الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 10، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع أبياتاً من قصيدة أبي إسحاق الإلبيري التي تصف الدنيا بأنها متقلبة، حزنها أطول من فرحها، وغايتها كظل زائل أو حلم منقضٍ. ويحذر الشاعر من جعل الدنيا غاية، داعياً إلى الاستعداد للآخرة وعدم الأسف على فوات الدنيا.
يصف النص الدنيا بأنها سجن للمؤمن وحلم زائل أو ظل عابر، مستشهداً بأقوال السلف كالحسن البصري ويونس بن عبيد، وابن القيم في ميميته. ويبين أن المؤمن يحب هذا السجن غفلةً، بينما هي دار ابتلاء وزوال، ويحذر من أن تُلهي ملاذ الطعام والشراب عن طلب العلم النافع.
يستعرض المقطع زوال ملذات الدنيا من طعام ولباس كما ورد في الشعر والحديث، ويضرب المثل بقارون الذي انخدع الناس بزينته بينما أهل العلم يرون ثواب الله خيراً. ويؤكد على غفلة الناس عن اعتبار الموت والجنائز، وضرورة مراقبة النفس والتزود للآخرة.
يحذر النص من مصاحبة الذين ينشغلون بأحاديث الدنيا وأحلامها ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ويشبه جلوسهم بالجلوس على جيفة حمار كما ورد في سنن أبي داود. وينبه المسلم إلى ضرورة مراجعة حاله وتجنب مجالسة هؤلاء لئلا يتأثر بغيبتهم عن ذكر الله.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فَلَزِلْنَا في هذه القصيدة العَصْمَى، وهذه النصيحة العظيمة التي قالها أحد شعراء السنة المتقنين المجيدين، وهو العلامة الزاهد الفقيه أبو إسحاق الإلبيري الأندلسي، المتوفى بعد سنة ستين وأربعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى وغفر له: «فَقَابِلْ بِالْقَبُولِ لِنَصْحِ قَوْلِي فَإِنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ فَقَدْ خَسِرْتَ وَإِنْ رَاعَيْتَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا وَتَاجَرْتَ الْإِلَهَ بِهِ رَبِحْتَ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ تَسُوءُكَ حِقْبَةً وَتُسِرُّ وَقْتًا وَغَايَتُهَا إِذَا فُكِّرَ فِيهَا كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلَمْتَ سُجِنْتَ بِهَا وَأَنْتَ لَهَا مُحِبٌّ فَكَيْفَ تُحِبُّ مَا فِيهِ سُجِنْتَ وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ وَعَنْ قَرِيبٍ سَتُطْعَمُ مِنْكَ مَا فِيهَا طَعِمْتَ وَتَعْرَى إِنْ لَبِسْتَ بِهَا ثِيَابًا وَتُكْسَى إِنْ مَلَابِسَهَا خَلَعْتَ وَتَشْهَدُ كُلَّ يَوْمٍ دَفْنَ خِلٍّ كَأَنَّكَ لَا تُرَادُ لِمَا شَهِدْتَ وَلَمْ تُخْلَقْ لِتَعْمُرَهَا وَلَكِنْ لِتَعْبُرَهَا فَجِدْ لِمَا خُلِقْتَ وَإِنْ هُدِمْتَ فَزِدْهَا أَنْتَ هَدْمَاً وَحَصِّنْ أَمْرَ دِينِكَ مَا اسْتَطَعْتَ وَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَ مِنْهَا إِذَا مَا أَنْتَ فِي أُخْرَاكَ فَزْتَ» هذه الأبيات، وهذا الوعظ النافع والتذكير الذي ينفع الله به المؤمنين، في هذه الأبيات العظيمة الجليلة التي نحن نقرأ فيها ونتفيأ في ظلالها الوارفة، ونستقي من معينها الصافي بعد نحو ألف سنة من موت ناظمها، رحمه الله. وهكذا العلم يبقى، وإن تطاولت السنون وذهبت الأيام. نحن نقرأها اليوم غضة طرية ناضجة، كأنها قيلت البارحة، وبيننا وبينها نحو ألف عام. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. الخير يبقى، وعمره طويل. يقول رحمه الله تعالى: «فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ تَسُوءُكَ حِقْبَةً وَتُسِرُّ وَقْتًا». هذا وصف الدنيا، يبين له أن هذه الدنيا متقلبة الأحوال، لا تستقر على حال، وحزنها أكثر من فرحها، أتراحها أكثر من أفراحها. فبينما أنت فرح، إذ هجمت عليك الهموم والغموم، نسأل الله العافية والسلامة. وبينما قلبك فيها سالِم، إذ صار قلبك فيها مكذومًا مهمومًا مغمومًا. هذه الدنيا، ولهذا تتقلب أحوالها وتغير طبائعها. «فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ»، أي: بشيء يجب إفناء العمر فيه، وتضييع الساعات والحياة كلها فيه. وإنما هي ممر، ليست بغاية. وأخطأ من جعل الدنيا له غاية ونهاية. إنما الغاية الدار الآخرة، والنهاية الدار الآخرة. وأما الدنيا فدار زوال. «فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ»، ومن علامة ذلك: «تَسُوءُكَ حِقْبَةً وَتُسِرُّ وَقْتًا». الحِقْبَة: زمن أطول من مطلق الوقت، فكأنه يقول: إن حزنها وإساءتها إليك، وعدم تأتيها لك، أطول من أوقات سعادتك فيها وفرحها وفرحك بها. لو أردت أن تقارن: «تَسُوءُكَ حِقْبَةً»، الحِقْبَة مدة طويلة، قيل: أربعون سنة. ولهذا يقول الله للكفار: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، أي: مددًا طويلة، مدة ثم مدة، ﴿أَحْقَابًا وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. «تَسُوءُكَ حِقْبَةً وَتُسِرُّ وَقْتًا»، أوقات السعادة قليل. وكل إنسان في الدنيا فعنده من الهم ما عنده، والناس أسرار. «النَّاسُ أَسْرَارٌ»، رب ضاحك قد أنضج الحزن والهم قلبه، وأنت تراه مبتسمًا. هكذا هي الدنيا. كم من الناس من يمرض بأمراض ليس لها من سبب إلا الهموم والغموم والأحزان. ومن أحسن علاج ذلك الاستغفار، فإن الهموم والغموم والأحزان نيران دنيوية يعاقب الله بها عباده لتقصيرهم في الطاعة، أو لذنوب يرتكبونها، فهي نيران معجلة من نيران الآخرة. هكذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في «الوابل الصيب». «فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ» يستحق أن تفني فيه عمرك. «تَسُوءُكَ حِقْبَةً وَتُسِرُّ وَقْتًا». «وَغَايَتُهَا إِذَا فُكِّرَ فِيهَا كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلَمْتَ»، بفتح الحاء واللام: «حَلَمْتَ»، وليس «حُلِمْتَ» بفتح اللام. «إِذْ حَلَمْتَ»: غاية هذه الدنيا، ونهاية مطالبها وحضوضها ومتعها، وكل ما تراه فيها، غايته إذا فكرت وتأملت وتدبرت: «كَفَيْئِكَ»، أي كجلوسك في الظل. يمشي الإنسان في يوم شديد الحرارة في بلد حار، فيرى شجرة لها ظل وارف، فيجلس في ظلها ويستري. فبينما هو جالس، إذ تحركت الشمس إلى الزوال، فانقلب موضع ظله شمسًا محرقة. لم يكد يستري، لم يكد يتمتع ويستريح في هذا الظل حتى زال وذهب. وهكذا الدنيا: تبقى فترة، ولا بد أن تموت وتذهب وتتركها. «وَغَايَتُهَا إِذَا فُكِّرَ فِيهَا كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلَمْتَ». هذا مذكور في كلام السلف: «كَحُلْمِكَ»، كإنسان رأى منامًا، فالتذ في منامه وفرح جدًا في ذلك الحلم، أنه رأى كذا وحصل كذا. فبينما هو في غاية السرور وقمة الفرح والنشوة، إذ استيقظ من منامه، فنظر يمنة ويسر، وإذا هو إنما كان في حلم يحلمه. سبحان الله! «كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلَمْتَ». هذا المعنى موجود في كلام السلف. الناظم رحمه الله يذكر المعاني من النصوص: من الكتاب، ومن السنة، ومن أقوال سلف الأمة. ولهذا، هذا البيت قد ذكر معناه العلماء في زمان التابعين وما بعده، رحمهم الله. ذُكِرَتِ الدنيا عند الحسن البصري، أحد أئمة التابعين، ذُكِرَتِ الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله، فأنشد: «أَحْلَامُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَائِلٍ إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ» أحلام نوم، أو كظل زائل، إن اللبيب بمثلها لا يخدع. وذكر الإمام يونس بن عبيد رحمه الله وغفر له، قال: «مَا شَبَّهْتُ نَفْسِي فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَجُلٍ نَامَ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ وَمَا يُحِبُّ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ». بينما