شرح أصول السنة للرازيين 9

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

إثبات الميزان ووزن الأعمال والأشخاص

يستعرض المقطع أدلة الكتاب والسنة على وجود الميزان ذي الكفتين يوم القيامة، ويؤكد أن الوزن يتم بعدل مطلق لا يظلم فيه أحد مثقال حبة خردل. يوضح أن ثقل الموازين بالحسنات سبب للفلاح وخفتها بالسيئات سبب للخسران، ويشمل الوزن الأعمال والأشخاص كما دل حديث البطاقة وحديث ابن مسعود.

الميزان والحوض النبوي: الإيمان والأدلة

يتحدث المقطع عن الإيمان بالميزان الذي توزن فيه الأعمال يوم القيامة، مبيناً أن من ثقلت موازينه فلح ومن خفت فقد خسر. ثم يستعرض أدلة الحوض النبوي وصفاته من القرآن والسنة، مشيراً إلى عناية العلماء بجمع أحاديثه المتواترة ووصف أبعاده ومائه وآنيته.

صفات حوض النبي ومصدر مائه وأهله

يشرح المقطع أن حوض النبي صلى الله عليه وسلم يمد ماؤه من نهر الكوثر، ويصف ماءه بالبياض والبرد والحلاوة وطيب الريح. يبين أن الواردين يُعرفون بغرهم وتحجيلهم من أثر السجود والوضوء، وأن المبتدعين وكبار الظلمة هم من يُطردون عنه، وهذا الحوض من خصائص النبي دون الأنبياء.

