شرح أصول في التفسير للعثيمين 9

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 9، ألقاها

مراحل جمع القرآن الكريم وتاريخه

تحدث الدرس عن المراحل الثلاث لجمع القرآن الكريم، بدءًا من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عهد أبي بكر الصديق، وصولًا إلى عهد عثمان بن عفان. يُبرز الفرق بين جمع أبي بكر وعثمان للقرآن، حيث كان لجمع عثمان ميزة الترتيب الحالي للمصحف وإجماع الصحابة عليه.

جمع عثمان للقرآن على حرف واحد وأسبابه

شرح المقطع كيفية جمع عثمان بن عفان للقرآن على حرف واحد وهو لسان قريش، وسبب جمعه للناس على حرف واحد بسبب التفرق والتشرد في القراءات. أمر عثمان بإحراق المصاحف الأخرى لتوحيد القراءة.

تفاصيل جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان

يشرح المقطع كيف قام عثمان بن عفان بجمع القرآن على مصحف واحد بعد استشارة الصحابة، لتلافي الاختلاف في القراءات. يبرز الفروق بين جمعه وجمع أبي بكر للقرآن، ويشيد بالنتائج الإيجابية لهذا الجمع في تحقيق الوحدة للمسلمين.

خاتمة الدرس وتسبيح

يختم المتحدث كلامه بالإشادة بفضل الله على الأمة وحفظه لكتابه، ثم يتوجه إلى الله بالتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على كتابة القرآن وجمعه، وأنه مر بثلاث مراحل. ومر معنا المرحلة الأولى، وهي كتابته في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أن الأمر كان معتمدًا على الحفظ، وأن بعض الصحابة ممن كان يكتب كان يكتبه، واختلفت طرائقهم في تلك الكتابة، فمنهم من كان يكتبه في عسب النخل، ومنهم من يكتبه في رقاع الجلود، وبعضهم في إخاف الحجارة وكسر الأكتاف ونحو ذلك، يعني كل يكتب بما تيسر له فيه الكتابة. وهذا يدلنا على حصر آلات الكتابة حينها، فالكاتبون قليلون وآلات الكتابة كذلك قليلة، ولكن الله جل وعلا وهبهم حفظًا، فكانوا يحفظون القرآن حفظًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، فكانت الآيات تحفظ في صدور هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وذكر أن المرحلة الثانية مرحلة الكتابة في عهد أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وذلك بعد أن قتل في يوم اليمامة أو في وقعة اليمامة من قتل من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان فيهم كثير ممن يحمل القرآن. وكان مما أشار به الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على أبي بكر الصديق أن يجمع القرآن، وأن يكتب القرآن خشية أن يذهب شيء منه. وهذا من حفظ الله جل وعلا للقرآن، أن ألهم عمر الفاروق بهذا الرأي، فاستدعى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فأمره بالقيام بهذا الأمر، أي بكتابة القرآن. فقال له زيد: يعني كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: «فإنه خير»، أي جمع القرآن عمل خير. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، أن في القرآن إشارات إلى هذا المعنى، إلى أن القرآن سيحفظ وإلى أن القرآن سيجمع. فكان أول جمع للقرآن في كتاب هو في زمن الصديق رضي الله عنهم وأرضاه. استدعى زيد بن ثابت، وما زال به هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حتى أقنعاه، وقال له: بأنك رجل شاب وقوي وأمين، وقد كنت تكتب القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فوكله بهذه المهمة العظيمة. الذي قال عنها زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه: «والله لو وكلوني بأن أنقل حجارة جبل لكان أهون علي من ذلك»، لماذا؟ لعظم هذا الأمر، لأن الأمر حفظ القرآن وكتابة القرآن وتدوين القرآن ومتابعة الناس مما كان إلى آخر ممن يحفظ القرآن، أمر شاق. إلى جانب ما يحتاج إليه ذلك العمل من شدة الصيانة والتحري والضبط إلى غير ذلك. فالحاصل، اجتهد زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه اجتهادًا بليغًا عظيمًا، فجمع القرآن في كتاب، وكان ذلك الكتاب في يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في خلافته. فلما مات ورده، انتقل ذلك الكتاب إلى أمير مؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وما زال أمر كذلك. ثم لما مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ومعلوم أن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما مات جعل حفصة وصية على ما تركه، ومما تركه القرآن الذي جمعه أو الذي جمع في عهد الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فكان القرآن مجموعًا عند حفصة رضي الله عنها وأرضاها. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي ذكر الشيء رحمه الله تعالى في قوله: «المرحلة الثالثة في عهد أمير مؤمنين عثمان بن عفان في السنة الخامسة والعشرين». قد يقول قائل: لماذا نقول جمعه عثمان بن عفان، وقد جمعه أول ما جمعه أبو بكر؟ واضح. الجماعة، لماذا نسب القرآن الذي بين أيدي المسلمين اليوم، بل من زمن عثمان إلى عثمان، ولم يقل بأنه المصحف الصديقي واضح الجماعة، أو المصحف البكري، بمعنى أن أبا بكر هو الذي جمعه؟ لماذا قيل العثماني، بمعنى أن عثمان هو الذي جمعه؟ والجواب عن هذا كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى، أن جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، كان للآيات في السور، دون مراعاة الترتيب، أو قد يكون على ترتيب رآه من؟ رآه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، يعني قد يكون هذا وقد يكون الثابت، والأول أقرب. واضح الجماعة، إذ لو كان ترتيبًا لأبي بكر وعمر لما خالفه من؟ لما خالفه عثمان رضي الله عنه وأرضاه. ولكن يفهم من جمع عثمان للقرآن بعد ذلك، وترتيبه بهذا الترتيب، وإجماع الصحابة بعد ذلك عليه، بعد أن كان كما سمعت في أول أمر في شيء من الخلاف، ثم وقع الإجماع على ذلك، ما يدلنا على ماذا؟ على أن عثمان كانت من مهمته العظيمة الكبيرة التي فعلها هو هذا الأمر، أي جمع الآيات في السور، وجمع السور في مصحف واحد، ورتب المصحف، أي صور المصحف على ماذا؟ على هذا الترتيب الذي هو بين أيدينا. واضح هذا يا أخوة؟ فيكون ترتيب عثمان، أو فيكون جمع عثمان للقرآن يفارق جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه القرآن بأمور، أو من أمور، الأمر الأول: أن عثمان رتبه بهذا الترتيب، فكان مقصد عثمان رضي الله عنه وأرضاه، أو من مقاصد المصحف العثماني، أو قل من مميزات المصحف العثماني هذا الترتيب الذي سار عليه المسلمون إلى زماننا هذا، إلى ما شاء الله من أزمان بإذنه جل وعلا، بخلاف جمع الصديق رضي الله عنه وأرضاه القرآن، فإنما كان مقصده ما هو؟ جمع القرآن، بجمع آيات كل سورة كل سورة في ماذا؟ في موضعها المناسب. واضح يا أخوة؟ هذا أمر. الأمر الثاني: أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه كان من مقاصده لجمع القرآن العظيم، أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه بسبب الخلاف الذي وقع، وسيأتي الإشارة إليه بإذن الله عز وجل، رأى عثمان أن يجمع الناس كلهم على حرف واحد، على حرف واحد، بخلاف جامع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لا يفهم منه أنه جمعهم على حرف واحد. واضح الجماعة، أي تعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف»، كما جاء في صحيح البخاري وغيره، جاء عن عمر، وجاء كذلك عن ابن مسعود، وجاء عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فالقرآن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أنزل على سبعة أحرف، كما قال علماء: بمعنى أنه أنزل على سبع لغات، على سبع لغات، فقرأ بلسان قريش، وتارة بلسان ثقيف، وتارة بلسان غيرهم، فكانت هذه القراءات السبع قراءات سبع. واضح الجماعة، وكان مقصد الصديق رضي الله عنه وأرضاه جمع القراءات، بغض النظر هل هي من حرف كذا أو من حرف كذا. واضح، بخلاف عثمان رضي الله عنه وأرضاه، جمع الناس على حرف واحد، جمع الناس على حرف واحد، وهو الذي كانت تقرأ به قريش، وهو الذي كانت تقرأ به قريش، لماذا؟ قال: لأن القرآن أنزل بلغتهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قريش، فالقرآن أنزل بلسان من؟ بلسان قريش. واضح الجماعة. وسبب جمع عثمان رضي الله عنه وأرضاه الناس كلهم على حرف واحد، هو ما حصل من التفرق والتشرد بين الأمة في زمنه رضي الله عنه وأرضاه، حتى خيف على بعض الناس من الكفر، لماذا؟ خيف عليه من الكفر؟ لأن بعضهم كذب بعضًا في القراءة، وبعضهم ادعى أن قراءته أفضل من قراءة الآخر، والكل ماذا؟ من الأحرف السبعة. واضح الجماعة، فكون إنسان يقول: قراءتي أفضل من قراءتك، هذا في إيش؟ التنازع. أنا أقرأ كذا، وأنت تقول: بل هي كذا، والصواب كذا، ويقول هذا: قراءة أفضل من قراءتك، والآخر يقول: لا، قراءة أفضل، وقراءة صحيحة، وقراءة باطلة، إلى غير ذلك. قال: ثم استشر الأمر إلى من؟ إلى المعلمين. واضح الجماعة، بدأ بالصبيان، ثم ارتقى وارتفع إلى من؟ إلى المعلمين، ثم حصل التنازع فيمن؟ في المعلمين، والخلاف. فلما رأى ذلك الصحابة، ومنهم حذيفة بن اليمن رضي الله عنه وأرضاه، أسرع إلى عثمان، فأشار عليه بماذا؟ بجمع الناس على حرف واحد. فكان جمع القرآن بشورى ممن؟ من حذيفة بن اليمن رضي الله عنه وأرضاه، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم الصحابة مطلقًا بماذا؟ بالفتن. قال: «أدرك الناس»، أدرك الناس، خشية أن يفتتنوا. وجاء في بعض الرواية: قال لعثمان: «أدرك الناس قبل أن يفتتنوا». وقد كان حذيفة متخصصًا بماذا؟ بأحاديث الفتن، فهو عالم بأسباب الفتن، لما آتاه الله جل وعلا من التخصص في هذا الباب، وخبرة في هذا الباب. الشاهد من هذا: أن عثمان جمع الصحابة، أو سأل، جاء في بعض الروايات والآثار، كما في المصاحف لابن أبي داود: أنه قال لصحابة: «قل لي من أفصح الناس؟» أي من الموجودين، فقيل له: سعيد بن العاص. قال لهم: «فمن أقرأهم؟» قالوا: فقيل له: زيد بن ثابت. فأمر زيد بن ثابت بأن يقرأ، وأمر سعيد بن العاص بأن يكتب. واضح يا إخوة؟ وجاء فيه صحيح البخاري، وهو أصح ما هو المذكور عندنا ها هنا: أنه جعل أربعة ممن يجتمعون على كتابة القرآن، وعلى نسخ ماذا؟ وعلى نسخ القرآن. ثم قال لهم: وقال عثمان لرهط الثلاثة القرشيين: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش». فاكتبوه بلسان من؟ قريش، أي في حرف قريش، لماذا؟ قال: «فإنما نزل بلسانهم». وهذا دلنا على أنه جمعهم على ماذا؟ على حرف واحد، جمعهم على حرف واحد، أي على لسان قريش، وعلى الحرف الذي كانت تقرأ به قريش. قال: «ففعلوا»، يعني كان يقرأ على لسان قريش، وعلى لسان هذيل، وعلى لسان ثقيف، وهكذا. قال: «ففعلوا»، يعني فعلوا ماذا؟ أن الأصل لم يكتبوا ما في النسخ، فإذا وقع خلاف بين هؤلاء الثلاثة القرشيين، وكانوا محفظي القرآن، وبين زيد بن ثابت، قدم من؟ القرشيون، لماذا؟ لأن القرآن نزل بلسان من؟ بلسان قريش. واضح يا أخوة. قال: «ففعلوا»، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. طيب، إلى ها هنا ذكر بعض أهل العلم: أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه استنسخ أربعة مصاحف، مصحف جعله عنده في المدينة، ومصحف أرسله إلى الشام، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى العراق. وبعضهم قال: بأنه استنسخ سبعة مصاحف، الأربعة المذكورة، والخامس إلى مكة، والسادس إلى اليمن، والسابع إلى عمان. ذكر هذا، أي بأنه استنسخ هذه المصاحف، ثم أرسل إلى تلك البلاد مصحفًا، لأجل ماذا؟ لأجل أن ينسخ من ذلك المصحف. واضح الجماعة، ويجتمعون جميعًا على ذلك المصحف، فتكون هذه النسخة في تلك البلد، فيجتمع عليها ماذا؟ الكاتبون، فيستنسخون المصاحف. مفهوم هذا يا إخوان؟ يعني الآن قد يقول قائل: الآن الكوفة أو العراق أو الشام مصحف واحد، كيف سيفعلون؟ مقصد عثمان: أن هذا المصحف يعتبر ماذا؟ إمامًا، فيأتي الكتاب فيستنسخون هذا المصحف، وينشرونه بين الناس، بين الآفاق. واضح يا أخوة، كما هو الحاصل اليوم، كل المصاحف مأخوذ من ماذا؟ من مصحف واحد، من المصحف العثماني. فتحقق لعثمان رضي الله عنه وأرضاه والصحابة ما أرادوه من اجتماع الناس على ماذا؟ على مصحف واحد، وعلى قراءة واحدة، وذهب النزاع بفضل الله جل وعلا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وأرسل إلى كل أفقهم بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق». عثمان رضي الله عنه وأرضاه أمر الصحابة ممن كانت عندهم صحف أن يحرقوا ماذا؟ أن يحرقوا صحفهم. بعض الصحابة امتنع متأولًا، يعني رواية، أو ثبت عن ابن مسعود أنه قال: «لا أحرق شيئًا، لا أدع ما حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلام يقصد بذلك زيد بن ثابت رضي الله عنهم وأرضاه». وكان يتأول، ويقرأ، ويقول: ويقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَغُلَّ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يقول: «هذه الصحف سأتي بها ماذا؟ يوم القيامة». وكذلك ذكر هذا المعنى أيضًا عن حفصة رضي الله عنها وأرضاها: أنها امتنعت من إحراق الصحف التي بين أيديها، قالت: «إنها وصية عمر»، أو بهذا المعنى. واضح يا إخوة، فالشاهد: أنه كان في أول أمر، ثم مات ابن مسعود، وكذلك حفصة، كما ذكروا: أنها بعد أن ماتت حفصة يوم أن ماتت حفصة رضي الله عنها وأرضاه، وكان مروان بن الحكم أميرًا على المدينة، أرسل إلى ابن عمر مباشرة بعد الرجوع من الجنازة، وعزم عليه أن يأتيه بالصحف التي كانت عند حفصة، لأن الوصاية انتقلت أو الوصية انتقلت إلى من؟ إلى عبد الله بن عمر، بعد موت حفصة. عبد الله بن عمر استجاب لولي الأمر، أعطاه تلك الصحف، وأحرقها مروان، خشية خشية أن تتفرق الأمة، أيه، فيقول: نحن نرجع إلى الصحف التي كتبها الصديق والفاروق. واضح الجماعة، فيحصل اختلاف آخر، فلأجل هذا المعنى قام بإحراق تلك الصحف، وهو موافق لماذا؟ لفتوى عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وموافق لفتوى عثمان بن عفان، ومن كان في زمانه من الصحابة. قال رحمه الله: «وقد فعل عثمان رضي الله عنه هذا بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم»، بمعنى أن عثمان لم يفرد بالرأي، ولم يستبد بالرأي، وإنما فعل ما فعل عن ماذا؟ عن شورى من الصحابة، استشار الصحابة على هذا الأمر، فلما أشاروا عليه بذلك فعل. قال: أو لما رأى رأيهم ذلك، ووافقوا على ذلك الرأي فعل. قال رحمه الله: «لما روى ابن أبي داود»، أي في كتاب المصاحف، وهو من أفضل الكتب في ذكر الآثار في هذا الباب، قال: عن علي رضي الله عنه أنه قال: «والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملئ منا». قال: «أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكن فرقة ولا اختلاف»، قلنا: «فنعم ما رأيت». واضح الجماعة، وهذا الأثر جاء من طريقين، وأحد الطريقين ظاهر، واحد الطريقين صحيح، أي الطريق جاء من طريق شعبة، وطريق آخر من طريق محمد بن أبان من الصالح الكوفي. وإن كان طريق الكوفي كما ذكر ابن أبي داود: أنها مطولة، لكن الطريق الأخرى هي من طريق شعبة بن حجاج رضي الله عنه ورحمه الله، فظاهر إسناده الصحة. الشاهد منه ماذا؟ أن عثمان استشار الصحابة، أخبرهم بما وقع وما حصل، فقالوا: فماذا ترى؟ قال: «أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، وأن نحرق ما سواها»، فقالوا: «نعم ما رأيت». واضح الجماعة، وقال مصعب بن سعد، أي ابن أبي وقاص: «أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، أعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد». وهذا أيضًا رواية أبي داود في كتاب المصاحف، وإسناده صحيح. وهذا في حكاية إيش؟ في حكاية إجماع، في حكاية إجماع عن ماذا؟ عن الصحابة، أو قل أقل أحواله: أنه محل إقرار من الصحابة، وعدم إنكار. واضح يا أخوة؟ يعني إن لم يكن قول الصحابة كافة، فهو قول جماهير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وحسبك بهذا: أنه فعل من فعل خليفة راشد، فعل خليفة راشد. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنة وسنة الخليفة الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد». واضح يا أخوة؟ فهذا مما سنه عثمان، وسنته متابعة، وسنته متابعة، لا سيما وأنها لم تخالف نصًا شرعيًا، بل تؤيد، وهي مواصلة لما فعله وابتدأه الخليفتان الراشدان قبله، أبو بكر وعمر رضي الله عنهم جميعًا. واضح يا أخوة. قال رحمه الله تعالى: «وهو من حسنات أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، التي وافقه عليها المسلمون عليها، وكانت مكملة لجمع خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر رضي الله عنه، وبإقرار كذلك عمر». واضح الجماعة، فهو كان مكملًا لجمع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر، بشورى ممن؟ برأي ممن؟ من عمر. قال: «والفرق بين جمعه وجمع أبي بكر»: أن الغرض من جمعه في عهد أبي بكر رضي الله عنه: تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف، حتى لا يضيع منه شيء، دون أن يحمل الناس على الاجتماع على مصحف واحد، وذلك أنه لم يظهر أثر الاختلاف، أثر لاختلاف قراءاتهم يدعو إلى حملهم على الاجتماع على مصحف واحد. قالوا: «أما الغرض من جمعه في عهد عثمان، فهو تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف واحد، يحمل الناس على الاجتماع عليه، لظهور الأثر المخيف باختلاف القراءات». واضح الجماعة، فكان الفرق بين جمع الصديق وجمع ذي النورين هو ماذا؟ في أمرين، كما ذكرنا. الأمر الأول: أن كان مقصد أبي بكر ما هو؟ جمع القرآن وحفظ القرآن، بسبب ما حصل من القتل في معركة اليمامة، في وقعة اليمامة. بخلاف عثمان، كان المقصد من جمعه للقرآن ما هو؟ حفظ الناس، أو حفظ القرآن لأجل أن لا يكون اختلاف بين المسلمين. الأمر الثاني: أن أبي بكر لم يقصد بذلك الترتيب، وأما عثمان فرتبهم على ما فرتبوا على ماذا؟ على النسق الذي هو معلوم في أيادي المسلمين اليوم، أي في المصحف الذي في أيادي المسلمين اليوم. الأمر الثالث: أن أبا بكر لم يجمعهم على حرف واحد، لم يجمع القرآن على حرف واحد، وإنما جمعهم على ما أجمعوا عليه. بخلاف عثمان رضي الله عنه وأرضاه، فإنه جمع الناس على ماذا؟ على حرف واحد، على قراءة واحدة. فهذه ثلاثة فروق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان. قال: «وقد ظهرت نتائج هذا الجمع، حيث حصلت به المصلحة العظمى للمسلمين، من اجتماع الأمة واتفاق الكلمة، وحل الفتنة، واندفعت به مفسدة كبرى، من تفرق الأمة واختلاف الكلمة، وفشو البغضاء والعداوة». وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن، متفقًا عليه بين المسلمين، متواترًا بينهم، يتلقاه الصغير عن الكبير، لم تعبث به أيادي المفسدين، ولم تطمسه أهواء الزائغين. فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين. وهذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: من أعظم حسنات عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، والأمة بعده مدينة له بهذا الفضل، بعد الله جل وعلا، أن جمع الناس على ماذا؟ على كلمة سواء، على حرف واحد. أذهب الله جل وعلا به الخلاف الذي قد ظهرت بوادره في زمنه، اجتمع الناس على ماذا؟ على قراءة واحدة، وعلى مصحف واحد. وإذا نابهم شيء، فزعوا كلهم إلى ماذا؟ إلى كتاب الله جل وعلا، لا أنهم حصل بينهم التنازع، هذا يقول: كذا، وهذا يقول: لا، خطأ، وهذا يقول: باطل. الكل رجعوا إلى ماذا؟ إلى أمر واحد. وهذا كما سمعتم من حسنات عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ومن فضل الله جل وعلا الواسع على هذه الأمة، ومن حفظ الله جل وعلا لكتابه. فإله الحمد رب السماوات والأرض، لا إله غيره، ولا رب سواه. وإلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على