هو كذلك يتقلب في منامه، إذ انتبه من نوم. قال رحمه الله: «فَكَذَلِكَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا نِيَامٌ، فَإِذَا مَاتَ انْتَبَهَ». قال رحمه الله: «وَكَذَلِكَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا نِيَامٌ، فَإِذَا مَاتَ نَزَعَتِ الرُّوحُ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ». انتبه، استيقظ من غفلة الدنيا وسكرها. قال رحمه الله تعالى: «وَغَايَتُهَا إِذَا فُكِّرَ فِيهَا كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلَمْتَ». ابن القيم نظم هذا المعنى أيضًا في ميميته، ذكر هذا المعنى في ميميته التي يقول في مطلعها: «فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا مَنَازِلُكُمُ الْأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ» ذكر في ضمنها أبياتًا فيها هذا المعنى الذي ذكره الناظم: «وَغَايَتُهَا إِذَا فُكِّرَ فِيهَا كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلَمْتَ». «سُجِنْتَ بِهَا وَأَنْتَ لَهَا مُحِبٌّ، فَكَيْفَ تُحِبُّ مَا فِيهِ سُجِنْتَ». «سُجِنْتَ بِهَا»: هذا في حال المؤمنين. فالمؤمن، كما جاء في صحيح الإمام مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ». «سُجِنْتَ بِهَا»، فالمؤمن في هذه الدنيا في نَكَب وتعب، بالنسبة لما سيلقى. يُؤْتَى، كما في الصحيحين، يُؤْتَى بِأَشَدِّ أَهْلِ الدُّنْيَا نَعِيمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنْعَمُ رَجُلٍ فِي الدُّنْيَا، يُؤْتَى بِهِ فَيُغْمَسُ غَمْسَةً فِي النَّارِ غَمْسَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُخْرَجُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي نَعِيمٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ، وَهُوَ أَنْعَمُ رَجُلٍ فِي الدُّنْيَا، أَنْعَمُ رَجُلٍ. وَيُؤْتَى بِأَبْعَسِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، أَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَيُغْمَسُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ شِدَّةً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ بُؤْسٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ، وَمَا رَأَيْتُ بُؤْسًا قَطُّ. «سُجِنْتَ بِهَا». لكن هذا السجن غريب، فإن عادة الناس، بل البهائم والحيوانات، إذا حُبِسَتْ ضَاقَ صَدْرُهَا، وَأَتَاهَا مِنَ الْحُزْنِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ. تُحِبُّ الْحُرِّيَّةَ وَالِانْطِلَاقَ يَمِينًا وَشِمَالًا. لَوْ قِيلَ لَكَ: نَأْتِيكَ بِأَلَذِّ الطَّعَامِ عَلَى أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعِ الْجُدْرَانِ، لَرَفَضَ أَيُّ عَاقِلٍ ذَلِكَ، وَقَالَ: لِأَنَّ آكُلَ أَكْلًا قَلِيلًا مَعَ حُرِّيَّتِي فِي التَّنَقُّلِ حَيْثُ أَشَاءُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذَا الْحَبْسِ الَّذِي تُرِيدُونَنِي أَنْ أَكُونَ فِيهِ. هَذِهِ عَادَةُ النَّاسِ. يَقُولُ الشَّاعِرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: «سُجِنْتَ لَهَا سُجِنْتَ بِهَا وَأَنْتَ لَهَا مُحِبٌّ». هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، الْإِنْسَانُ يُحِبُّ أَنْ يُسْجَنَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ»، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَبْقَى فِي ذَلِكَ السِّجْنِ. «سُجِنْتَ بِهَا وَأَنْتَ لَهَا مُحِبٌّ، فَكَيْفَ تُحِبُّ مَا فِيهِ سُجِنْتَ». هَذَا شَيْءٌ غَرِيبٌ وَغَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى سُكْرَةٍ فِي هَذَا الْإِنْسَانِ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ عَقْلٌ رَاجِحٌ وَلَا فَهْمٌ صَحِيحٌ. هَذَا رَجُلٌ مُغَفَّلٌ، غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ. «وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ وَعَنْ قَرِيبٍ سَتُطْعَمُ مِنْكَ مَا فِيهَا طَعِمْتَ». وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تَأْكُلُ أَجْسَادَ بَنِي آدَمَ، إِلَّا مَنْ جَاءَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ ذَلِكَ. فَالْأَرْضُ تَأْكُلُ الْأَجْسَادَ حَتَّى يَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ عَجْبُ الذَّنَبِ، الَّذِي يُسَمَّى الْعَصْعَصَ، فِي آخِرِ سُلَّمِ الْعَمُودِ الْفِقْرِيِّ، هَذَا الَّذِي يَبْقَى، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُ الْأَرْضُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ». وَفِي السُّنَنِ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ». فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُ الْأَرْضُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، إِلَّا مَنْ جَاءَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ. «وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ»، أَيْ: لَا تَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْأَطْعِمَةِ وَهَذِهِ الْفَوَاكِهِ، فَتَتْرُكَ الرِّحْلَةَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْتَاجُ إِلَى خُشُونَةٍ وَجُوعٍ وَعَطَشٍ وَتَرْكِ الْمَلَاذِّ. رُبَّمَا تَكُونَ فِي بَلَدِكَ تَأْكُلُ اللَّحْمَ الْمُنَوَّعَ، وَتَأْكُلُ الْأَطْعِمَةَ الْمُعَدَّةَ الْمُمَهَّدَةَ الْجَمِيلَةَ اللَّذِيذَةَ، فَإِذَا سَافَرْتَ لَمْ تَجِدْ مِنْهَا طَبَقًا تَأْكُلُهُ. فَهَلْ تَبْقَى فِي بَلَدِكَ لِأَجْلِ أَنْ تَأْكُلَ تِلْكَ الْمَلَاذَّ وَتِلْكَ الْفَوَاكِهَ اللَّذِيذَةَ، لَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ نَضْجِهَا، وَتِلْكَ اللَّحُومَ وَتِلْكَ الْأَسْمَاكَ وَتِلْكَ الطَّبَخَاتِ كَمَا يُقَالُ؟ «وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ»، فَلَا تَجْعَلِ الطَّعَامَ سَبِيلًا إِلَى تَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ، إِلَى تَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ. الْحَيَاةُ تَحْتَاجُ إِلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّضْحِيَةِ وَالْقَسَاوَةِ، حَتَّى تَجِدَ لَذَّةَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، الَّذِي هُوَ مَنَحَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْكَرَامَاتِ الْيَوْمَ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَعْدَ فَرَائِضِ اللَّهِ وَوَاجِبَاتِهِ. «وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ»، الْعَجِيبُ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُدْرِكُونَ مِثْلَ هَذَا الْمَعْنَى. يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ، كُلُّ عَيْشٍ وَإِنْ تَطَاوَلَ دَهْرًا، أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ مَاتَ كَافِرًا، مِنْ شِعْرِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ: «كُلُّ عَيْشٍ وَإِنْ تَطَاوَلَ دَهْرًا صَائِرٌ مَرَّةً إِلَى أَنْ يَزُولَ لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوَحْشَ» هَكَذَا يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ. فَكَيْفَ يَأْتِي إِنْسَانٌ فِي قُوَّةِ شَبَابِهِ فَيَأْبَى عَنِ الرِّحْلَةِ أَوْ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ طَعَامٍ؟ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ هِمَّةٌ هَابِطَةٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. «وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ وَعَنْ قَرِيبٍ سَتُطْعَمُ مِنْكَ مَا فِيهَا طَعِمْتَ». الدُّنْيَا إِذَا أَكَلْتَ مَا أَكَلْتَ حَتَّى صَارَ وَزْنُكَ طِنًّا وَنِصْفَ الطِّنِّ، لَوْ دُفِنْتَ أَكَلَكَ الدُّودُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْكَ إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ، أَيْنَ الطِّنُّ وَأَيْنَ نِصْفُ الطِّنِّ؟ كُلُّهُ ذَهَبَ. «وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ وَعَنْ قَرِيبٍ سَتُطْعَمُ مِنْكَ مَا فِيهَا طَعِمْتَ». هَذَا مَا يُرِيدُهُ كَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِابْنِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا طَعَامُهُ، وَإِنْ قَزَّحَهُ وَمَلَّحَهُ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَا يَصِيرُ نِهَايَتُهُ عَذِرَةً». وَأَوَّلُ مَا يُطْعِمُهُ فِي غَايَةِ الْحَلَاوَةِ، فَإِذَا جَاوَزَ الْمِرْيَءَ إِلَى الْبُلْعُومِ وَنَزَلَ الْمِعْدَةَ، لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ الطَّعَامَ فِي اللِّسَانِ، فِي الْفَمِ يَتَذَوَّقُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَكَلَ أَحَدُهُمَا خُبْزًا وَمَاءً حَتَّى شَبِعَ، وَهَذَا أَكَلَ لَحْمًا وَأَنْوَاعًا مِنْ أَلَذِّ الْمَطَاعِمِ حَتَّى شَبِعَ، كَانَتِ النَّتِيجَةُ وَاحِدَةً: هَذَا شَبِعَ بِالْخُبْزِ وَالْمَاءِ، وَهَذَا شَبِعَ بِاللَّحْمِ وَأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ وَالْمَطَاعِمِ، وَفِي النِّهَايَةِ كِلَاهُمَا نِهَايَةُ طَعَامِهِمَا سَوَاءٌ. هَكَذَا ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَثَلَ الْعَظِيمَ لِلدُّنْيَا. «وَتَعْرَى إِنْ لَبِسْتَ بِهَا ثِيَابًا، وَتُكْسَى إِنْ مَلَابِسَهَا خَلَعْتَ». مَقْصُودُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُ بِهَذَا الْبَيْتِ، مَقْصُودُهُ الْحَذَرُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْسَى الْعَبْدُ أَمْرَ آخِرَتِهِ. «وَتَعْرَى إِنْ لَبِسْتَ بِهَا ثِيَابًا، وَتُكْسَى إِنْ مَلَابِسَهَا خَلَعْتَ». قُلْنَا: مَقْصُودُهُ، اللَّهُ أَعْلَمُ، الْحَذَرُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْسَى الْعَبْدُ أَمْرَ الْآخِرَةِ. فَمِثْلُ هَذَا الصِّنْفِ، وَإِنْ أَلْبَسَتْهُ الدُّنْيَا أَفْخَرَ اللِّبَاسِ، وَقَدْ ضَيَّعَ بِذَلِكَ اللِّبَاسِ آخِرَتَهُ، هُوَ عَارٍ، لَيْسَ بِلَابِسٍ، هُوَ عَارٍ، لَيْسَ بِلَابِسٍ، عَارٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِنْ ظَنَّ نَفْسَهُ، أَوْ ظَنَّهُ الْغَافِلُونَ لَابِسًا. كَمَا جَرَى لِبَعْضِ النَّاسِ مَعَ قَارُونَ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، بَعْدَ أَنْ رَأَوْا مَا لِقَارُونَ: ﴿يَا لَيْتَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. انْبَهَرُوا بِأَلْبِسَتِهِ وَبِذَهَبِهِ وَبِمَا عِنْدَهُ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. يَعْنِي: هَذِهِ الْكَلِمَةُ «ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا»، هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لَا يُلَقَّاهَا أَيُّ أَحَدٍ، وَلَا يُوَفَّقُ لِقَوْلِهَا وَاعْتِقَادِهَا كُلُّ النَّاسِ، إِنَّمَا أَنَاسٌ اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْإِيمَانِ الصَّادِقِ، لِذَلِكَ قَالُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ. انْتَهَتْ كُلُّ تِلْكَ الزَّخَارِفِ. «وَتَعْرَى إِنْ لَبِسْتَ بِهَا ثِيَابًا، وَتُكْسَى إِنْ مَلَابِسَهَا خَلَعْتَ». «وَتَشْهَدُ كُلَّ يَوْمٍ دَفْنَ خِلٍّ، كَأَنَّكَ لَا تُرَادُ لِمَا