التحذير من الاستهزاء بالدين

المحاضرة بعنوان التحذير من الاستهزاء بالدين، وكانت بمسجد الخير بالخزان - الشحر ١٣ جمادى الاخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة: أقسام الاستهزاء والسخرية في الإسلام

يستهل المحاضر الحديث ببيان خطورة الاستهزاء والسخرية مقسماً إياها إلى ثلاثة أنواع: استهزاء بالدين أو الرسول وهو كفر مخرج من الملة، واستهزاء المؤمن بأخيه وهو كبيرة، واستهزاء بأهل الصلاح وهو محل تفصيل. ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال العلماء للتحذير من هذا الداء العضال.

تفصيل أحكام الاستهزاء بالشعائر والأشخاص وعاقبة المستهزئين

يفصل الخطاب بين الاستهزاء بالشعائر الدينية كإعفاء اللحية وتقصر الثوب وهو كفر، والاستهزاء بشخص المؤمن بقصد التنقص وهو حرام دون كفر. ويبين أن الاستهزاء صفة للكفار والمنافقين مستدلاً بآيات وقصص الأنبياء، وأن عاقبتهم الخزي في الدنيا والآخرة داعياً للصبر والثبات.

النهي عن الاستهزاء والتشبه بالكفار وقصة موسى عليه السلام

يحذر الخطيب من خطورة الاستهزاء بالدين والرسول والمؤمنين مبيناً أنه من صفات الكفار ومن أعظم الذنوب الموقعة في الكفر. ويستدل بآيات قرآنية وقصة موسى عليه السلام مؤكداً على وجوب التفقه في الدين والابتعاد عن السخرية واللجوء للمزاح الشرعي المباح.

حكم المستهزئ بالدين وحكم المستمع له في مجلس السخرية

يبيّن المقطع أن الاستهزاء بالله أو رسوله أو آياته كفر صريح سواء بالقول أو بالإشارات والحركات. وينقل عن العلماء أن المستمع الجالس في مجلس يُستهزأ فيه بالدين دون إكراه ولا إنكار ولا قيام يحكم بكفره مثل المستهزئين مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾.

الإشارة إلى أماكن المظلات وتوضيح المبررات المزعومة

يشير المتحدث في ختام الجلسة إلى ثلاثة أو أربع أماكن تُعتبر مظلات، موضحاً أن بعض الناس ظنّوها مبرراً أو مسوّغاً لفعل ما. ويبين أن هذه الظنون غير صحيحة وتحتاج إلى توضيح وبيان للحكم الشرعي الصحيح فيها.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لنا هذا اللقاء بآبائنا وإخواننا وأبنائنا، وشكر الله لأخينا الأخ أحمد عبود إمام هذا المسجد على ترحيبه وعلى حسن ظنه بإخوانه، فإن هذا المسجد وأهل هذه الحارة كبارهم وصغارهم، ذكورهم وإناثهم، ارتووا من منهج أهل السنة والجماعة، وأحبوا هذه الدعوة، فهم دائما وأبدا على ارتباط بإخوانهم طلاب العلم بذار الحديث بالشحر بمسجد التقوى. فنحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لنا ولهم هذا المنهج القويم وهذا الطريق المستقيم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياهم عليه حتى نلقاه. أيها الإخوة، لقد اختار إخواننا أن تكون محاضرة هذه الليلة عن الاستهزاء والسخرية، وفي الحقيقة هذا الموضوع مهم جدا لأسباب عدة، فأول هذه الأسباب: لكثرة الاستهزاء والسخرية في هذه الأزمان، فتارة يستهزأ بدين الله، وتارة يستهزأ برسول الله، وتارة يستهزأ بعباد الله الصالحين، وتارة يستهزأ المؤمن بأخيه المؤمن، فقد كثر هذا الداء العضال في مجتمعات المسلمين، فلا شك أن طرقه مهم للتحذير منه، للتحذير من هذا الداء العضال. وأمر آخر وسبب آخر: وهو خطورة هذا الداء، خطورة هذا الداء، فلربما أدى بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله. ولذلك طرق العلماء حكم الاستهزاء، وأنه