شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 2

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 2، ألقاها

إثبات القياس كدليل شرعي وعقلي

يناقش إثبات القياس كدليل شرعي وعقلي، ويذكر أدلة لوجوب العمل به مثل عدم خلو الحوادث من أحكام وإدراك العقل للعلل الشرعية. يستفاد من ذلك ظن غالب بالقياس.

أدلة حجية القياس في الأحكام الشرعية

يتناول أدلة حجية القياس في الأحكام الشرعية مستشهدًا بإجماع الصحابة واستخدامهم للقياس، كما يستدل بقول الله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ وبأحاديث نبوية.

أوجه الخطأ في القياس والقوادح

ذكر ابن قدامة خمسة أوجه للخطأ في القياس ترجع إلى القوادح، وهي عدم تعليل الحكم وعدم إصابة العلة وقصر أوصافها وجمع ما ليس منها والخطأ في وجودها في الفرع.

تتمة الكلام عن الخطأ في القياس

تحدث عن النوع الخامس من الخطأ في القياس وهو الخطأ في وجود العلة في الفرع، ويرتبط بالقادح المسمى بالمنع، ويحدث عند منع وجود العلة في الفرع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى وغفر له: فصل في إثبات القياس على منكريه، أي أن هذا الفصل عقده المؤلف ابن قدامة رحمه الله تعالى لإثبات القياس وأنه دليل ثابت شرعًا وعقلًا، فهو من الأدلة المعتبرة شرعًا وعقلًا. وقد ذكر رحمه الله تعالى عن بعض أصحاب الحنابلة أنه قال: يجوز التعبد بالقياس شرعًا وعقلًا، شرعًا لأن الله جل وعلا دل عليه، وعقلًا للحاجة إليه، لأن شرعًا أمرنا بالتدبر، وبالتفكر، وبالتعقل، وهذه كلها دلالة على أن الشرع يحث العقل على التأمل والتدبر في الأحكام وإلحاق النظير بنظيره، فدل هذا على أن القياس متعبد به شرعًا، كما أنه متعبد به عقلًا، خلافًا لمن قال بالأحد أو نفاهما جميعًا. قال رحمه الله: وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا. أهل الظاهر: الظاهر، والنظام: من المعتزلة. وقوله: مردود، وسأتي بيان رده. قال رحمه الله: وأومأ إليه أحمد رحمه الله، فقال: يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس، وحمله القاضي على قياس يخالف نصًا إلى آخره. وهذا هو الصواب، أي أن كلام أحمد رحمه الله تعالى المقصود به القياس الفاسد، وهو القياس الذي لم يدل الدليل على صحته، أو القياس المنافي للنص. فكل قياس لم يدل الدليل على صحته أو كان منافيًا للنص فهو فاسد مردود. وكلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى يحمل على هذا، لذا جمع بينه وبين المجمل، فكما مر معنا أنه لا يجوز التحكم في أمر المجمل بحمله على أحد معنييه بغير دليل، فكذلك لا يجوز أن يقاس بغير دليل فضلًا. قال رحمه الله: اعلم أولًا أن ما ورد عن الصحابة من ذم الرأي والتحذير منه إنما يعنون به الرأي الفاسد، كالقياس المخالف للنص أو المبني على الجهل، لإجماعهم على العمل بالرأي والاجتهاد فيما لا نص فيه. وإلى هذا أشار في المراقي بقوله: وما روي من ذمه فقد عني به الذي على الفساد قد بني. وعلى هذا كذلك يتنزل كلام الإمام أحمد رحمه الله، فكلام السلف في ذم الرأي يحمل على الرأي الفاسد، على القياس الفاسد المنافي والمخالف لأدلة الشرع، هذا مذموم. وإلا فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم استخدموا القياس في أدلة كثيرة، سيأتي الإشارة إلى بعضها في هذا المبحث بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله: وذكر المؤلف أدلة لوجوب العمل بالقياس، منها أن عدم العمل به يفضي إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام لقلة النصوص وكون الصور لا نهاية لها. هذا دليل الأول، وهذا دليل نظري اعتباري، بمعنى أننا إذا رأينا النصوص الشرعية، هل النصوص الشرعية جاءت بذكر جزئيات الحوادث التي ستقع واضحة؟ الجماعة: الأدلة جاءت بالأدلة العامة، وفي بعض الحوادث والمسائل أدلة خاصة، وهكذا. فتأتي أدلة أو مسائل حادثة جديدة في كل عصر تسمى مسائل عصرية حديثة، في كل عصر تحصل أشياء جديدة تحتاج هذه الأشياء إلى أحكام، من أين يحكم المجتهد؟ من الطرق التي يتوصل المجتهد فيها إلى حكم لتلك الأشياء هو النظر والاعتبار، النظر والاعتبار بمعنى إلحاق النظير بنظيره والمثيل بمثيله، وهذا في الحقيقة ما هو؟ القياس. ولو منع ذلك لخلا حوادث كثيرة من أحكام. قال رحمه الله: ثانيًا: ومنها أن العقل يدرك حكم العلل الشرعية، إذ مناسبتها للحكم عقلية مصلحية، يدرك العقل طلب تحصيلها وورود شرع بها. قوله: منها أن العقل يدرك حكم العلل الشرعية، يعني: الشرع يذكر أحكامًا لمسائل، هذه المسائل معللة، إما أن تكون عللها ظاهرة منصوصة، وإما أن تكون مستنبطة، لكن ظاهرة تدرك بالعقل. فالعقل يعلم أن هذا الحكم بناه الشرع على هذه العلة. فدل على أن العلة بها تعلق الحكم، فمتى وجدت هذه العلة في غير المنصوص دل على أن الحكم كذلك يلحقها. قال رحمه الله: ثالثًا: ومنها أننا نستفيد بالقياس ظنًا غالبًا، والعمل بالظن الراجح متعين. وهذا دليل ثالث لحجية القياس، أن الاستدلال بالقياس أقل أحواله أن يقال بأنه من باب العمل بالظن الراجح، والظن الراجح علم. فإذا كان كذلك وجب العمل به، إذ لا يقدر الإنسان أن يعلم حكمًا ويتركه لأن غيره يخالفه فيه أو لا يرى ما رأى، بل وجب عليه أن يعمل بمقتضى ما علم. ومن العلم ما يسمى بالظن الراجح الذي يسميه المتأخرون بالظن الراجح. قال رحمه الله: رابعًا: ومنها إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية من النص، كقياسهم العهد على العقد في الإمامة العظمى. معنى هذا: كقياسهم العهد على العقد في الإمامة العظمى، العهد كعهد النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصلاة، على عقد الإمامة العظمى. لذا قال عمر رضي الله عنه حينما بايعوا أبا بكر: أرضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينكم، ولا ترضونه لدنياكم. هذا قياس، أرضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينكم، أي: صلى بكم إمامًا في الصلاة، ألا ترضونه لدنياكم؟ قالوا: بل. هذا إلحاق الشيء بنظيره، عهد، فألحق به الإمامة، ألحق الإمامة الصغرى بالصلاة، يعني: الإمامة الصغرى بالصلاة، ألحق به الإمامة الكبرى في أمر المسلمين. هذا عمل من هذا عمل الصحابة، يدل على أن الصحابة يعملون بالقياس أم لا يعملون؟ قال رحمه الله: وكاجتهادهم في مسألة الجد والإخوة، وتمثيلهم في ذلك بالغصنين والخليجين. وهذا كذلك مسألة الجد والإخوة، هل يرثون مع الجد أم لا يرثون مع الجد؟ أقيسة، يعني: بعضهم قال: أرأيت غصنين من أصل؟ فهمتم يا جماعة: الأصل من هو؟ الجد، الغصنان من هما؟ الإخوة، هل يرثون أم لا؟ مسألة، فعن الإلحاق شيء بشيء، الأصل ما هو؟ الجد والإخوة، التشبيه والقياس بالشجرة، الأصل وفروعها. هذا من قياس أيضًا. قال رحمه الله: وكقولهم في المشركة، وكقول أبي بكر رضي الله عنه في الكلالة: أقول فيها برأيي. وهذا يدل على العمل بالرأي، وسيأتي كلام الشنقيطي: أن العمل بالرأي أوسع من حيث الاستدلال من الاستدلال به على القياس فحسب. قال رحمه الله: وكقول عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري: اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور برأيك. وهذا نص في هذه المسألة، وهذا الكتاب مشهور معروف بكتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه. وقد نص الأئمة أن شهرته أغنت عن أسانيده. وهذا الكتاب هو الذي بنى عليه الإمام ابن قيم كتابه الشهير المعروف بإعلام الموقعين. قال رحمه الله: وكقول معاذ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة، فصوبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا في حديث معاذ المشهور، بعد أن قال: بما تحكم فيهم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم يكن؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فصوبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والحديث لا يصح، الحديث الراجح فيه الضعف. قال رحمه الله: أمثال هذا كثير جدًا، إن لم تتواتر أفرادها، حصل بمجموعها العلم الضروري أنهم كانوا يجتهدون فيما لا نص فيه، أي: باعتبار أفرادها آحاد، وإذا ضمت هذه الآحاد بعضها إلى بعض كانت من باب المتواتر المعنوي، لأنها كلها تدل على معنى واحد، ما هو؟ استخدام واستعمال القياس بلا نكير بينهم. وهذا يدل على إجماع من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على جواز الاستدلال بالقياس في الأحكام الشرعية. قال رحمه الله: خامسًا: وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾. وحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره، كقولهم: اعتبر الدينار بالصنجة. وهذا الاعتبار هو القياس، لأنه إلحاق للشيء بنظيره. قال رحمه الله: سادسًا: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله». وهذا تقدم في حديث معاذ، وهو ضعيف، ضعفه العلامة الألباني، وكذلك ضعفه الشيخ العلامة الوادعي. قال رحمه الله: سابعًا: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر». هذا متفق عليه، وكما سيأتي معنا هذا في الاجتهاد، وهو أوسع من المستدل عليه. قال رحمه الله: ثامنًا: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى». وهو تنبيه على قياس دين الله على دين المخلوق. وهذا واضح في الاستدلال. قال رحمه الله: تاسعًا: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: قال: «أرأيت لو تمضمضت؟» فهو قياس للقبلة على المضمضة بجامع أن الكل مقدمة الفطر. وأمثال هذا كثيرة جدًا. وهذا الحديث كذلك الراجح فيه ضعف: أن عمر قبل امرأته، فجاء استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت؟» يعني: هل يفطر؟ قال: لا. فكذلك إذا قبلت. قال رحمه الله: تنبيه: هذه الأدلة التي ذكرها المؤلف منها ما هو أعم من محل النزاع، لأن مطلق الاجتهاد أعم من القياس، لأن الاجتهاد قد يكون بقياس، وقد يكون بطرق أخرى، كاستنباط خفي أو ما شابه ذلك. يعني: استدلال بعموم على حكم ما. قال رحمه الله: ومنها ما يدل على محل النزاع، كقصة معاذ، أي: المتقدم، والراجح فيه الضعف كما تقدم: «أجتهد رأيي ولا آلو». فإنه صرح فيها بأن اجتهاده فيما لا نص فيه، وذلك إنما يكون بالإلحاق بالمنصوص. وكحديث الذين والمضمضة. قال رحمه الله: ومن أصرح الأدلة على إثبات القياس ما ثبت في الصحيحين من قصة الذي ولد له ولد أسود يخالف لون أمه وأبيه، فقاسه صلى الله عليه وآله وسلم على أولاد الإبل الحمر، يكون فيها الأوراق، وقال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: «فلعله نزعه عرق». والقصة صحيحة مشهورة. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: أوجه تطرق الخطأ إلى القياس، أي: هناك أسباب بها يكون الخطأ في القياس، سيأتي ذكر شيء منها في كلام العلامة، في كلام الإمام ابن قدامة رحمه الله. قال رحمه الله: اعلم أن القياس يتطرق إلى الخطأ من خمسة أوجه. وهذا كما قيل: ليس على سبيل الحصر، لكن قد يقال: بأنها من الطرق التي تكون سببًا للخطأ في القياس. قال رحمه الله: أولًا: أن لا يكون الحكم معللًا، كأن يعلل نقض الوضوء بلحم الجزور بأنه حار، فيلحق به لحم الضبي فيجعله ناقضًا. وهذا بناء على أن نقض الوضوء بلحم الجزور ليس تعبدي. قال رحمه الله: ثانيًا: ألا يصيب علته في نفس الأمر، كأن لا تكون علة الربا في البر الطعم بالنسبة إلى من يعلل بالطعم. قال رحمه الله: ثالثًا: أن يقصر في بعض أوصاف العلة، كأن يقول: علة القصاص القتل العمد، ويحذف العدوان، فيلزم على علته القصاص من ولي الدم إذا اقتص من القاتل. قال رحمه الله: رابعًا: أن يجمع إلى العلة ما ليس منها، كما لو جعل علة وجوب الكفارة على المواقع في نهار رمضان كونه أعرابيًا مجامعًا، فيلزم عليه أن جماع الحضري ليس علة الكفارة، وهو باطل. قال رحمه الله: خامسًا: أن يخطئ في وجود العلة في الفرع، كما لو ظن التفاح مكيلًا فيلحقه بالبر في الربا بجامع الكيل. قال رحمه الله: تنبيه: اعلم أن هذه الخمسة المذكورة هنا راجعة إلى القوادح الآتية في آخر الكتاب. أما الأول: وهو أن لا يكون الحكم معللًا إلى آخره، فهو راجع إلى نوع من أنواع القوادح المعروف بعدم التأثير، وهو المعبر عنه بعدم التأثير في الوصف. قال رحمه الله: أما الثاني: وهو أن لا يصيب علته في نفس الأمر إلى آخره، فهو راجع إلى القادح المذكور آنفًا أيضًا، أي: بعدم التأثير في الوصف. قال رحمه الله: وإن كان هناك مجتهد آخر يعلل ذلك الحكم بعلة أخرى، فهو راجع إلى القادح المعروف بمركب الأصل. قال رحمه الله: وأما الثالث: وهو أن يقصر في بعض أوصاف العلة إلى آخره، فهو راجع إلى القادح المسمى بالكسر، لأنه إخلال بجزئي العلة، والإخلال بجزئها كسر لها. وهذا القادح لم يذكره المؤلف. قال رحمه الله: أما الرابع: وهو أن يجمع إلى العلة ما ليس منها إلى آخره، فهو راجع أيضًا إلى عدم التأثير في الوصف، لأن حكم جزء العلة كحكم جميعها. قال رحمه الله: أما الخامس: وهو أن يخطئ في وجود العلة في الفرع، فهو راجع إلى نوع من أنواع القادح المسمى بالمنع، وهو منع وجود العلة في الفرع. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على