شَهِدْتَ». هَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ نَحْنُ وَاقِعُونَ فِيهَا، كَمَا قَالَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: «فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا مَيِّتٌ نُشَيِّعُهُ، نَرَى بِمَصْرَعِهِ آثَارَ مَوْتَانَا». وَهَذَا مِنَ الْغَفْلَةِ الْعَظِيمَةِ. رُبَّمَا يَدْفِنُ الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ فَلَا يَتَعَظَّى بِمَوْتِ صَدِيقِهِ. هَذِهِ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ، عَظِيمَةٌ جِدًّا. يَرَى الْإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ وَصِغَرِ السِّنِّ قَدْ مَاتَ، إِمَّا فِي حَادِثٍ، وَإِمَّا بِمَرَضٍ، وَإِمَّا بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَا يَتَحَرَّكُ فِي قَلْبِهِ وَازِعٌ.ازِعٌ. يَذْكُرُ الْعُلَمَاءُ كَلَامًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ فِي النَّاسِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. الْخَسْفُ ثَابِتٌ، وَالْمَسْخُ أَيْضًا سَيَحْدُثُ. خَسْفٌ وَمَسْخٌ. فَيَأْتِي الرَّجُلُ وَصَاحِبُهُ يَفْعَلَانِ الْمَعْصِيَةَ، فَيَحُولُ اللَّهُ صُورَةَ أَحَدِهِمَا صُورَةَ خِنْزِيرٍ، يَنْظُرُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَإِذَا هُوَ حَيَوَانُ الْخِنْزِيرِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى ظُفْرِهِ، بِذَيْلِ خِنْزِيرٍ. هَلْ يَرْجِعُ عَنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ وَيَتُوبُ، أَمْ يَسْتَمِرُّ فِي مَعْصِيَتِهِ؟ مَنْ مِنْهُمَا الَّذِي مُسِخَ؟ هَذَا أَمْ هَذَا؟ مَنْ الَّذِي مُسِخَ عِنْدَكَ أَخِي؟ تَفَضَّلْ، مَنْ الَّذِي مُسِخَ مِنْهُمَا؟ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى خِنْزِيرٍ. مِنْ هَذَا؟ مَا هُوَ مَسْخٌ؟ هَذَا صُورَةٌ طَيِّبَةٌ، مَا فِيهِ شَيْءٌ. كِلَاهُمَا مُسْخٌ، لَكِنَّ هَذَا مُسْخٌ ظَاهِرًا، وَهَذَا مُسْخٌ قَلْبُهُ. تَرَاهُ إِنْسَانًا وَلَيْسَ بِإِنْسَانٍ، مَمْسُوخَ الْقَلْبِ، لَكِنَّ هَذَا مُسْخٌ ظَاهِرٌ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ. لِهَذَا، الْإِنْسَانُ يَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ. كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ، وَهُوَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، لَهُ قَصَاصَةٌ يَكْتُبُ فِيهَا: «يَا سُفْيَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، يَا سُفْيَانُ رَاقِبْ رَبَّكَ، يَا سُفْيَانُ انْظُرْ فِي أَمْرِكَ، يَا سُفْيَانُ». فَأَحْيَانًا يُخْرِجُ الْوَرَقَةَ وَيَنْظُرُ، ثُمَّ يُعِيدُهَا فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْوَرَقَةَ وَيَنْظُرُ وَيُعِيدُهَا فِي جَيْبِهِ. يَذْكُرُ نَفْسَهُ كُلَّمَا جَرَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الْغَفْلَةِ انْتَبَهَ بِمِثْلِ هَذَا التَّذْكِيرِ. وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: «لِأَنْ يَجْرِيَ لِي كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُجَالِسَ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ حَدِيثٌ إِلَّا فِي الدُّنْيَا». هَذَا مَرَضٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْهُ. لَا تَجْلِسْ مَعَ مَنْ حَدِيثُهُمْ فِي مَشَارِيعِ الدُّنْيَا وَأَحْلَامِهَا، لَا يَكَادُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. هَؤُلَاءِ جُلُوسٌ عَلَى جِيفَةِ حِمَارٍ، كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: «جُلُوسٌ عَلَى جِيفَةِ حِمَارٍ». فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ وَيَتَأَمَّ