على ثلاثة أقسام: فمن الاستهزاء ما هو كفر يخرج صاحبه من الملة، وذلك كاستهزاء بدين الله عز وجل، أو بشيء مما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد نقل العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء، أن الاستهزاء بالدين كفر، سواء أكان المستهزئ جادا أو مازحا، بإجماع العلماء، بإجماع العلماء. وقد ورد في ذلك أدلة عدة، ومما يدل على ذلك أن العلماء في كتب الفقه عقدوا بابا مهما جدا، ألا وهو باب الردة، وذكروا من صور الردة: الاستهزاء بدين الله سبحانه وتعالى. بل وصرح شيخ الإسلام العالم المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه «نواقض الإسلام»، وفي ذكره للناقض السادس من هذه النواقض: هو ماذا؟ الاستهزاء بشيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الاستهزاء بشيء من الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ثوابه وعقابه، فإنه عد ذلك كفرا بالله سبحانه وتعالى. ليتبين لك خطورة هذا الداء العضال، ألا وهو الاستهزاء بدين الله سبحانه وتعالى، أو بشيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد استدل العلماء على ذلك بما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عمر، لما قال من قال في غزوة من الغزوات: «ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء»، ولا أجبن عند اللقاء. فأنزل الله سبحانه وتعالى آيات في كتابه تبين كفر من قال هذه المقالة، في سورة التوبة: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فكفرهم الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات التي فيها استهزاء بحملة القرآن، بحملة شريعة رب العالمين سبحانه وتعالى، فوصفوهم بالكذب، ووصفوهم بالجبن، ووصفوهم بكثرة الأكل، استهزاء وسخرية من هؤلاء القراء. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، ليتبين لك أخي المسلم خطر هذا الداء العضال. هذا القسم الأول في حكم الاستهزاء، قد يؤدي بصاحبه والعياذ بالله إلى الكفر، إلى الكفر: الاستهزاء بشيء شرعه الله سبحانه وتعالى، أو برسول الله، كما يفعل الكفار في الاستهزاء بالنبي عليه الصلاة والسلام بزواجه من تسع نسوة، أو نحو ذلك، أو الاستهزاء بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، كاستهزاء بالحجاب، أو الاستهزاء بالحدود الشرعية، ووصفها بأنها فيها من البشاعة، وفيها من الفضاعة، أو نحو ذلك مما يردده بعض المجرمين، بل بعض من يعيش بين أوساط المسلمين من المنافقين والعلمانيين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أو كذلك الاستهزاء بالقرآن الكريم، أو ببعض آياته، أو نحو ذلك، فهذا كفر بالله عز وجل. وأما الحكم الثاني من أحكام الاستهزاء: فهو دون الكفر، كبيرة من كبائر الذنوب، لأن الله سبحانه وتعالى حرمها على عباده المؤمنين، وذلك أن يستهزئ المؤمن بأخيه المؤمن، فيستهزئ الغني بالفقير، أو الأبيض بالأسود، أو العربي بالأعجم، أو القوي بالضعيف، أو القادر بالعاجز، أو كذلك الصحيح بالمريض، أو السليم بذو العاهة، أو نحو ذلك، فهذا مما حرمه الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾. والسخرية هنا بمعنى الاستهزاء، وبمعنى الاحتقار، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية. فالاستهزاء بالمؤمن بطوله أو قصره، أو كذلك بمرضه، أو بضعفه وعجزه، أو بضعته في نسبه، أو نحو ذلك، هذا