ختام المجلس واستكمال المسائل

أشار المتحدث إلى وجود مسائل أخرى سيتم ذكرها في الجلسة القادمة لاستكمال الموضوع. ثم ختم المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا زلنا في هذه العقيدة النافعة التي أملاها الإمامان الجليلان: أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهما الله تعالى، فيما سألهما عنه الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمهم الله تعالى، وهم من علماء القرن الثالث، علماء المئة الثالثة. وكنا قرأنا الكلام على الصراط، قالا رحمهم الله تعالى: «والصراط حق، والميزان حق، له كفتان، توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها، حق». تقدم الكلام على الصراط، ونحن اليوم في الكلام على الميزان. وأدلة الميزان في الكتاب والسنة كثيرة جداً، منها قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]. فدلت هذه الآية الكريمة على إثبات الوزن، وإثبات الموازين، وأنها قائمة بالعدل بين الناس: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾. فهذه الموازين ليس فيها ظلم، وليس فيها هضم، وإنما قائمة على القصط والعدل: ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾. فإن كان مثقال حبة من خردل، والخردل حبوب صغار جداً، والمراد أنه لا يظلم عامل من عمله شيئاً، بل يوفى ما عمله كاملاً غير منقوص، ولا مهضوم، ولا مظلوم. الله جل جلاله يقول: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8]. ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾. ويقول جل جلاله: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 103-105]. ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ﴾: أي ثابت لا شبهة فيه، ولا مراء، ولا شك، وأنه حق وحقيقة، ليس مجازاً، وليس عبارة عن شيء آخر، إنما كما أخبر الله عز وجل: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ﴾. ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾: وإن كانوا أذنبوا ذنوباً، لكنه رجحت كفة الحسنات، وطاشت كفة السيئات، فهو لكفة الحسنات، فهو على كفة الحسنات مرجح بحسناته، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾: فثقلت به السيئات، وطاشت به الحسنات، ﴿ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: هذه هي الخسارة العظيمة التي هي من أعظم الخسارات، عياذاً بالله. ليست الخسارة خسارة الأموال والدنيا ونحوها، لكن هذه هي الخسارة: ﴿ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: 9]. ويقول سبحانه في الكفار: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 105]. دل على أنهم يوزنون، ولكنهم يخف وزنهم. والأدلة كذلك على الوزن والميزان من السنة كثيرة، منها حديث البطاقة المشهور في سنن الترمذي، حديث مشهور، حديث البطاقة في سنن الترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه وأرضاه. وفي الحديث: «حتى إذا ثقلت به كفة سيئاته، يقول الله له: هل ظلمك كتبتي شيئاً؟ فيقول: لا، لا والله، ما ظلموني شيئاً. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة. فتخرج له بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله، مكتوب فيها: لا إله إلا الله. فيقول: وما تصنع هذه البطاقة في هذه السجلات؟ فيقال: إنه لا يظلم عندنا أحد. هذا لك. فتوضع البطاقة في كفة الحسنات، فتطيش كفة السيئات، وترجح كفة الحسنات». هذا يدل على أن هذه الكلمة، كلمة «لا إله إلا الله»، من أعظم الحسنات، ويدل أيضاً على أن من قالها خالصاً لله، صادقاً بها قلبه، مؤمناً بها، أن الله عز وجل يجعلها أعظم من كثير من الذنوب التي عملها. فالتوحيد أعظم الحسنات، أعظم الحسنات على الإطلاق التوحيد، وأعظم السيئات الشرك. هذا جاء بالتوحيد، وأخلص النية لله عز وجل، وكان صادقاً في قوله لهذه الكلمة، قالها بقلبه، وقالها بلسانه، وآمن بها بقلبه، وعمل بها بجوارحه، يوماً من الأيام نفعته تلك الكلمة، كلمة التوحيد. ومر بنا أيضاً حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، لما أراد أن يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم بعود أراك، فرقى على شجرة الأراك. وأشجار الأراك في بعض البلاد تكبر حتى تكون لها جذوع وأغصان كبار، كما يوجد في بعض بلاد مأرب وغيرها من البلاد، كبار، شجرة لها بخامة. فصعد ابن مسعود على غصن من أغصانها، وهذا يدل على أن السواك كما يكون من الجذور، فكذلك يكون أيضاً من الأغصان. ولهذا صعد على ذلك الغصن فقطع للنبي صلى الله عليه وسلم، ولبعض من معه، من ذلك الغصن. فضحك الصحابة، رضي الله عنهم، لشيء، فما هو؟ ضحكوا لشيء، فما هو؟ ضحكوا لدقة ساقيه، ساقاه دقيقتان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمَا لَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ». رواه أحمد في مسنده، وغيره من أهل العلم، وإسناده صحيح. الشاهد: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»؛ يحلف النبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً لهذا الأمر، وهو الوزن. «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمَا لَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ». دل على أن الأمور ليست بصورها، وإنما بأمور عند الله عز وجل. فيها دل على أن الأمور ليست بمجرد المظاهر. ولهذا في الصحيحين: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ السَّمِينِ الْعَظِيمِ فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ». جناح بعوضة، ما يزن عند الله عز وجل، وهو عظيم الخلقة، سمين، في غاية العظم، يعني كما يقال: كالعمالقة الذين يوصفون، لا يزن عند الله جناح بعوضة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾». الحديث كثير في هذا الباب. والميزان له كفتان، والوزن يكون للأعمال، ويكون أيضاً للأشخاص، كهذا الحديث الذي قرأناه في الصحيحين: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْعَظِيمِ السَّمِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ أي من الكفار، «فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ». جناح بعوضة، وربما جناح البعوضة يعني تحديد وزنه في غاية الصعوبة. جناح البعوضة تحديد وزنه ومقداره في غاية الصعوبة، كم يطلع وزن جناح البعوضة؟ ربما لو وضعناها في ميزان الذهب ما أدري كم تساوي، ما أظن يزنها ميزان الذهب، يعني شيء يسير جداً، شيء سبحان الله! ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾. توزن الأعمال أيضاً. وأجمع أهل السنة على إثبات الميزان، وأن الله جل جلاله يجعل يوم القيامة ينصب الموازين، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم، عياذاً بالله، ﴿ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾. الأمر عظيم، وينبغي الاستعداد لمثل هذا، ينبغي أن يعمل الإنسان لمثل هذا اليوم، قبل أن يأتي يوم الخسارة. قالا رحمهم الله تعالى: «والحوض المكرم به نبينا حق»؛ أي ثابت، حقيقة، لا شك فيه، ولا شبهة، ولا امتراء. وأن هناك حوضاً عظيماً للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضاً عظيماً أكرمه الله به، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأدلة الحوض كثيرة، وصفة الحوض في السنة مبينة. فالله عز وجل أنزل سورة فيها ذكر أصل الحوض، وهو الكوثر، فقال عز وجل: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ [الكوثر: 1-3]. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم غفى إغفاءة، أي أغمض عينيه، ثم انتبه، ثم تبسم تبسماً شديداً. فقالوا: ما لك يا رسول الله؟ قال: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَاتُ، هَذِهِ السُّورَةُ». ثم قرأها تامة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ». ثم ذكر أن هذا ماءه أشد... أن الكوثر... قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عَدَدُ آنِيَتِهِ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، خَيْرُهُ كَثِيرٌ، هُوَ لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. والحديث رواه مسلم في صحيحه، وكذلك رواه الإمام أحمد أيضاً في صحيح... في مسنده. الحوض جاءت فيه أدلة كثيرة، منها هذه الآية. وأحاديث الحوض بلغت مبلغ التواتر عند أهل العلم، فقد رواها من الصحابة ما يزيد على بضع وثلاثين صحابياً، كلهم يروي أحاديث الحوض، سمعوها من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أكثر أو بضع وثلاثون صحابياً. ولهذا جمعها بقي بن مخلد، الإمام الحافظ الكبير، الذي له قصة في رحلته إلى الإمام أحمد، في جزء مفرد سماه «جزء أحاديث الحوض والكوثر». جمعها الإمام الحافظ بقي بن مخلد الأندلسي القرطبي، رحمه الله تعالى وغفر له. ثم جاء الحافظ بن بشكوال، أبو القاسم، رحمه الله، فأذيل عليه، وجعل عليه ذيلاً، ألحق فيه جماعة من الأحاديث التي لم يذكرها الإمام الحافظ بقي بن مخلد. وله قصة في طلب العلم مع الإمام أحمد في غاية اللطافة، رحمه الله تعالى وغفر له. وابن كثير أيضاً جمع جزءاً، جمع أحاديث الحوض جمعاً جيداً، في آخر كتاب «البداية والنهاية»، سرد أحاديث الحوض سرداً عظيماً. وكذلك الشيخ العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العبدلي الوصابي، رحمه الله تعالى، جمع جزءاً في ذكر المبعدين من الحوض، أظن سماه «الطرد والإبعاد عن حوض يوم المعاد»... الضار كذا بعيد آل... الطرد والإبعاد عن حوض يوم المعاد، أظن هكذا سماه. جزء للشيخ العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العبدلي، رحمه الله تعالى وغفر له. أحاديث الحوض بلغت مبلغ التواتر عند أهل العلم. قال رحمهم الله تعالى: «والحوض المكرم به نبينا حق». والحوض بأماؤه... طوله من أيلة إلى صنعاء، وجميع طول عرضه وطوله سواء، عرضه وطوله سواء. كل زاوية من زواياه مسيرة شهر. كل زاوية من زوايا حوض النبي صلى الله عليه وسلم مسيرة شهر كامل. في بعض الروايات: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَكِيزَانُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا». هكذا جاء الحديث في صحيح البخاري ومسلم. وأما في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ»؛ أي سابق. «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَإِنِّي شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ». كما قال جل جلاله في آية النساء: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]. «يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا». «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَإِنِّي شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ». هذا يحمل على الحقيقة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كشف له، فرأى حوضه رؤية العيان، وليست رؤية القلب. ولهذا أكدها النبي صلى الله عليه وسلم باليمين، والقسم.ين، والقسم. «وَإِنِّي» وأكدها أيضاً بواو القسم، وأكدها أيضاً بإن المؤكدة. فهذه ثلاثة مؤكدات، بل هناك رابع، وهو لام المزحلقة. فهذه أربع مؤكدات في هذا الحديث. التأكيد في لغة العرب يؤتى به لأجل تصديق الكلام وتثبيته وتقريره. هذه أربع مؤكدات: «وَإِنِّي» تقدير الكلام: «وَاللَّهِ إِنِّي»، هذه الواو واو القسم، «إِنِّي» هذا التأكيد الثاني، «وَاللَّهِ» هذا التأكيد الثالث، «لَأَنْظُرُ» اللام هذه اللام التأكيد، اللام المزحلقة. «إِلَى حَوْضِي الآنَ». ممكن أن يقال أيضاً أن لفظ «الآن» يفيد التوكيد أيضاً، وتحقيق الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم. فهذه رؤية نؤمن بها، هذه رؤية نؤمن بها ونصدق بها. «وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ». نؤمن بذلك ونصدق بذلك. وأن حوضه سيوجد، أو موجود. حوض النبي صلى الله عليه وسلم سيوجد يوم القيامة، أو هو موجود الآن. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنِّي، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ»، هكذا اللفظ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ». هذا لا شك أنه موجود، وأنه قد خلقه الله سبحانه وتعالى. في صحيح البخاري أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُتِيتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمَجَوَّفِ». فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر. «أُتِيتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمَجَوَّفِ». لؤلؤ الآخرة ليس كلؤلؤ الدنيا، بل هو أعظم. حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف. مهما تصورت، فلا شك أن الأمر بخلاف ما تصورت، جمالاً وبهاء ونضرة وحلاوة. مهما تصورت، فهو أحلى وأجمل. «أُتِيتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمَجَوَّفِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ». الكوثر هو نهر، كما جاء في الأخبار الصحيحة، يصب منه إلى الحوض. إذن الكوثر هو أصل، مصب الحوض. فالحوض من أين يأتي ماؤه؟ من نهر الكوثر. الحوض يأتي ماؤه من نهر الكوثر. الحوض... الحوض يأتي ماؤه من أين عندك يا أخي؟ الله يسلم. من أين يأتي ماء الحوض؟ من نهر الكوثر. من نهر الكوثر. ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأشد برداً من الثلج، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك. هذه الأربع الصفات، رحمه الله، وصف بها ماء الكوثر، ووصف بها أيضاً حوض نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بعض الأحاديث الصحيحة. «حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى صَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَنُجُومِ السَّمَاءِ». هذا في صحيح البخاري. الأباريق الموجودة كنجوم السماء، ونجوم السماء يصعب عدها، يعني أن الأباريق كثيرة. «وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ... حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ اخْتَلَجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». هذا في صحيح مسلم. وفي غيره من الأحاديث في الباب. أيضاً في صحيح مسلم وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «وَكَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِمَّنْ لَمْ تَرَهُمْ؟» قال: «أَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، غُرًّا مُحَجَّلِينَ». «أَرَأَيْتَ رَجُلًا عِنْدَهُ خَيْلٌ دُهْمٌ بِهِمْ»؛ أي سوداء خالصة، أو حمراء خالصة. «فِي خَيْلٍ غُرٍّ مُحَجَّلِينَ». الخيل الغر: التي في رأسها، في جبهتها، شعرات بيض. وفي سيقانها، في سيقانها بياض إلى الركب. «أَرَأَيْتَ تَعْرِفُهَا مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْخَيْلِ؟» قال: بلى. قال: «فَكَذَلِكَ أَعْرِفُ أُمَّتِي، غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ». فالنبي صلى الله عليه وسلم يعرف الأمة، ويعرف أصحابه وأمته بسيماهم، وهي أثر السجود وأثر الوضوء. أما أثر السجود فالغر في الجبهة تكون نوراً يوم القيامة. وأما أثر الوضوء فالتحجيل يكون في سيقانهم وأياديهم يوم القيامة. «غُرًّا مُحَجَّلِينَ». في حديث عبد الله بن زيد في سنن الترمذي: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مِنَ السُّجُودِ، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ». وهذا مما فات شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وفات أيضاً ابن القيم، رحمه الله تعالى. فإنهما استشكل حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين، واتفق عليه البخاري ومسلم: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ». فقال ابن تيمية، رحمه الله: كيف يكونون غراً؟ قال أبو هريرة: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ». قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وتبعه تلميذه ابن القيم: إن إطالة الغرة مثله، أي إنك إذا أردت أن تغسل الوضوء، فلا يشرع لك أن تغسل إلى نصف الناصية مثلاً، هذا مثله، هذه زيادة على الحد المشروع، وهذا غير مشروع. فهذه زيادة مدرجة، والحديث معل. هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وابن القيم. وابن القيم نظمها في نونيته، نظم هذه المسألة، وانتصر لها. وأبو هريرة قال: «ذَا مِنْ كِيسِهِ». هكذا يقرأ كثير من الناس النونية في هذا الموضع: «وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ذَا مِنْ كِيسِهِ، فَغَدًا يُحَقِّقُهُ أُولُو الْعِرْفَانِ». وليس بصواب. بل الصواب قراءة البيت هكذا: «وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ذَا مِنْ كِيسِهِ، مِنْ كِيسِهِ، فَغَدًا يُحَقِّقُهُ أُولُو الْعِرْفَانِ». يعني ابن القيم يجزم أن هذا من فهم أبي هريرة، وتعقل أبي هريرة، هكذا. ولا يليق أن يقول مثل ابن القيم: «وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ذَا مِنْ كِيسِهِ». كلمة فيها شدة، لا تليق. فكثير من من يقرأ البيت يقرأه غلطاً، وربما وقع في هذا علماء فاضل، رحمهم الله تعالى. لو وقف شيخ الإسلام على حديث عبد الله بن زيد، ما قال هذا الكلام. ولكن سبحان من لا يخفى عليه خافية. فالغرة ليست من أجل الوضوء، وإنما الغرة من أجل السجود. في حديث عبد الله بن زيد، وإسناده صحيح: «إِنَّ أُمَّةً يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مِنَ السُّجُودِ، مُحَجَّلُونَ مِنَ الْوُضُوءِ، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ». فهما عملان: سجود، فيكون منه الغرة، ووضوء، ووضوء حسن، فيكون منه التحجيل في الأرجل، وفي الركب، في الأرجل، وفي الأيدي أيضاً. فهذا الحديث ليس طعناً به بالصحابة، لأنه ليس المراد به الصحابة قطعاً. فقوله صلى الله عليه وسلم: «أَوْ أَصْحَابِي» في الرواية الأخرى، «فَأَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي». في الرواية الأخرى: «فَأَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي». «فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَرَقْتَ». وهذا يحمل على، كما يقول الحافظ ابن عبد البر، حافظ المغرب، على أهل البدع الذين أحدثوا في دين الله بدعاً، أو مناهج، أو أفكاراً ممتدعة، صارت ديناً يتعبد به. فهؤلاء مطردون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم. «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». دل على أن السبب في طردهم إحداثهم. فكل من أحدث في دين الله بدعاً ومحدثات، سواء كانت بدعاً عملية، أو بدعاً عقائدية، أو أفكاراً ومناهج، كما يقال اليوم، فإنه ممن يطرد من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه خرج عن السنة، وخالف هدية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»: أي من البدع والضلالات والمحدثات. يقول ابن عبد البر أيضاً: ويحمل هذا على كبار الظلمة الذين استمروا على الظلم واشتهروا به. فهؤلاء أيضاً يدخلون في مثل هذا. فهما صنفان، فسر بهما الحفاظ والأئمة، من يذادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم. وألف العلامة الزاهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، أبو إبراهيم، جزءاً في هذه المسألة، سماه «الطرد والإبعاد عن حوض يوم المعاد»: أي من يطردون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم. لا ينال الحوض إلا باتباع سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بقي هناك مسألة ثانية، وهي أنه رويت أحاديث في إثبات أن لكل نبي حوضاً، ولا يصح من السنة في ذلك حديث، فيما وقفت، والله أعلم. لا حديث الوالدة... ضعيفة. فهذا الحوض من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وما روي عن أبي سعيد الخدري: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَإِنَّ حَوْضِي أَعْظَمُهَا وَأَكْبَرُهَا وَأَكْثَرُهَا وَارِدًا». في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف جداً، ومدلس، تدليس التسوية، كما هو معلوم. وفي الباب مرسلات ونحوها، والحديث لا يرتقي إلى الحسن، فلا يثبت في هذا الباب شيء، فيما وقفت، والله تعالى أعلم. إذن هذا الحوض من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونكتفي بهذا القدر. وهناك أيضاً مسائل أخرى تذكر، إن شاء الله تعالى، في غد. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.