وجاء رمضان

وجاء رمضان

المحاضرة بعنوان وجاء رمضان، والتي كانت ضمن دورة بين يدي رمضان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم السبت 23 شعبان 1446هـ الموافق 22 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضائل المواسم ووجوب اغتنام رمضان بالحذر من الغفلة

يستهل الخطيب الحديث بفضيلة العمر الطويل مع حسن العمل، محثاً على استغلال مواسم الطاعة ولا سيما رمضان بالتوبة والعبادة مستشهداً بأدعية السلف. كما يحذر من تحويل رمضان إلى شهر للهو والأكل مبيناً فضائل فتح أبواب الجنة وتصفيد مردة الشياطين، مع توضيح سبب وقوع المعاصي رغم ذلك داعياً للاجتهاد في العبادة والقرآن.

استقبال الشهر بالنية الصادقة والتوبة والإكثار من القربات

يؤكد المقطع على ضرورة استقبال رمضان بنوايا طيبة وتوبة نصوح من جميع الذنوب، مستعرضاً الأحاديث الدالة على تكفير السيئات بالصيام والقيام وليلة القدر. كما يرشد إلى سنن الاستعداد كصيام التطوع في شعبان ويومي الاثنين والخميس، والمداومة على قيام الليل والوتر وتلاوة القرآن اقتداءً بالسلف الصالح.

آداب الطعام والسحور والاستعداد الفقهي والبدني للصيام

يركز المحور على الاعتدال في الأكل والشرب وتجنب الإسراف خاصة في السحور اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم لنيل النشاط والصحة. ويختم بالتأكيد على أهمية تعلم أحكام الصيام وآدابه قبل حلول الشهر، والاستعداد العملي بصيام التطوع في شعبان تهيئة للبدن والقلب.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، أرسله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. أما بعد، أيها الأحبة في الله، نحمد الله عز وجل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وتفضل علينا بآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصرا. ولما ذكر ربنا عز وجل من نعمه الكثيرة التي تكون في البر، وهكذا مثلها ما يكون في البحر، وهكذا ذكر ربنا عز وجل نعما في الليل وأخرى بالنهار. لما ذكر ربنا عز وجل من نعمه الدينية وما أعظمها، ومن نعمه الدنيوية وما أكثرها، قال ربنا عز وجل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. ومن نعمة الله عز وجل علي وعليكم وعلى غيرنا من الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. هذه المجالس العظيمة العامرة بالخير والنصح والعلم والتعليم، هذه المجالس التي تتلى فيها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، هذه المجالس التي يذكر فيها العبد بالآثار السلفية، فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا جميعا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. وجزى الله خيرا من كان سببا في هذا الخير وفي إقامة مثل هذه الدورات والمجالس العلمية. فبين يدي رمضان، بين يدي رمضان ينبغي أن نعد العدة وأن نتهيأ، وأن نتهيأ التهيئ الذي يجعلنا ندخل في هذا الموسم العظيم ونحن بهمم عالية، وهكذا بنوايا صادقة ومقاصد حسنة. أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نعلم أن من نعم الله عز وجل أن يمد في الأعمار ويؤخر في الآجال حتى يدرك العبد المواسم العظيمة والأيام المباركة، لكي يعمرها بطاعة الله عز وجل ويجمع فيها من الأجور والحسنات، وينال فيها الدرجات العالية. هذه المواسم التي يجب أن تجعل مواسم خير وبركة وتجارة رابحة مع الله تبارك وتعالى. وقد جاء في مسند أحمد وسنن الترمذي من حديث أبي صفوان عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه، يقول عبد الله بن بسر: أتى أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». قال: خير الناس من طال عمره وحسن عمله. إذن يوم أن يطال في العمر يعتبر ذلك من علامات إرادة الله عز وجل الخير بهذا المسلم، شريطة أن يكون مع هذا العمر عمل صالح وخلق حسن ومعاملة طيبة. وهكذا جاء في حديث عبيد بن خالد السلمي رضي الله عنه في قصة رجلين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما أخوة إسلامية