من الكبر الذي حرمه الله سبحانه وتعالى. وقد جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، ومعنى غمط الناس: أي احتقار الناس والاستهزاء بالناس، فهذا من الكبر الذي لا يدخل الله عز وجل من كان في قلبه مثقال ذرة منه، أي من الكبر، كما جاء في هذا الحديث. فاحذر أخي المسلم أن تستهزئ بأخيك المسلم، فلعله أتقى منك، ولعله أخوف منك من الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في الآية: ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾، والعبرة ليس بالألوان، ولا بالأجساد، ولا بكثرة الأموال، وإنما العبرة بالتقوى، فهذا هو الميزان الإلهي في رفعة الإنسان ووضعه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالكرامة للمؤمن إنما تكون بالتقوى، لا بغيرها من الاعتبارات الجاهلية. فاحذر أن تستهزئ بأخيك المسلم، فقد سمعت ما حرم الله عز وجل من ذلك الأمر. وهكذا الأمر الثالث: وهو حكم الاستهزاء المتردد فيه، قد يكون كفرا، وقد يكون محرما دون الكفر، وهذا فيمن يستهزئ بمؤمن مستقيم على دين الله عز وجل، كأن يستهزئ بلحيته، أو بتقصيره لثوبه، أو ببعده عن بعض المحرمات التي استهان بها كثير من الناس، كبعده عن الغناء، أو عن القات، أو عن كذلك التصوير، أو نحو ذلك، فتجد بعض الناس يستهزئ بأهل الصلاح، ويصفونهم بالتشدد، ويصفونهم بالتزمت، ونحو ذلك. فالمستهزئ بمثل هذه الأشياء التي استقام عليها ذلك المؤمن، فيه تفصيل، كما ذكر ذلك العلامة ابن باز، وكذلك ابن العثيمين، وغيرهما من أهل العلم. فإذا كان المستهزئ بذات اللحية، أو بذات تقصير الثوب، فهذا كفر بالله عز وجل، لأنه استهزأ بشيء جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما إذا كان المستهزئ ليس باللحية ذاتها، ولا بتقصير الثوب ذاته، ولا بغيرها من السنن التي استقام عليها ذلك المؤمن، وإنما أراد التنقص من ذات هذا الشخص، كأن يقول مثلا: «يزعم أنه مستقيم، فعنده لحية وكذا، وهو يخالف ذلك»، فلا يريد التنقص من ذات اللحية، وإنما يريد التنقص من ذات الشخص، فهذا يدخل في الاستهزاء المحرم الذي هو دون الكفر. هكذا فصل العلماء في هذه المسألة، ولا شك أن هذه مسألة دقيقة، فقد يستهزئ العبد بذلك المستقيم لاستقامته، لأنه أعفى لحيته، أو قصر ثوبا، أو ابتعد عن محرمات استهان بها كثير من الناس، فقد يقع المستهزئ في النوع الأول من الاستهزاء، وهو الاستهزاء الذي يؤدي بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله. أيها المسلمون، عباد الله، علمنا بهذا التفصيل خطورة الاستهزاء، سواء كان بدين الله، أو بشيء مما جاء به رسول الله، أو بالمؤمن، أو بما استقام عليه المؤمن من دين الله سبحانه وتعالى. فلذلك تنجلي لنا أهمية طرق هذا الموضوع المهم الذي انتشر في مجتمعات المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون، عباد الله، إن الاستهزاء من طريق، ومن عمل أهل الكفر والنفاق، وليس من عمل أهل الإسلام. فقد ذكر لنا ربنا في كتابه أن الكفار، أعداء الرسل، هم الذين يستهزئون ويسخرون من عباد الله المؤمنين، من أنبياء الله. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. بل جعل ربنا عز وجل الاستهزاء من صفات المجرمين، فالمجرم والذي يستهزئ بعباد الله الصالحين، هكذا وصفه ربه في كتابه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ﴾، أي يوم القيامة، ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فالاستهزاء من عمل أهل الإجرام، وليس من عمل أهل الإسلام. فاحذر أخي المسلم أن تستهزئ بأحد من إخوانك المسلمين. وهكذا بين لنا ربنا في كتابه أن أعداء الرسل كانوا من المستهزئين، وممن وصفوا بهذا الوصف الدميم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، وهو يذكر لنا قصة نبيه نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾. نعم. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كم سخر منه كفار قريش، سخروا منه فيما يدعوهم إليه، وفيما يخبرهم عنه من أمور الغيب. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. هكذا يصفون نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، استهزاء وسخرية. فالاستهزاء من صفات أعداء الرسل، وليس من صفات أهل الإسلام. وهكذا الاستهزاء من صفات المنافقين، فهي من أعظم وأبرز صفاتهم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وهكذا كان أهل النفاق يلمزون المطوعين من المؤمنين، نعم، الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾. نعم، هؤلاء هم المنافقون، أهل سخرية، وأهل استهزاء، وأهل احتقار للمؤمنين، لما في قلوبهم من الكره والبغض للإسلام والمسلمين. فاحذر أن تكون مثلهم، وأن تتصف بصفاتهم. ولذلك كثير من الناس في هذه الأيام يصفوا أهل الاستقامة بالمطوعة، فيقول لك: «هذا المطوع، وهذا يريد أن يسبقنا إلى الجنة، وهذا كذا وكذا». هذه الأقوال، بارك الله فيكم، هي شبيه أقوال أهل النفاق في لمزهم وغمزهم للمؤمنين الذين يتصدقون. فإذا تصدق أحدهم بقليل من المؤمنين، قال المنافقون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَن صَدَقَةِ هَذَا﴾، وإذا تصدق أحد المؤمنين بكثير، قالوا: «هذا مراء، هذا يراء، تصدق بهذا الكثير». هذا هو حال أهل النفاق. وهكذا بعض الناس في هذا الزمان، إذا وجد من أهل الاستقامة من يسارع إلى الخيرات، ومن يتقرب إلى رب البريات، وصفه بالمطوعة، أو وصفه بالتشدد والغلو، أو وصفه بالتزمت، أو نحو ذلك، استهزاء واحتقارا. فليحذر المؤمن من أن يتشبه بالمنافقين، بل يحرص على أن يبتعد عن كل صفة من صفات أهل النفاق. وهكذا أيها المسلمون، عباد الله، لنعلم أن الأعداء اتخذوا هذا الأسلوب، أسلوب الاستهزاء، ليثبطوا أهل الحق، ليثبطوا أهل الحق عن الاستمرار في الخير الذي وفقهم الله إليه. فلا تبالي أخي المؤمن باستهزاء المستهزئين، ولا بأذاء المؤذين، بل استمر في دعوتك، واستمر فيما أنت عليه، ولا تبالي ببنيات الطريق. ولك قدوة في أنبياء الله ورسله، فإن بعض الناس ربما إذا زاد عليه البلاء والاستهزاء والسخرية، ضعف وتقهقر، وترك ما كان عليه من دعوة، أو من علم وتعليم، أو من استقامة. فلا تبالي، لا تبالي، واستمر على ما أنت عليه. فكما سمعت أن أنبياء الله ورسله استهزئ بهم، استهزئ بهم، هل تركوا الدعوة إلى الله؟ هل ثبطهم ذلك عن الاستمرار في العلم والتعليم والصدع بالحق؟ لا والله، بل استمروا على ذلك. نوح يصنع السفينة فيسخرون منه، فهو يرد عليهم بكل ثبات، وبكل كذلك، وبكل انطلاق لسان: ﴿إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾. متى يسخر المؤمنون بهؤلاء الكفار؟ حين تنزل عليهم العقوبات. ماذا كانت نهاية هؤلاء المستهزئين؟ كانت نهايتهم أن أغرقهم الله، أن أغرقهم الله، وغرقوا جميعا، ولم ينجُ كل من في الأرض إلا من آمن بنوح عليه السلام، حتى ابنه، لما أبى إلا الكفر، أغرق مع الكافرين المستهزئين. فهذا مما يؤنس المؤمن أن عاقبة المستهزئ إلى العاقبة السيئة. نعم، النبي عليه الصلاة والسلام، لما استهزأ به المشركون، كان في آخر أمره عليه الصلاة والسلام أن من الله عليه بفتح مكة، وصار هؤلاء المستهزئون، وصار هؤلاء المستهزئون في ذلة وصغار، حتى من عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بالعفو. فانظروا إلى عاقبة أهل الاستهزاء، عاقبة سيئة. فكن على ثقة، واعلم أنه كلما زاد استهزاء المستهزئين، كلما زاد استهزاء المستهزئين، فإنك منتصر بإذن الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، عباد الله، إنه في هذا الزمان، ومع كثرة وسائل التواصل، ووسائل كذلك البث المرئي والمسموع، فإننا نسمع بين الفترة والأخرى من يستهزئ بدين الله سبحانه وتعالى. فسمعتم ما حصل من الاستهزاء برسول الله عليه الصلاة والسلام، لذلك الرسم المشين، وكيف أن المسلمين غاروا، غاروا لنبيهم عليه الصلاة والسلام، وأنكروا ذلك، وهذا أمر يشكرون عليه، وهذا دليل حبهم وكذلك إيمانهم برسول الله عليه الصلاة والسلام. ولكن كيف نحن مع إخواننا المسلمين؟ كيف تنكر على من استهزأ برسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنت تستهزئ بسنته، وتستهزئ بالمستقيمين على سنته؟ فاحذر أخي المسلم أن تؤتى من باب آخر. فالظن بالمسلمين أنهم يحبون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم يحبون رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه الجهل، ولكنه الجهل. فينبغي على المسلم أن يتفقه في دين الله، وأن يدرس هذا الباب العظيم، باب تحريم الاستهزاء، سواء كان بالدين، أو بالمستقيمين، أو بالمؤمنين عامة، فبهذا تسلم من عواقب هذا الاستهزاء. فأنت دائر بين الكفر، وبين الإثم والحرمة. فينبغي علينا معاشر المسلمين أن نتفقه في دين الله، وأن نعلم غيرنا، وأن ننصح للمسلمين، وأن نحذر من هذا الداء العظيم. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى. هذا ما أحببت التذكير به، وما جمعته في هذا الموضوع الذي تم اختياره، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأسأل الله أن ينفعنا بما قلنا، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ويتفضل أخونا أبو هاشم ليكمل بقية الوقت، وجزاه الله خيرا. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فبادئ ذي بدء نتوجه بالشكر الجزيل إلى أهل هذه المنطقة، وإلى أهل هذا المسجد عام، لحسن استضافتهم واستقبالهم لإخوانهم. وهكذا شكرنا لأخينا الأستاذ أحمد على ترحيبه واستقباله، وعلى حسن استضافته لنا، فجزاه الله خير الجزاء. وهكذا شكرنا لأخينا بمعاد الأستاذ الفاضل، حفظه الله تعالى ورعاه، وسدد ربي على الخير خطاه، فيما تطرق إليه في هذا الموضوع، والذي قد علمتم سلفا إخواني في الله، أنه من اختيار إخواننا في هذا المسجد، وحق لهم أن يختاروا هذا الموضوع، لما سمعتموه للملابسات العظيمة التي احتفت حول هذا الموضوع، لأن تكون له الأولوية، تكون له الأولوية بالطرق، وهو موضوع قد انتشر، طم وعم، شب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، حتى أصبح الكثير لا يبالي بموضوع الاستهزاء والسخرية بالدين، مع ما علمتم من خطورته، أنه كفيل بجعل المرء يلحق بالكفرة، فيعد مرتدا من المرتدين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وزد