التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 16

التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 16

الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب كحل النبي صلى الله عليه وسلم وفوائد الإثمد

يشرح المقطع باب كحل رسول الله في الشمائل للترمذي مبيناً أنواع الكحل وجودة الإثمد وفوائده من حديث ابن عباس في جلاء البصر ونبات شعر الجفون. ويناقش ضعف رواية اكتحاله كل ليلة ثلاثاً في كل عين ويعرض سند حديث آخر لابن مسعود مع تصحيح الأحاديث الواردة في فضل الاكتحال بالإثمد.

حديث ابن عمر في الإثمد وبداية باب اللباس

يذكر المقطع حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على الاكتحال بالإثمد لجلاء البصر وإنبات الشعر ويبين أن الحديث حسن له شواهد. ثم ينتقل إلى باب لباس النبي موضحاً أن الأصل في اللباس الإباحة مع اجتناب ما نُهي عنه كإسراف ومخيلة وتشبه الكفار أو لبس الحرير للرجال.

أحاديث لباس النبي صلى الله عليه وسلم في سنن الترمذي

يذكر المقطع أن الإمام الترمذي أورد في هذا الباب مجموعة من الأحاديث عن لباس النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً أنواعه وصفته ولونه. ويشير إلى أن التفصيل في هذه الأحاديث سيأتي في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: مر معنا ضمن أبواب شمائل النبي صلى الله عليه وسلم للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدين أجمعين، الكلام حول باب ألا وهو باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا: الترمذي رحمه الله تعالى عقد هذه الترجمة لكي يبين ما يتعلق بكحل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من هديه وسنته القولية والفعلية أنه كان يكتحل، كما تضمن ذلك أحاديث الباب، وسبق معنا أن الكحل هو عبارة عن حجر، وهذا الحجر يسحق وتكحل به العين إما لأجل العلاج وإما لأجل الزينة، ومنه ما هو أسود اللون، ومنه ما هو مائل إلى الحمرة، ويعد الإثمد من أجودها وأشهرها، والكحل يستخدم منذ القدم، وذكر أن أجود الكحل ما كان سريع التفتت يدل على أنه خالص ولم يضاف إليه شيء آخر كالرصاص وغيره، فإذا كان سريع التفتت ولفتته بصيص أي بريق ولمعا وداخله أملس لا وسخ فيه، فهذا يعتبر جيدا. وتضمن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ألا وهو في قوله عليه الصلاة والسلام: «اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»، تضمن بعض فوائد الكحل، فقوله: «يجلو البصر» أن يعتبر منظفا، وهكذا أيضا منقيا ومطيبا للعين، فيساعد على وضوح الرؤية، وهكذا أيضا على صحة العين، وقوله: «وينبت الشعر»، المقصود بالشعر هنا الذي يساعد على نباته هو شعر الجفون، الذي هو هذه الأهداب التي تكون حول العين، وهذا الشعر الذي يكون حول العين يساعد على نموه وعلى تطويله، ونموه وطوله يعتبر حماية للعين، وهكذا أيضا يعتبر وقاية لها وصيانة لها من الأتربة ومن الغبار، وأيضا فيه جمال للعين، كلما كانت هذه الرموش طويلة كلما كان ذلك أجمل وأحسن. ومن نعمة الله تعالى يا إخوان على هذا الإنسان أن جعل عينه ترمش دائما، لما في هذا من فوائد عظيمة للعين من حيث النظافة، وهكذا أيضا الحماية، ولهذا لاحظوا: إذا أصاب العين شيء فإن العين تكثر من هذا الرمش. وفي قوله: «وزعم» أي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه أي اليمنى وثلاثة في هذه أي اليسرى، هذه الزيادة ضعفها جمع من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وذكر رحمه الله تعالى كذلك حديث ابن مسعود الآخر، قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، قال حدثنا عبيد الله بن موسى، قال حدثنا إسرائيل عن عباد بن منصور، قال: «حاء» و«حاء»، هذه بمعنى تحويل السند، أي الترمذي سيروي الحديث بإسناد آخر جديد، قال: «حاء» وحدثنا علي بن حجر، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال حدثنا عباد بن منصور، وعباد بن منصور هو مخرج الحديث كما سبق معنا في الحديث السابق، قال: عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، وعباد بن منصور يروي عن عكرمة أحاديث لربما فيها بينه وبين عكرمة شخصان. قال: عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثا في كل عين، وهذا الحديث ضعفه جماعة من أهل العلم، إلا ما جاء في أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتحل بالإثمد، فلها شواهد صححها جماعة من أهل العلم، أما ما عداه فهو ضعيف، وممن ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهكذا غيره. وقال يزيد بن هارون في حديثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين، وهذا كما سبق أنه لم يثبت، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على أن يكون الاكتحال وترا، قال أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يكتحل وترا»، «كان يكتحل وترا». وفي حديث أبي هريرة في مسند أحمد، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بشواهده كما في السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع وغيرهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اكتحل أحدكم فليكتحل وترا»، «وإذا استجمر فليستجمر وترا»، وإذا استجمر أي أزال أثر النجاس بغير الماء بالحجارة أو بغيرها مما يجوز أن يزال به النجاسة، فليكن ذلك وترا، يعني ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا، وهكذا يكون وترا على حسب الحاجة. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا أحمد بن منيع، قال حدثنا محمد بن يزيد عن محمد بن إسحاق عن محمد بن منكر عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»، وهذا الحديث حديث جابر بن عبد الله، وهكذا أيضا جاء نحوه من حديث ابن عمر، وهكذا لهما شواهد من حديث علي وابن عباس وأبي هريرة، وهو صحيح، شيخ الألباني رحمه الله يصححه كما في صحيح الجامع، وهكذا أيضا في صحيح الترغيب والترهيب، وهكذا أيضا في السلسلة الصحيحة. وهنا يرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاكتحال بالإثمد، وذلك لما فيه من الفائدة العظيمة، وأنه يعتبر من أنفع وأجود أنواع الكحل، وأن استخدامه قبل النوم هو يعتبر نافعا لأن العين تكون في حالة هدوء فتستفيد من هذه المادة التي توضع فيها. وذكر قال: «فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وعبد الله بن عثمان بن خثيم هذا متكلم فيه، الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى كان يقول فيه: منكر الحديث، والحافظ في التقريب قال عنه: صدوق، فكلام العلماء في جرحه كثير، ومنهم من قبل حديثه في الشواهد والمتابعات، وهذا الذي يدل عليه صنيع الإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله تعالى. قال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر»، وهذا الحديث كما سبق له شواهد يحسن بها، لهذا حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله كما في كتابه صحيح الجامع وغيره. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا إبراهيم بن المستمر البصري، قال حدثنا أبو عاصم وهو النبيل الضحاك بن مخلد، وهو حسن الحديث، قال: عن عثمان بن عبد الملك، وعثمان بن عبد الملك هذا هو المكي مؤذن المسجد الحرام، قال فيه الإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله تعالى: منكر الحديث، وقال الإمام أحمد رحمه الله: حديثه ليس بذاك، هذا جرح وطعن فيه، والذهبي رحمه الله تعالى قال فيه: ضعف، ولخص هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تقريب التهذيب فقال: لين الحديث. قال: عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»، وهذا كما مر معنا أنه له شواهد كثيرة، لهذا حسنه بل صححه لأجلها جماعة من أهل العلم، وفيه الحث والترغيب على الاكتحال، ولا سيما استخدام الإثمد، فإنه يعتبر مفيدا ونافعا للعين، فيعتبر مطهرا ومنقيا للعين، ويعتبر سببا لصفاء الرؤيا وذهاب الغشاوة التي قد تكون على العين، وهكذا إنبات الشعر الذي يكون حول العين فيكون حاميا وهكذا حافظا لهذه العين. قال رحمه الله تعالى: قال باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاحظوا أن الترمذي رحمه الله تعالى انتقل من الشمائل الخلقية إلى أدوات ومقتنيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذكر كحوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا قبله خضابه صلى الله عليه وسلم، وهو هنا عقد هذه الترجمة لبيان ما يتعلق بلباس النبي صلى الله عليه وسلم، ما صفته، وما هي أنواعه، وهكذا ما هي ألوانه، إلى غير ذلك مما يتضمنه هذا الباب. واللباس يا إخوان نعمة من نعم المولى تبارك وتعالى امتن بها على خلقه وعباده، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، والأصل في اللباس هو الإباحة، الأصل في اللباس هو الإباحة، ويجتنب ما جاء النهي عنه في الشريعة، كلباس الشهرة، وهكذا ما فيه مخيلة يعني شيء من التكبر والتعالي، وما فيه تشبه أي بالكفار، أو تشبه الرجال بالنساء أو النساء بالرجال، أو لبس الحرير للرجال، أو إسبال الإزار للرجال، أو غيرها مما جاء في الشريعة النهي عنه. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية، جاء في صحيح البخاري معلقا ووصله، أو جاء موصولا عند أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة». قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: إسراف أو مخيلة»، يعني: كل ما شئت والبس ما شئت، لكن انتبه إلى أمرين اثنين: الأمر الأول الإسراف، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، والأمر الثاني هو المخيلة، يعني أن يكون هذا اللباس فيه تكبر وتفاخر وتعالي على الآخرين. ذكر الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في هذا الباب جملة من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تتعلق بلباسه، ماذا كان يلبس، وهكذا أنواع هذا اللباس وصفته ولونه، إلى غير ذلك مما يأتي معنا الكلام عنه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.