إيمانية، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، فقتل أحدهما وعاش الآخر بعده بجمعة، أي بأسبوع. فلما صلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم على الذي مات أخيرا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا قلتم في دعائكم له؟» قالوا: دعونا الله تعالى، دعونا الله تعالى أن يرحمه وأن يلحقه بصاحبه، من صاحبه الذي مات قبله بجمعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأين صلاته بعد صلاته، وأين صيامه بعد صيامه، وأين عمله بعد عمله؟» قال: «إن الذي بينهما من الفضل والدرجة والمنزلة، إن الذي بينهما كما بين السماء والأرض، كما بين السماء والأرض». لنعلم أيها الأحبة في الله أهمية العمر وقيمة الوقت الذي يبلغنا الله عز وجل إياه، وهكذا نعيشه. الوقت أغلى ما عنيت بحفظه، وأراه أسرع ما عليك يضيع. كم يا إخوان تضيع علينا الأوقات، وكم يا إخوان نفوت من الفرص والمناسبات. اعلم يا أيها المسلم أن الدنيا مليئة بالفرص، وأن الآخرة مليئة بالغصص. الدنيا فرص والآخرة غصص، فمن استغل واغتنم فرص الدنيا كان ذلك سببا لنجاته وسلامته من غصص يوم القيامة. ومن هذه الفرص يا إخوان هذه المواسم العظيمة التي يبلغنا الله عز وجل إياها. إن كانت أعمار هذه الأمة قصيرة بالنسبة لمن قبلها من الأمم، فأعمار أمتي من الستين إلى السبعين، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. لكن أكرمنا الله عز وجل ومن علينا بمواسم عظيمة تضاعف فيها الأجور والحسنات، وهكذا ينال فيها العبد المنازل والدرجات العالية عند الله تبارك وتعالى. ولاحظوا أحبتي في الله إلى هذه المواسم المتوالية والمتتابعة، فما أن ينتهي موسم إلا ويعقبه آخر من هذه المواسم العظيمة. من هذه المواسم العظيمة، وها نحن ذا لا يفصلنا عن موسم رمضان أيامه ولياليه، صيامه وقيامه وذكره وقرآنه، وغيرها من الأعمال العظيمة التي تكون في هذا الموسم، لا يفصلنا إلا أيام قليلة وليال ليست عنا ببعيدة. لكن مع هذا وذاك لا يدري أحدنا أهو ممن يمد له في العمر ويؤخر له في الأجل فيكون ممن يدرك رمضان، أم أننا ممن نكون حصادا في هذه الأيام والليالي المتبقية من شهر شعبان. فلا يضمن أحدنا أن يكمل هذا المجلس، فضلا على أن يتم ليلته ويومه، فضلا عن أن يعيش إلى أن يبلغ إلى رمضان. لكن يدعو العبد ربه عز وجل بماذا؟ بأن يبلغه الله عز وجل رمضان، وأن يعينه فيه على الصلاة والصيام والقرآن والقيام وغيرها من صالح الأعمال. ولهذا يذكر الإمام يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى عن سلفنا الصالح أنهم كانوا يدعون الله عز وجل بدعوات مباركة، ومنها أنهم كانوا يقولون: «اللهم سلمنا إلى رمضان، ندرك رمضان ونعيش رمضان». وهكذا يدخل علينا رمضان ونحن بخير وعافية، غير مفتونين وغير ضالين ولا مضلين، لسنا من الغافلين ولسنا من العاجزين ولسنا من الكسلانين. أن يسلمنا إلى رمضان، فإذا سلمنا إلى رمضان ودخل علينا رمضان نحتاج إلى دعوة أخرى، ألا وهي ما كانوا يدعون به: «وسلم رمضان لنا»، أي وفقنا يا الله وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اجعلنا من الصائمين والقائمين والذاكرين، اجعلنا ممن ينافسون ويسابقون إلى الأعمال الصالحات وجمع الأجور والحسنات. أحبتي في الله، كم من الناس من يبلغه الله رمضان فلا يحسن استغلال هذه المناسبة ولا اغتنام هذه الفرصة. يأتي رمضان، كم يجعله من الناس شهرا للنوم والكسل. صدق أو لا تصدق أن من الناس، ولا سيما شريحة وفئة الشباب، ينام أحدهم من بعد الفجر ولا يستيقظ إلا قبيل المغرب، ولا يستيقظ إلا قبيل المغرب. بالله عليكم، أمثل هذا عرف حقيقة رمضان وقيمة ما يعيشه من الليالي والأيام؟ جعله نوما وكسلا في نهاره، وأما في ليله فحدث ولا حرج عن مظاهر السهر واللهو واللعب. ما يلعب ضمنه إلا في رمضان، ولا يلعب كيرم ودامة وشطرنج أو ورق أو كرة طائرة إلا في رمضان. لماذا يا إخوان؟ هل رمضان هو شهر اللعب؟ وهل كان الصحابة رضي الله عنهم يلعبون كما يلعب بعضنا ويلهون كما يلهو الكثير من شبابنا؟ فلا إله إلا الله، كم هي من فرص تهدر ومن أوقات تضيع في غير ما فائدة، بل ولربما فيما يعود على صاحبه بالضرر في العاجل وهكذا أيضا في الآجل. ومن الناس من يجعل من رمضان فرصة لتنوع المأكولات والإكثار من الأشربة والمطعومات وغيرها. رمضان شهر الإمساك، رمضان شهر الصوم، والصوم جنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فرصة لكي تستريح المعدة، فرصة لكي تتخلص من الفضلات وهكذا المواد التي يحملها الجسد، تحتاج أن تتخلص منها بأن تقلل من المطعومات والمشروبات، وهكذا أيضا غيرها مما لو زاد عن حده لأضر صاحبه. أيها الأحبة في الله، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين». وفي رواية الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من رمضان، إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلا يغلق منها باب». وكم هي أبواب الجنة؟ ثمانية. قال: «وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وأبواب النار سبعة. قال: وصفدت الشياطين مردة الجن. قال: وينادي مناد من السماء: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. قال: ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة، وذلك في كل ليلة». انظروا يا عباد الله إلى هذه الفضائل وهذه الجوائز العظيمة التي جعلها الله في رمضان دون غيره من سائر الأشهر. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه». ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أن في هذا الشهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد فيه مردة الشياطين. قال: «لله فيه ليلة، لله فيه ليلة هي خير من ألف شهر. من حرمها فقد حرم الخير كله». من حرمها أي حرم هذه الليلة، ألا وهي ليلة القدر. بلغن الله وإياكم إياها وأعنا فيها على الطاعة والإحسان. قال: «من حرمها». وكم يا إخوان من الناس من تدركه ليلة القدر وهو يتابع الأفلام وهكذا المسلسلات. كم من الناس من تدركه ليلة القدر وهو يستمع إلى الأغاني ويتلذذ بالأنغام والموسيقى. كم من الناس من تدركه ليلة القدر وهو لربما من سوق إلى آخر ومن شارع إلى آخر. كم من الناس من يدركه ليلة القدر وهو مخزن ومدخن وغافل عن مثل هذا الخير ومثل هذه العبادات العظيمة. ذكر العلماء أن شهر رمضان مما خص به هذه الأمور الثلاثة: تفتح فيه أبواب الجنة، وهذا يا إخوان فيه ترغيب للعاملين أن يجدوا وأن يجتهدوا وأن يغتنموا مثل هذه الفرص والمواسم. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي هريرة: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». أبواب الجنة تفتح لكي يشمر المشمرون ويجتهد المجتهدون. وهكذا أبواب النار تغلق، ولماذا تغلق أبواب النار؟ قال العلماء: لقلة المعاصي التي تقع من المسلمين في هذا الشهر المبارك. قال في الأمر الثالث: «وتصفد الشياطين». وقد ذكر العلماء أن تصفيد الشياطين هو من ماذا؟ من الأغلال والسلاسل التي تكون عليهم. والمراد بالشياطين ها هنا هم المردة، والمردة يا إخوان هم أشد عداوة لنا وأشد أذية لنا. هؤلاء المردة من الشياطين فتغلوا أيديهم فلا يخلصون في رمضان إلى ما كانوا يخلصون إليه في غير رمضان من الوسوسة وهكذا الإغواء وهكذا الإضلال. ولهذا يا إخوان نرى أن النفوس وأن القلوب تقبل في رمضان على الخير أكثر من إقبالها في غير رمضان. تجد أن النفوس تبتعد عن الشر. كم يا إخوان من الناس من يقبل على القرآن في رمضان ويقبل على المساجد في رمضان؟ كم من الناس يا إخوان من يبتعد عن الزنا ويبتعد عن الفواحش في رمضان، يبتعد عن أكل الحرام وشرب الحرام، وهكذا مجالس الحرام في رمضان؟ لماذا؟ قال: «صفدت الشياطين مردة الجن». وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى إشكالا، وهذا الإشكال لربما يتردد في نفوس الكثير، بل ولربما تلفظ به الكثير. قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال: «فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا؟ فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك». البعض يقول: في رمضان أيضا معاصي، وفي رمضان فواحش، وفي رمضان منكرات. كيف تقع هذه المنكرات مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشياطين تصفى؟ فقال رحمه الله تعالى: قال: «فالجواب: أنها إنما تغل عن الصائمين، عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، على شروطه، وهكذا روعية آدابه. قال: أو المصفد بعض الشياطين، قال: وهم المرد، لا كلهم. المرد من الشياطين يصفذون وليس جميع الشياطين. قال: أو المصفد بعض الشياطين وهم المرد لا كلهم. قال: والمقصود تقليل الشرور فيه، تقليل الشرور فيه. قال: وهذا أمر محسوس، وهذا أمر محسوس. قال: فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره. قال: إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم ألا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسبابا غير الشياطين، مثل ماذا؟ قال: كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية».كذا ذكر رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وبهذا أيها الأحبة في الله نعلم أهمية الاستعداد لرمضان، وهكذا أيضا أن يحرص العبد على أن يكون ممن يستغل هذه المناسبات وهذه الفرص العظيمة المباركة. يكفي يا إخوان من إضاعة للأوقات، ويكفي من إهدار لكذلكم أيضا إهدار للأيام والأشهر والأعوام. وقد أحسن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إذ أنشد كما في كتابه لطائف المعارف قائلا: يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب * حتى عصى ربه في شهر شعبان لقد أضلك شهر الصوم بعدهما * فلا تصيره أيضا شهر عسيان واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا * فإنه شهر تسبيح وقرآن فاحمل على جسد ترج النجاة له * فسوف تضرم أجساد بنيران كم كنت تعرف ممن صام في سلف * من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم * أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حيا فما أقرب القاصي من الداني قال: ومعجب بثياب العيد يقطعها * فأصبحت في غد، فأصبحت في غد أثواب أكفاني، أثواب أكفاني. آذى يا إخوان هو الحاصل والواقع الذي يعيشه الكثير الكثير منا. فالواجب أن نحرص على أن نحسن استقبال هذا الموسم وهذا الشهر المبارك الذي نحن ننتظره، الذي نحن ننتظره. ولقائل أن يقول: بماذا يستقبل رمضان؟ وجاء رمضان وماذا يحبل في طياته من الخير العظيم؟ فيقال: جاء رمضان شهر الصيام وشهر القيام وشهر القرآن وشهر الغفران. جاء رمضان لكي نجعله موسما عظيما وتجارة مباركة مع الله تبارك وتعالى. جاء رمضان وفيه من الهبات وفيه من المزايا والفضائل الشيء الكثير من ربنا تبارك وتعالى الكريم الجواد. جاء رمضان بأيامه العظيمة ولياليه المباركة لكي نملأها بالحسنات، وهكذا نملأها برفعة الدرجات. أيها الأحبة في الله، مما يجب أن يستقبل رمضان أننا نستقبله بالنوايا الطيبة، نستقبله بالمقاصد الحسنة. لتكن هممنا في رمضان أننا نعمره بالخير ونعمره بالعمل الصالح، نجعل من رمضان شهرا للجد والاجتهاد، فما يدرينا لعله آخر رمضان. ولهذا كما سمعتم، كم من الناس من أدركوا معنا رمضان الماضي، صاموا كما صمنا وقاموا كما قمنا، فعلوا من الأفعال كما فعلنا، وهم اليوم قد فارقوا هذه الدنيا وأصبح كل منهم رهينا بعمله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. فالله الله يا إخوان بأن السعد لرمضان بماذا؟ بالنية الخالصة الطيبة، أننا نقبل على الفرائض والواجبات وأننا نبتعد فيه عن المحرمات، وهكذا أيضا ماذا؟ نتحلل فيه من المظالم التي لربما تحملها من تحملها منا في سنته وعامه، في سنته وعامه. فالنوايا الطيبة لها أثر عظيم يا إخوان، حتى إذا لم ندرك رمضان فالنية الطيبة تنفع صاحبها، تنفع صاحبها. وهكذا أيضا مما ينبغي أن نستعد به لرمضان: التوبة الصادقة. والتوبة يا إخوان واجبة من جميع الذنوب، الصغير والكبير، الظاهري والباطن. فيكفي يا إخوان ما مضى من تسويف، ويكفي ما مضى من تفريط. ماذا ننتظر يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل؟ الموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل. ماذا ننتظر؟ رمضان أقبل واقترب، ولزال بعضنا حاله كحاله، لم يغير شيئا ولم يصلح شيئا مما أفسده، مما أفسده. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رمضان فرصة عظيمة لكي نتخلص من الذنوب ونتخلص من السيئات ونصلح ما عندنا من العيوب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن». قال: «إذا اجتنبت الكبائر». إذا اجتنبت الكبائر. وهكذا مر معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فسمعه الصحابة يؤمن ثلاثا: «آمين، آمين، آمين». فتعجبوا من تأمينه، فتعجبوا من تأمينه ولم يسمعوا دعاء، فسألوه عن ذلك، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أن جبريل أتاه فقال: «يا محمد، من ذكرت عنده فلم يصل عليك أبعده الله، قل يا محمد: آمين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمين». ثم قال جبريل: «يا محمد، من أدرك والديه أحدهما أو كليهما عند الكبر فلم يدخلاه الجنة أبعده الله، قل يا محمد: آمين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمين». قال جبريل: «يا محمد، من دخل عليه رمضان ثم انسلخ، أي رمضان، ولم يغفر له أبعده الله، قل يا محمد: آمين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمين». سلام الله... أكبر الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله. حي على الصلاح، حي على الصلاح، حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. حي على الصلاح، حي على الصلاح. فكما سمعتم أيها الأحبة في الله، إلى أهمية استغلال هذه المناسبات وهذه الفرص، ومنها شهر رمضان المبارك، بأن يتخلص كل منا من الذنوب، وهكذا من السيئات التي اقترفها، وهكذا لربما لازمها، وأن يصلح ما عنده من العيوب. إذا لم يتخلص العبد من ذنوبه في مثل رمضان، فقل لي بربك متى يتخلص منها؟ وإذا لم يحرص المسلم أن يصلح ما عنده من العيوب في رمضان، فمتى يقوم بإصلاحها؟ رمضان فرصة لكي يكون موسما للتغيير إلى الأفضل والأحسن والأكمل. فمن كان مبتلى بالتهاون في الفرائض والواجبات، فجاء رمضان، فجاء رمضان فأقبل فيه وجد واجتهد، ألا فليستمر على هذا الخير. وهكذا من جاء رمضان، أو من جاء رمضان فابتعد عن الكثير من المحرمات والفواحش والمنكرات، ألا فليستمر على هذا الخير، وليجعل من رمضان انطلاقا للتغيير إلى الأحسن، وهكذا إلى الأكمل. وهكذا أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نتمعن ونتأمل في شرف هذا الزمان والأيام والليالي التي تكون في رمضان، التي تكون في رمضان. فإذا علمنا فضلها وشرفها على غيرها، سيدعونا ذلك إلى أن نجد وأن نجتهد وأن نغتنم هذه الفرص وهذه المناسبات العظيمة. ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى قال: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف وقيمة وقته، أن يعرف شرف وقيمة وقته. قال: فلا يضيع فيه لحظة في غير قربة، في غير قربة. وهكذا أيضا ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى عن بعضهم أنه قال: لو قيل لأصحاب المقابر، أصحاب القبور هؤلاء، لو قيل لأحدهم: ماذا تتمنى؟ ما هي أمنيتك؟ قال: لقالوا: يوما من رمضان. يريد أن يدركوا يوما من رمضان. تفكروا: كيف لو أدرك أحدهم يوما من رمضان ماذا سيصنع فيه؟ هل سينام ويغفل أم سيهو ويلعب؟ لا يا عباد الله، وإنما سيكون أشد اغتناما واستغلالا له. إذن فلنكن نحن كذلك الذين بلغنا الله عز وجل رمضان ومن علينا بصحة وعافية، وهكذا من علينا بخير وأمان، ألا فليستغل هذه الأوقات العظيمة. وهكذا أيضا مما ينصح به المسلم في رمضان هو أن يقلل من الطعام، وقد سبق الإشارة إلى شيء من ذلك. فمن مقاصد الصيام يا إخوان أن يتعود المسلم على الاقتصاد في الطعام. الاقتصاد في الطعام يعتبر سببا للنشاط، سببا للنشاط، وهكذا التقليل في الطعام يعتبر سببا في قلة النوم وقلة الكسل. التقليل في الطعام يعتبر سببا للصحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه. ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه. قال: بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه. فإن كان لا محالة، يعني مصمم أنه يأكل ويكثر، قال: فإن كان لا محالة، قال: فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». هذه يا إخوان وصايا نبوية فيها من خير الدنيا، وهكذا أيضا فيها من خير الآخرة، من خير الآخرة. والحديث حسنه جماعة من أهل العلم، الشيخ الألباني رحمه الله وغيره. وكان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى يذهب إلى تحسينه وأورده في كتابه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. ثم في آخر أمره تراجع عن تحسينه إلى إعلاله وتضعيفه. لكن الحديث كما سمعتم يصلح للتحسين، وهو يعتبر قاعدة من قواعد الطب والصحة، الطب والصحة. الواحد بعد أن يصوم ساعات طويلة، فجأة يا إخوان يباغت هذه المعدة بأصناف وألوان وأشكال من الأطعمة والأشربة المختلفة. ماذا عسى المعدة أن تصنع؟ وماذا عساها أن تستقبل؟ ولهذا يعود الضرر على الصائم بعد أن وجد الراحة والفائدة والصحة بسبب عدم الانتظام في مأكله ومشربه. والتقليل من الطعام ليس معناه أن يبقى جائعا، وإنما معناه أنه يرتب وأنه ينسق ويهذب عملية الطعام والشراب التي يستخدمها ويتناولها. ففضول الطعام وفضول الشراب يعتبر من الأمور التي تضر. وقد جاء عن الإمام محمد بن واسع رحمه الله تعالى أنه قال: «من قل طعامه فهم وأفهم، وصف ورق». هذا من قل طعامه. قال: «وإن كثرة الطعام تمنع صاحبها عن كثير مما يريد». كثرة الطعام تمنع صاحبها عن كثير مما يريد. ولعلكم تلاحظون أن من أكثر من الطعام يتعب يا إخوان في صلاة التراويح، عند الخفض والرفع يجد ثقلا ويجد ضعفا، ويجد كذلكم أيضا شيء من الكسل، بخلاف من كان متزنا وهكذا مقتصرا على ما يكفي، على ما يكفي. وهكذا أيضا جاء عن سلمة بن سعيد رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «إن كان الرجل ليعير بالبطن». هذا في زمانهم. قال: «إن كان الرجل ليعير بالبطن كما يعير بالذنب يعمله». يعني إذا وجد عنده بطن زائدة يعير، يقال: ما هذا؟ إش هذا الكرش الذي يتقدمك؟ هل تستطيع أن تحمل هذا كله؟ فيعير بماذا؟ بالبطن، قال: «كما يعير بالذنب يعمله». ومما يذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «ما رأيت سمينا فطنا، ما رأيت سمينا فطنا، إلا محمد بن الحسن». ويعني به الشيباني صاحب أبي حنيفة، رحم الله الجميع. إذن البطن والسمنة الزائدة هذه تؤثر على الفهم وتؤثر على الذكاء وتؤثر على العقل وغيرها. وجاء عند الترمذي رحمه الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على كراهة الشبع المفرط. ذكروا أن رجلا تجشأ عند النبي صلى الله عليه وسلم. ما معنى تجشأ؟ بعد الطعام لما تملأ البطن كثيرا يأتي التجشأ. ما هو التجشأ؟ قشأ، طيب. تجشأ عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كف عنا جشاءكم، فإن أطولكم شبعا في الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة». وحسن هذا الحديث جماعة من أهل العلم. أيها الأحبة في الله، أيضا مما يستقبل به رمضان ومما ينبه عليه كذلك أيضا يا إخوان في باب الطعام والتقليل منه، ما يكون أيضا عند السحور. السحور يا إخوان هو أن يتناول المسلم طعاما أو شرابا في وقت السحر استعدادا للصوم. ويقع السحور بكل ما يكون من الطعام والشراب، وأفضله التمر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم سحور المؤمن التمر». نحن ماذا نفعل في السحور يا إخوان؟ معركة يخوضها المسلم في الأوقات الأخيرة قبيل الفجر، يأكل فيفرط في الأكل ويشرب، وهكذا يكثر من الشراب. تظنون أن الجسم يحتاج إلى هذه الكميات كلها؟ الإنسان يا إخوان ليس سيارة تعبأ بنزين، إذا انتهى البنزين وقفت السيارة، لا. النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في الصحيحين قال: «تسحروا، فإن في السحور ماذا؟ بركة». يا إخوان بركة، ولو كان شيئا يسيرا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه بركة وحث على عدم تركه، قال: «فلا تدعوه، ولو أن يتجرع أحدكم جرعات من الماء». لا تقول: أنا شبعان ما أحتاج السحور، لا. اغتنم هذه البركة، كل لك حبيبات من التمر، اشرب ولو جرعات من الماء لكي تصيب البركة. في الجانب الآخر: لا تسرف، لا تكثر من الطعام زيادة عن الحد المطلوب. يكثر البعض من الشراب قبل الفجر، كأس، قال: والله رمضان هذه السنة النهار طويل والجو حار، يشرب كأس آخر، كم باقي من الفجر؟ قال: عشر دقائق، قال: هات كأس ثالث، ها كم باقي؟ قال: خمس، قال: كأس رابع. ماذا يظن يا إخوان؟ يظن أن هذا الماء كل ما أكثر كل ما نفعه أكثر في النهار. الجواب: لا، هذا عبء وهذا حمل وهذا ضرر على جسمك. إذن: تسحروا، فإن في السحور بركة. والبركة يا إخوان كما عرفها بعض العلماء أنها ثبوت الخير الإلهي في الشيء، أن الله عز وجل يجعل في هذا الشيء فائدة ومنفعة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي﴾ قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾. انظروا في قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾، قال بعض المفسرين: أي نفاعا، يجعل الله فيه من النفع وهكذا الخير الشيء الكثير. وهكذا أيضا أيها الأحبة في الله، مما ينبغي أن السعدة لاستقبال رمضان هو أن نتعلم أحكامه ونتفقه في مسائله. فصيام رمضان يعتبر ركنا من أركان الإسلام والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين. ومن أعظم العلم الذي يجب على المسلم أن يتعلمه ما يتعلق بهذه الفرائض والواجبات العظيمة، ومنها صيام رمضان: يتعلم آداب الصوم، يتعلم الحكمة من الصوم، يتعلم كذلكم أيضا شروط الصوم، مبطلات الصوم، وهكذا غيره من الأحكام والمسائل المتعلقة بصيام رمضان. صيام رمضان، وللأسف يا إخوان هذه الأيام يكثر الناس من الاستعداد لرمضان، ترون الأسواق مزدحمة بشراء المطعومات والمشروبات والبهارات وغيرها من الحوائج. وهذا أمر مباح يا إخوان، هذا أمر مباح، وماذا؟ شريطة أن لا يتجاوز حده. لكن من الذي يستعد لرمضان بما سبق من التفقه في أحكامه والتعرف على مسائله وآدابه؟ القليل، ثم القليل، الذين يولون مثل هذه الجوانب عناية. أيضا أيها الأحبة في الله، من الأمور التي ينبغي أن نستعد لها لرمضان هو أن تعود النفس قبل رمضان، متى تعود؟ في هذا الشهر، في شهر شعبان. تعود على الصيام، لا تفاجئها بصيام رمضان. يعني بعض الناس للأسف من رمضان الماضي ما صام يوما حتى يأتي رمضان القادم. مثل هذا يا إخوان لربما يتعب ويتعب نفسه. لكن حين أن تعود النفس على الصيام فإنها تألفه وتعتاد عليه، وتجد أن الصيام من الأمور السهلة. ولهذا يا إخوان كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلا، ما كان يصوم شهرا كاملا إلا رمضان، وما يكون أكثر صياما منه في غير رمضان مثل ما يكون في شعبان. ولهذا لما سأله أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما عن سبب ذلك، قال: «هو شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وفيه ترفع الأعمال إلى الله عز وجل، قال: فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يصوم الاثنين والخميس، ولما سئل عن ذلك، سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي الوحي فيه، أو وبعث فيه». وهكذا عن صيام الاثنين والخميس أخبر أن الأعمال ترفع فيه إلى الله عز وجل يومي الاثنين والخميس، فيحب عليه الصلاة والسلام أن يرفع عمله وهو صائم. ما المناسبة يا إخوان بين الصيام وبين رفع الأعمال؟ أن كون المسلم صائم هذا أدعى إلى أن يقبل عمله، إلى أن يقبل عمله، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ كما أخبر ربنا عز وجل. أيضا مما ينبغي أن يعود المسلم نفسه قبل رمضان: أن يعود نفسه على القيام. والقيام يا إخوان عبادة ليست مختصة برمضان كما يظن البعض، وإنما هي عبادة في سائر العام، بعد صلاة العشاء إلى الفجر، هذه مدة زمنية لصلاة القيام، للوتر والاجتهاد في ذلك، والاجتهاد في ذلك. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفضل الصيام صيام داود، وأفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما». كذا كان داود عليه الصلاة والسلام، وأفضل الصيام صيامه وأفضل القيام قيامه. لكن يا إخوان ينبغي على المسلم أن يحرص على قيام الليل ولو بركعة واحدة. أقل القيام، أقل الوتر ركعة واحدة. أبو هريرة الدوسي اليماني رضي الله تعالى عنه قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ذكر الأولى: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، الثانية: قال: وركعتي الضحى، الثالثة: قال: وأن أوتر قبل أن أنام». من كان يخاف أن لا يستيقظ في آخر الليل، فلا أقل من أن يغتني مع الفرصة ويوتر قبل أن ينام. فإن قام قبل الفجر صلى ما شاء الله له أن يصلي مثنى مثنى، ولا يوتر مرة أخرى. وإن لم يستيقظ إلا مع الفجر فالحمد لله قد أخذ له حظه ونصيبه. ومن كل الليل، أو ترى النبي صلى الله عليه وسلم من أوله ووسطه، وهكذا أيضا من آخره، وهكذا أيضا من آخره. وهذا من الأمور يا إخوان التي ينبغي أن نحرص عليها. وهكذا أيضا مما ينبغي أن يعود عليه المسلم قبل رمضان: الإكثار من تلاوة القرآن. بعض الناس يا إخوان، عفا الله عنا وإياكم وإياهم جميعا، لا يفتح المصحف إلا في رمضان. من رمضان الماضي ما فتح مصحفا ولا تصفح ورقة من القرآن. كيف حال من كان هذا هو واقعه؟ كيف يكون قلبه وكيف تكون نفسه؟ وقال الرسول: «يا رب إن قوم اتخذوا هذا القرآن مهجورا». القرآن يا إخوان شفاء لما في الصدور، وهدى وموعظة لأهل الإيمان وأهل التقوى. فماذا؟ ينبغي على المسلم أن يجتهد في ذلك. وشعبان كان يسمى بشهر القرآن، شهر القرآن، فاجتهاد في تلاوة القرآن. وأما إذا دخل رمضان، فرمضان هو شهر القرآن، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ماذا بعدها؟ قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ذكر بعض العلماء فائدة حول سبب اختصاص رمضان بوجوب الصيام، فقالوا: هو أن القرآن الكريم نزل فيه، ولهذا أتى بألفاء فقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». قال: «فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أي حين أن يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة، من الريح المرسلة». وكان السلف رحمة الله عليهم كانوا يضرب بهم المثل في الاجتهاد في القرآن في رمضان. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ذكر له في رمضان ستين ختمة، يعني في كل يوم وليلة ختمتان، قيل إحداهما بالنهار والأخرى بالليل، والأخرى بالليل. الإمام البخاري رحمه الله تعالى صاحب الصحيح، قالوا: كان في رمضان يختم في كل يوم ختمة، في كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. غيرها كثير يا إخوان من هذه الأمثلة والنماذج التي تدل على ماذا؟ اجتهادهم واغتنامهم لرمضان مع القرآن. وأخيرا أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نعلم أن رمضان فرصة، والفرص يا إخوان كما سبق يجب أن تستغل وتغتنم، والفرص إذا ضيعت قد لا تعود، وقل أن ترجع. ولهذا الواجب استغلال هذه الفرص، نجعل من رمضان موسما للمسابقة، وهكذا المسارعة، وهكذا المنافسة والمبادرة، ليس في الدنيا، وإنما فيما ينفع في الآخرة. في المحافظة على الصيام، كان بعض السلف إذا صام يبقى في المسجد لا يخرج، فإذا سئل عن ذلك قال: «أحفظ صومي، أحفظ صومي». مسارعة، منافسة، مبادرة في صلاة التراويح. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى مع الإمام حتى ينصرف، أي من الصلاة، كتب له قيام ليلة». بعضهم يصلي أربع ويجلس، يأخذ مصحف ويقرأ قرآن، فإذا قام الإمام للوتر قام أوتر، ضيع على نفسه خير. من صلى مع الإمام حتى ينصرف، أي حتى ينتهي من الصلاة، كتب له قيام ليلة. بادر يا إخوان في تلاوة القرآن، في الذكر، تسبيح، تحميد، تكبير، تهليل، استغفار، دعاء، صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. مسابقة في الاعتكاف، وهكذا الحرص على تطبيق هذه السنة. فمن كان لم يتيسر له الاعتكاف في كل سنة، فلا أقل من أن يعتك