على ذلك إخواني في الله مما سيأتي بيانه: أن من خطورة هذه الظاهرة وجود من يروج لها، وجود من يروج لها تحت مظلات عديدة، يأتي بيانها في حينها. إخواني في الله، الاستهزاء والسخرية بشكل عام خلق دنيء، لا ينبغي لأحد مسلما، كائنا من كان، أن يتصف به. ما يمكن لمسلم أن يكون مستهزئا. ولهذا انظر في قصة موسى عليه السلام مع قومه، عندما أمرهم بذبح البقرة، ثم تدرج معهم في ذكر شروطها وضوابطها، قال: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَن أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، يعني: أقال هذا تفعل الذي تفعله بنا؟ فهذا استهزاء، تستهزئ بنا؟ قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَن أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال علماء: الجاهل هنا بمعنى السفيه، ألستم من السفهاء؟ دل ذلك على أن السخرية ومن فعل السفهاء هم به أحوج. السفيه هو المستهزئ. من هنا علق الإمام السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية، قال: «والعاقل يرى أن من أكبر العيوب المزرية بدينه وعقله استهزاؤه بآدمي مثله». هذا يرى العاقل من أكبر العيوب، أن تكون مستهزئا. هذا لا يرضاه عاقل، ولا مسلم، ولا حصيف. فأترفع يا عبد الله عن الاستهزاء بأي صورة، كما سمعت في كلمة أخينا، في أي صورة، ولو حتى من الصورة التي تعد من المكروهات أو المحرمات، هذا لا يليق بمسلم أن تكون مستهزئا في هذه الدنيا. المسلم على العكس، يكون جدي، عنده جد، عنده الأمور بجدية. إذا أردت يا عبد الله أن تضحك، أضحك بما يسمى بالمزاح الشرعي، له قواعده، له قوانينه. أما السخرية، فما تعد أمرا يتعبد به المتعبد قط لربه سبحانه وتعالى. إخواني في الله، كما سمعتم، الاستهزاء، الذين هم أهلهم الكفرة، هم أهلهم الكفرة، ما يكنون لدين الله جل وعلا جملة وتفصيلا إلا الاستهزاء. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾. هذا شعارهم، ديننا عبارة عن أضحوك، ديننا عندهم أضحوك، إذا أرادوا أن يتضاحكون في مجالسهم، أو في منتدياتهم، فضاحكوا على أهل الإسلام. وفصل ربنا سبحانه وتعالى أماكن الاستهزاء التي هم كرسوا أوقاتا وأعمارهم وأموالهم. استهزاؤهم: قلنا بالدين عموما، زد على ذلك استهزاؤهم بالرسول خاصة: ﴿وَإِذَا رَأَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. استهزاؤهم، إخواني في الله، كذلك بأهل الصلاة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. استهزاؤهم بشعائر الدين: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾. استهزاؤهم بآيات الله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾. هذا كافر، إخواني في الله، هذا حاله، حياته مليئة بالاستهزاء بدين الله جل وعلا. إذا جاء إلى شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، استهزأ بها، قديما وحديثا، ما تركوا خصلة ذميمة إلا ورموها برسول الله عليه الصلاة والسلام: كذاب، ساحر، مشعوذ، جبان، مسه جنون، ولا زالت إلى الآن، لازالت إلى الآن، بين الفينة والأخرى تظهر لنا من بلدانهم تلك الصور المضحكة، التي بها يتضاحكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ضحكهم على شريعتنا، على الصلاة، على الزكاة، وكذلك على الحج، حتى إلى الآن، كم رفعوا دعاوى على المسلمين، وخاصة في مناسك الحج، عند نسيكة الذبح، كم أقاموا دعاوى، كل سنة تقريبا ترفع دعوى من بعض اللجان الحقوقية، يرفعون على حجاج بيت الله، بحجة ماذا؟ أن الذي يفعلون من سفك الدماء هذه بشاعة، وهذا عدم رفق بالحيوان. وهكذا هم لا زالوا. فاقسها يا عبد الله، ما يتعلق بآيات الله. إذا علمنا أن الكافر هذه حياته يستهزئ بدين الله عموما، الاستهزاء بالرسول، الاستهزاء بآيات الله، الاستهزاء بالأخيار، إذن من وجدناه من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، صنع كصنيعهم، فعل فعلهم، فهم مثلهم. وهذا هو الحكم العدل، هذا هو الحكم العدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. من فعل، تلبس بما كان عليه الكفار، ولا زالوا، فيستحق لهم. إذا وجدنا مسلما يستهزئ بالرسول، أو استهزأ بآيات الله، أو استهزأ بالأخيار والصالحين، فهو كافر. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. إن شاء الله بعد الأذان نواصل، إخواني في الله، بسم الله، وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، سمعتم في كلمة أخينا بمعاذ، حفظه الله تعالى ورعاه، ما يتعلق بحكم المستهزئ، وأنه يكفر، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: «إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، وكفر خرج من الدين والملة». هنا إخواني في الله، تأتي مسائل ننبه عليها، ويمتعلق بهذا المبحث، مبحث الاستهزاء. من هذه المباحث: ما يتعلق بصور الاستهزاء. قسم العلماء صور الاستهزاء إلى قسمين اثنين: قسم الأول، ما يسمى بالقسم الصريح، كما سمعتم في حديث ابن عمر، والذي أورده شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند، حين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء». هذا كم يقال باللغة الصريحة الواضحة الجلية، استهزاء وسخرية، هذا كفر. ومن ذلك الاستهزاء بالله، يكون استهزاء بتوحيده، بربوبيته، بأسمائه، بصفاته. الاستهزاء بالرسول، بسنته، وبما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، أو بآياته، الآيات الكونية، أو الآيات الشرعية، كالقرآن. فمن تطاول على ذلك باللسان صراحة، مسموعا، عن هذا كفر، كفره صريح. هناك نوع ثاني من الكفر، وهو نوع الاستهزاء، يسميه العلماء بالاستهزاء الخفي. هذا الذي قال عنه محمد بن عتيق رحمه الله تعالى: قال: «وهذا بحر لا ساحل له، هذا بحر لا ساحل له، ما ينتهي». مثاله، وأشار إلى بعض الرموز الذي به تعرف ما المقصود: الاستهزاء الخفي. قال: «قد يكون بغمز العين، أو بتحريك الرأس، أو بإخراج اللسان، أو بإشارة الأصبع، وقس على ذلك يا عبد الله». هو كما قال: بحر لا ساحل له. بعض الناس، إخواني في الله، يظن أن الاستهزاء يكون كفرا إذا نطق، وإذا أسمع الناس بكلماته. لهذا ليس بشرط، بل ربما ما يسميه العلماء بلسان الحال، يؤدي لسان المقال. مثاله: تجد أن إذا أراد شخصا ما أن يضحك، أو يتضاحك على أهل السنة، أو مثل ممن يعفي لحيته، إذ يضع يده على ذقنه ويحركها، تشبيها له، ماذا؟ بالدواب. هذا كفر، هذا كفر. أو لو ربما إذا مر الرجل من أهل العلم، وأراد أن يضحك الناس على هذا العالم الرباني، لو ربما إذا مر العالم سكت، لكن يخرج لسانه، كما يفعل بعض الصفاة، يخرج اللسان، فيعرف المطلوب منه، أن هذا استهزاء بهذا. هذا كفر. أو حتى رمش العين، أو حتى تحريك الرأس. مثل رجل يمشي، فجد رجل يتكلم في التوحيد، من أهل السنة، يقرر عقيدة المسلمين، التوحيد لله جل وعلا، فإذا بقبور، مثلا، يعني متهكم. هذا كفر، كفر. ليس شرط يا إخواني في الله، أن يخرج كلمات تسمعها، لا، بل لسان الحال: تحريك الرأس، غمز العين، تحريك اللسان، إشارة الأصبع، كل هذا كأنه تكلم باستهزائه، فهذا يعد كفرا. وكما قال محمد بن عتيق: قال: «وهذا بحر لا ساحل له». فالكفر، إخواني، الاستهزاء الكفري، قد يكون بصريح اللسان، وقد يكون بماذا؟ بعبارة الجوارح، أو إشارة الجوارح. من المسائل، إخواني في الله، تعلق بهذا الموضوع، مسألة: وهو هذا الكفر، كفر المستهزئ، فقط ينصب عليه؟ أم هناك جماعة يشملهم الحكم؟ لا، هناك جماعة يشملهم، وهي المسألة المهمة: ما حكم المستمع؟ ما حكم المستمع لهذا الاستهزاء، لهذه السخرية؟ يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. استفاد العلماء فائدة، وقد أشار إلى هذا الشيخ الإمام محمد بن عتيق في كتابه «سبيل النجاة والفكاك»، ذكر هذه المسألة، واستفاد من هذه الآية: أن من جلس مجلسا، وهذا المجلس فيه استهزاء وسخرية بدين الله سبحانه وتعالى، وكان جلوسك بهذا القيد، من غير إكراه، من غير إنكار، من غير قيام، عن فأنت كافر، فأنت كافر. مثاله: يقع هذا في بعض المجالس، مجالس السفاهة، تجد بعض الناس إذا فتقوا مجالس، مجال التفكه، يتفكهون في دين الله، استهزاء بشرع الله، استهزاء بالرسول، استهزاء بالدين، بالمستقيمين، فيخوضون. فبعض الناس، لربما خير، يتورط في هذا المجلس، فما حاله؟ لا، ما عندنا توريق، ما كلفك الله عز وجل ما لا تطيق. أنت بين أمور ثلاث، إذا ابتليت بها، وقعت فيها، فأنت كافر مثلهم، ولو قلت: «والله أنا ما أرضى بهذا»، ولو لم ترضى بهذا، لكن جلوسك معهم تحسب منهم. أولا: أنا جلوسك من غير إكراه، ما أنت مكره، وأنت بمحض إرادتك، بإمكانك أن تقوم متى ما شئت، ما أرغمت، ما هناك سلاسل وربطت حولك، أو أنك يا عبد الله مرمي في زنزانة بجوار تسمع، لا بد يصلك كلامهم لا محالة. ما أنت مكره، بل لك محض الخيار، الاختيار، أن تقوم. وهكذا: من غير إنكار، لا نقول أنك جلست وأنكرت، يا إخوان، تقول: «الله، إيش هذا؟ اقفلوا هذا الباب، خوضوا في حديث غيره، دعونا من هذا، ادخلوا في الدنيا، ادخلوا في أي من أمور الدنيا، ولا تخوضون في هذا الباب». غير نكر. لكن لا هذا ولا ذا، ثم بعد هذا، من غير قيام، ما قمت. إذا ما الذي تريد؟ لا أنت مكره، ولا أنت قمت بالإنكار، ولا أنت قمت، بل جلست فيما تستمع، تستمع، وأنت ربما فضاحك، ثم قمت. يا ربنا عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. هذا في حق من جلس مثل هذه المجالس. فاحذر يا عبد الله، الأمر ليس فقط يصيب المتكلم، بل حتى المستمع، حتى المستمع. فكن يا عبد الله عندك حمية لدين الله جل وعلا، أضعف الإيمان أنك تقوم، هذا أضعف الإيمان، قم، إلا إذا كنت مكره، هذا أمر آخر. لهذا تفضل العلماء بشرط الإكراه، لكن لا إكراه في صف جراسي، عند حارة، في دكة، في مقهى، في أي مكان. قم يا عبد الله، ما استطعت أن تقوم، عندك خذرة إيمانية، أنكر، أنكر المنكر يا عبد الله، ودعهم يخوضوا في حديث غير هذا الحديث. مسألة الثالثة، إخواني في الله، كذلك من المسائل المهمة المتعلقة بهذا المبحث، وهو أن الاستهزاء بالدين، بالله وآياته ورسوله، يكون كفر تحت أي مظلة، تحت أي مظلة، ما هناك مظلة يمكن أنك تجنح إليها، وتدعي أن الاستهزاء هذا مرخص به. لا، ما عندنا مظلة. وأنا أشير، إخواني في ليلة، إلى ثلاثة أو أربع أماكن، مظلات، ظنها بعض الناس مسوغا