حتى من ماله الذي هو ماله كان يمتلكه؟ ما استطاع لحسده أن يمنع ورثه منه. وذكروا كذلك رجلا آخر كان له كذلك أبناء عم، كان له أبناء عم يرثونه وهو يحسدهم، ما يريد أن يرثوه من بعده، فماذا فعل؟ لما كبر السن جمع الذهب، جمع ماله كله، وكانت أموالهم من الذهب، فجمع هذا المال الذهب، فماذا فعل؟ عمل لبنات، تعرفون اللبنات، المدر من الطين أو غير ذلك، فخلط التراب وهذه اللبنات بالذهب، جعل الذهب داخل اللبنات، يعني إذا نظرت رأيت لبنات ظاهرها لبنات وداخلها ذهب، عمل ثمان لبنات، عمل ثمان لبنات، ووضع داخل هذه اللبنات الذهب، وأوصى أنه إذا مات أن توضع هذه على قبره، يغطى بها في الحفرة ويتغطى بها بدلا من اللبن الآخر، هذا اللبن، حتى يحرم ورثته أبناء عمه من ميراته لحسده لهم. مات الرجل، فأخذوا اللبنات إلى قبره، فوضعوه في قبره، وضعوا اللبنات، وضعوا اللبنة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، بقيت فتحة صغيرة، زادت عليها اللبنة، اللبنة الآن كبيرة والفتحة صغيرة، ما يحتاجونه إلا إلى نصف، إلى نصف هذه اللبنة، فماذا فعلوا؟ كسروا اللبنة فإذا الذهب، فعرفوا أن هذه اللبنات أيضا داخلها ذهب. أبناء عمه قد حضروا الدفن، أبناء عم هذا الميت حضروا الدفن، فنظروا في الذهب، فأخذوا الذهب، أخذوا اللبنات إلى بيوتهم. هل أطاعت بحسده أن يدفع هذا عنهم؟ أبدا. فإذا أنت لماذا تدفع؟ لماذا تحسد أخاك الذي جعل الله جل وعلا له القبول في الأرض، جعل الناس يقبلون على حبه، تحسد لما؟ هل تظن أنك ستمنع الناس من حبهم؟ لا أبدا، ولا من رزق الله أبدا. إذن ما فائدة الحسد؟ لا فائدة من الحسد. إذن عليك أن تترك الحسد وأن تبتعد عنه. من أقوال السلف في الحسد: قال ابن المعتز: الحسد داء الجسد، الحسد داء الجسد. وقال ابن سيرين رحمه الله: ما حسدت أحدا على أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فلماذا أحسده؟ فهو قادم على ما هو أفضل من هذا، وإن كان من أهل النار فكيف أحسد شخصا أعلم أنه بعد هذا سيدخل نار جهنم والعياذ بالله. وهكذا كذلك قال بعض السلف: قال الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أخلاق ومن أفعال الكرام. وكل حريق يطفأ إلا نار الحسد لا تطفأ، كل حريق يطفأ إلا نار الحسد لا تطفأ. وصدق من قال: الحسود لا يسود، الحسود لا يسود، لا يمكن تكون له سيادة، ما يمكن تكون سيادة لشخص حاسد، الحسود لا يسود. وكما يقولون: عضة أسد ولا نظرة حسد، عضة أسد ولا نظرة حسد، صحيح، لضرر الحسد، العياذ له، تصبر على العضة ولا تصبر على عين الحاسد الذي يحسدك، والعياذ بالله. فنحن في هذا الشهر الفضيل المبارك الذي هو مدرسة، بل جامعة، بل منارة، بل صرح عظيم يدرس الإنسان فيه، المسلم يتخلق بالأخلاق الحسنة ويتخلق عن الأخلاق السيئة، ويجاهد نفسه من هذه الأخلاق الذميمة، الحسد والكبر وغير ذلك من هذه الأخلاق السيئة. فنسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا من الحسد وأن يعيننا على أنفسنا وأن يجعلنا ممن يلقاه جل وعلا بقلب سليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.