القواعد والأصول الجامعة 8

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 8، ألقاها

الأمانات وأحكام حفظها

يشرح مفهوم الأمانات وأنواعها ووجوب حفظها في حرز مناسب مع بيان مسؤولية الأمين عنها. يشمل ذلك ضمان الأمانة في حالة الإهمال أو التلف.

تحريم الوسائل المؤدية للفواحش

يتناول تحريم الشريعة للوسائل التي تؤدي إلى الفواحش والعداوة مثل الخلوة بالأجنبية والنظر المحرم. يستشهد بذلك بأحاديث نبوية.

ضوابط الخطبة والولاية العامة

يناقش النهي عن الخطبة على خطبة الغير إذا قبل، وطلب الوظيفة إذا كان فيها أهل كفء. كما يشمل شروط تولي القضاء والولاية وضرورة الاعتذار إذا لم يكن هناك حاجة أو كان فيه فتنة.

  • 11 جمادى الآخرة 1438هـ - 09/03/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»، في كلامه على القاعدة الثانية: «الوسائل لها أحكام المقاصد». قال: ومن فروعها أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، والأمانات كل مال أؤتمن عليه العبد، وولي عليه: وديعة، وعين مؤجرة ومرهونة، وولاية مال يتيم، ونظارة وقف، ووكيل، ووصي، ونحوها، فكلها يجب حفظها في حرز مثلها؛ لأنه من لوازم الأداء. وكذلك الإنفاق عليها إذا كانت ذات روح. ومن وسائل أدائها عدم التفريط والتعدي فيها. يقول رحمه الله: من فروع هذه القاعدة حفظ الأمانات؛ فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، والأمر بأداء الأمانات وإرجاعها إلى أهلها يلزم منه حفظها؛ يلزم منه حفظها، ولوازم حفظ الأمانة: ومن ذلك الوسائل التي بها تحفظ الأمانة، فإذا كان حفظ أداء الأمانة واجبًا، فكذلك كل وسيلة تحفظ بها الأمانة فتكون واجبة؛ والوسائل أحكام المقاصد. والأمانات كل مال يؤتمن عليه العبد، وولي عليه، فهو أمانة يجب عليه حفظها، ويجب عليه أداؤها إلى صاحبها. قال: «وديعة»؛ يعني كوديعة من الأمانات، الوديعة إذا أودع عندك إنسان مالا، قال: «هذه أمانة عندك»، أو وضع عندك أوراقًا أو وثائق أو نحو ذلك، قال: «هذه وديعة يجب عليك حفظها، وأردها إليه متى طلبها». قال: «أو عين مؤجرة ومرهونة»، عين مؤجرة كسيارة، مثلا، كسيارة جعلها عندك أمانة، أو كذلك استأجرتها، فتكون أمانة عندك، أو مرهونة، وضع إنسان عندك رهن، وضع إنسان عندك رهن كسيارة، وضعها رهنًا، فتكون أمانة عندك يجب عليك حفظها. وولاية مال يتيم؛ يعني إذا كان الإنسان قائمًا على مال اليتيم، يجب عليه حفظ ماله، ورد هذا المال إليه متى ما كبر، صار بالغًا رشيدًا، وجب عليه رد هذا المال. قال: «ونظارة وقف»؛ كذلك إذا كنت ناظرًا على الوقف، تنظر في مصالحه، وفي منافعه، وما هو الأحسن في هذا الوقف، وما يحتاج له، فتكون أمينًا عليه. قال: «ووكيل»؛ أي إذا وكلك إنسان بشراء شيء أو ببيع شيء، فأنت أمين على ذلك. «ووصي»؛ يعني إذا أوصى إنسان بعد موته لفلان، أنه يقوم بعمل من الأعمال، أو بشيء من أمواله، أو نحو ذلك، فتكون أمينًا على ذلك. والوكالة تكون في حال الحياة؛ يوكل الإنسان غيره في القيام ببعض الأمور، والوصية تكون بعد الموت؛ بعد موت الإنسان. وأما النظارة؛ نظارة الوقف، فتكون في حال الحياة، وتكون بعد الموت. قال: «ونحوها كلها يجب حفظها في حرز مثلها؛ لأنه من لوازم الأداء»؛ من لوازم الأداء أنك تحفظ الأمانة في حرز مثلها. لو أعطاك إنسان ذهبًا أو مالا، قال: «هذه أمانة»، أين تحفظ؟ تحفظ بحرز مثلها؛ مثلها يحفظ بصندوق، في الصندوق أو دولاب، ويغلق عليه. أعطاك مثلا سيارة أمانة؛ السيارة تحفظ إما في مكان معدلها، أو تحت البيت. أعطاك بهيمة أو بهائم أمانة؛ البهائم تحفظ في الزريبة. وهكذا كل مال يحفظ في حرز مثله؛ يحفظ في حرز مثله. فإذا وضعه في غير حرزه، فهو مفرط. فإذا حصل له ضياع أو تلف، فإنه يضمن. لو وضع الإنسان الذهب عند الأولاد، أو المحل الذي يلعبون به، فضع أو سرق، صار الذي وضع ذلك في هذا الموضع ضامنًا؛ عليه ضمان؛ لأنه مفرط. وهكذا من جعل مثلا البهيمة في خارج زريبتها في الليل، فعد عليها الذئب أو غيرها من السباع، فقتلتها، فعليه الضمان؛ لأنه لم يحفظها في حرز مثلها. لكن إذا تلفت في الحرز، فإنه لا شيء عليه. وضع الذهب في الصندوق، وسرق من الصندوق، فإنه حينئذ ليس عليه شيء؛ لأنه وضعه في حرزه، وأخذ من حرزه. والأمين إذا لم يفرط، ليس عليه ضمان؛ لأن ضياع المال في حقه كضياعه في حق صاحبه، أو من يد صاحبه؛ ضياعه في يده كضياعه في يد صاحبه. قال: «وكذلك الإنفاق عليها إذا كانت ذات روح»؛ إذا كانت ذات روح؛ يعني إذا كانت الأمانة تحتاج إلى إنفاق، وضع عندك بهيمة، البهيمة تحتاج إلى أكل، تحتاج إلى طعام وشراب، فإذا قبلتها، وجب عليك أن تنفق عليها؛ لأن هذا من لوازم أدائها؛ لأنك إن لم تنفق عليها ماتت وتلفت. فما دمت قد قبلتها، وجب عليك أن تنفق عليها. ثم أنت بعد ذلك إما أن ترجع بالنفق إلى صاحبها، وتطالبه بالنفق، وإما أن تنوي أنها صدقة؛ فالأمر إليك. لكن ما دمت قبلت هذه الأمانة، وجب عليك أن تنفق عليها. قال: «ومن وسائل أدائها عدم التفريط والتعدي فيها»؛ من وسائل حفظ الأمانة عدم التفريط والتعدي فيها؛ التفريط بترك ما يجب، والتعدي بفعل ما لا يجوز؛ التفريط بترك ما يجب، والتعدي بفعل ما لا يجوز. مثاله: الذهب الذي هو أمانة عندك، مثال التفريط أن تضعه في غير حرزه؛ جعلته -كما قلنا- في غرفة الأولاد، وفي دولاب الأولاد الذي يفتح ويغلق، وليس له يعني صندوق يغلق فيه، وإنما وضعته هكذا؛ هذا تفريط؛ أن هذا الواجب أن يحفظ بحرز مثله، وهذا ليس بحرزه؛ هذا تفريط. وفعل ما لا يجوز؛ كأن تعطي الذهب لزوجتك تلبسه وتستعمله، ولم يأذن لك بذلك؛ هذا فعل لا يجوز. فإذا حصل له شيء، فأنت ضامن. مثاله أيضًا السيارة؛ وضع عندك سيارة أمانة، فالواجب أن تحفظ في حرز مثلها؛ أن توضع تحت البيت، فجعلتها في مكان بعيد، فحصل لها ما حصل من تلف أو سرقة أو نحو ذلك، فأنت ضامن. وفعل ما لا يجوز؛ استعملتها، ومشيت بها في مواضع لا تمشي فيها السيارة، أو حملتها فوق طاقتها، فأنت هنا متعدي؛ ففي هاتين الحالتين عليك الضمان. فمن وسائل أداء الأمانة عدم التفريط، وعدم التعدي. عرفنا التفريط بترك ما يجب، والتعدي بفعل ما لا يجوز. قال: «ومن فروع هذا الأصل أن الله حرم الفواحش وحرم قربانها بكل وسيلة يخشى منها وقوع المحرم؛ كالخلوة بالأجنبية، والنظر المحرم». ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه». من فروع هذا الأصل: الوسائل لها أحكام المقاصد؛ ما حرمه الله جل وعلا من الفواحش؛ كالزنا واللواط وغيرها، حرم قربانها بكل وسيلة، بكل وسيلة يخشى منها وقوع المحرم. فإذا كان هذا المحرم لا يمكن تركه إلا بترك وسائله وطرقه، فهنا يجب ترك هذه الوسائل. ومن فعلها؛ فقد وقع في الحرام؛ لأن الوسيلة تأخذ حكم المقصد. فلذلك حرمت الشريعة الخلوة بالأجنبية؛ قال عليه الصلاة والسلام: «ما قال رجل لامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». وكذلك أيضًا الخلوة بالأمرد الحسن؛ كذلك أيضًا هذا من وسائل الوقوع في الحرام؛ فلهذا جاء نص العلماء على تحريم ذلك. وهكذا النظر المحرم؛ سواء نظر إلى النساء أو المردان؛ فكل ذلك من وسائل الوقوع في الفاحشة؛ فلهذا جاءت الشريعة بتحريمه. وهو أيضًا من ترك الشبهات والابتعاد عن الحمى؛ حول الحرام: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه أو يقع فيه». الحمى: المكان الذي يحميه ولي الأمر للرعي؛ مثلا بهائم التي هي تبع لبيت المال؛ من خيل أو إبل أو نحوها، فيأتي الإنسان ويرعى حولها؛ يرعى حولها فيوشك أن يدخل ويرعى في الحمى. وهكذا من يحوم حول الحرام؛ من يحوم حول الحرام فيصل إلى وسائله وإلى طرقه، فإنه يوشك أن يقع فيه؛ يوشك أن يقع فيه. وأيضًا من ذلك: حرمت الشريعة سفر المرأة بلا محرم؛ لأنه ذريعة إلى الوقوع في هذا الحرام. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم». كل هذا من أجل الحذر من الوقوع في هذا الحرام؛ حرمت هذه الوسائل؛ لأنها وسيلة إلى الوقوع في الحرام. قال: «ومن فروعها أنه نهى عن كل ما يحدث العداوة والبغضاء؛ كالبيع على بيع المسلم، والعقد على عقده، والخطبة على خطبته، وطلب الولاية والوظيفة إذا كان فيها أهل». يقول: من فروعها أنه نهى عن كل ما يحدث العداوة والبغضاء؛ كل ما يكون سببًا في حصول العداوة والبغضاء؛ فإن الشريعة جاءت بتحريمه؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، ووقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين حرام؛ وكل وسيلة توصل إلى ذلك فهي محرمة. قال: «كالبيع على بيع المسلم»؛ البيع على بيع المسلم لا يجوز؛ المسلم أن يبيع على بيع أخيه؛ نهينا عنه عليه الصلاة والسلام؛ «لا يبيع بعضكم على بيع بعض». صورته: أن يأتي إنسان إلى صاحب محل، مثلا، أو من يبيع، مثلا، اشترى مسجلة، اشترى مسجلة من البائع، مثلا، بخمسة آلاف، وتم البيع، اتفق مع البائع أنه يشتريها بخمسة آلاف، فيأتي بائع آخر، ويقول: تعال وأنا أعطيك إياها بأربعة آلاف وخمسمائة؛ أنا سأبيعها لك بأربعة آلاف وخمسمائة؛ هنا الآن سيبيع على بيع أخيه؛ هذا لا يجوز؛ وهذا سبب العداوة والبغضاء. إذا علم البائع الأول أن هذا البائع الثاني باع على بيعه؛ ماذا سيكون موقفه من الثاني؟ الكراهية والبغضاء، وربما يقع بينهم شيء من الشر؛ فلذلك حرمت الشريعة أن يبيع المسلم على بيع أخيه. ومثل ذلك -والعكس- الشراء؛ أن يشتري على شراء أخيه؛ هذا أيضًا لا يجوز. وصورته: أن يشتري المسجلة بخمسة آلاف، فيأتي آخر، ويقول للبائع: أنا سأشتريها منك بخمسة آلاف وخمسمائة؛ أنا أزيدك فوق الخمسة آلاف وخمسمائة؛ الآن سيشتري، على شراء أخيه؛ هذا لا يجوز أيضًا؛ لأنه سبب العداوة والبغضاء. لكن إذا لم يتم البيع؛ يعني ساومه هو، يقول: خمسة آلاف، البائع يقول: خمسة آلاف، والمشتري يقول: أربعة آلاف وخمسمائة، ولم يتفق، فقال: بائع آخر: تعال، أنا أعطيك أربعة آلاف وخمسمائة؛ لا بأس. إذا لم يتفق على البيع، ويجوز للبائع الآخر أن يبيع. لكن إذا انتهت المساومة؛ انتهت المساومة، أما إذا كان ما زال يساومه في الثمن؛ لا. ولهذا جاء في الحديث: «لا يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه». إذا كان ما زال يساومه، ويحاول في الثمن؛ فهنا لا يتدخل الثاني حتى يتفق إما على البيع، وإما على عدم البيع. فإذا انتهت المساومة، وما اتفق على شيء؛ جاز للثاني أن يبيع له. قال: «والعقد على عقده»؛ العقد على عقده؛ يعني أن يعقد المسلم على عقد أخيه. قد يراد بالعقد هنا البيع، أو عقد الإجارة، أو غيرها من العقود. وقد يراد أيضًا عقد النكاح؛ أن يعقد على عقد أخيه في النكاح. كيف ذلك؟ يتزوج الرجل، ويعقد على امرأة، ثم قبل الزواج، أو قبل الدخول، يأتي شخص آخر، فيقول لولي المرأة: كم أعطاك مهر فلان؟ يقول: والله أربعمائة ألف. يقول: أنا أعطيك ثمانمائة؛ رده، وأنا أعطيك ثمانمائة ألف؛ فهنا الآن سيعقد على عقد أخيه؛ هذا لا يجوز؛ هذا أيضًا لا يجوز؛ من هذا الباب؛ من أسباب العداوة والبغضاء. وذكرنا بعض إخواننا أن هناك عادة سيئة في بعض المناطق؛ إذا أراد الرجل أن يتزوج ابنة عمه، وليس معه شيء، يكون ما عنده مال، ينتظر حتى يخطبها رجل، حتى يخطبها رجل، فإذا خطبها، وتجهز للزواج، وفي يوم الزواج، يأتي ابن العم، يأتي ابن العم، ويغرر بالمرأة، يرسل لها نساء، ويقول لها: أن ابن عمك يريدك، وكذا، ويرغب فيك، وأنه خير لك؛ فترفض هذا الزوج الذي جاء، وخسر، ودفع الأموال، والمهر، والوليمة قائمة؛ قد ذبحت الإبل، وجهزت قدور الطعام؛ فتأتي وتقول: خلاص، أنا ما أريده، أريد ابن عمي؛ فيستغرب هذا الرجل، عند العقد، إذا جاء يعقد المأذون، وإذا بولي المرأة يقول: لا، ما نزوجها فلان؛ إنما تريد ابن عمها؛ كيف؟ الرجل يقول: أنا خسرت، ودفعت؛ يقول: المرأة ما أريد إلا ابن عمي؛ فيذهب المأذون، يرسل الناس إلى المرأة، وإذا تقول: ما أريد إلا ابن عمي؛ فيضطر المأذون أن يزوج ابن العم؛ هذا الذي جاء صفرًا؛ فيكون له الزواج؛ فيكون له الزواج؛ ويقول الأول: أنا أدفع لك الخسائر بالتقسيط؛ هذه عادة -يعني- سيئة؛ ولا شك أنه فعل محرم؛ لا يجوز؛ هذا ظلم. وكذلك أيضًا ليس فقط يعني عقد على عقده، أو خطبة على خطبته؛ بل هو يعني فيه استغلال؛ استغلال، وظلم لهذا الأول؛ بأخذ كل ما دفع، وينقلب الزواج من أن يكون للأول إلى أن يكون إلى هذا الثاني الذي لا شيء معه. قال: «والخطبة على خطبته أيضًا»؛ الخطبة على خطبة أخيه؛ كما ثبت في الصحيح في نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يخطب الرجل على خطبة أخيه؛ إذا خطب إنسان عند بيت؛ فلا يجوز لآخر أن يأتي ويخطب على خطبته؛ إذا علم أنه قد خطب عندهم، وقبلوه؛ لا يجوز له أن يخطب؛ إلا إذا لا يعلم؛ إذا كان لا يعلم؛ فجاء وخطب هو لا يعلم أنه قد تقدم قبله فلان؛ فهنا ليس عليه شيء. أما إذا كان يعلم؛ لا يجوز. أو علم أنه خطب، وردوه؛ فلا بأس. إذا علم أنه قد خطب، وردوه؛ فلا بأس. أو يأذن له؛ لأنه جاء في الحديث: «ولا يخطب على خطبته حتى يأذن، أو يذر»؛ يأذن له أن يخطب على خطبته، وهو ينسحب، أو يترك الخطبة، ويأتي ويخطب هذه المرأة؛ فلا بأس. أما أن يخطب وقد قبلوا؛ فهذا لا يجوز؛ أن هذا من أسباب العداوة والبغضاء، والشحناء. إلا إذا كان هذا الخاطب ليس كفءًا للمرأة؛ إذا كان هذا الخاطب ليس كفءًا للمرأة؛ المرأة مستقيمة، وتريد رجلًا صالحًا؛ لكن أتى إليها رجل غير مستقيم؛ أتى إليها رجل غير مستقيم، ووافق الأب، وهي -يعني- ترى أنها مسكينة؛ تقول: ما حصلت من أهل الاستقامة والخير؛ فرضيت؛ ثم جاء آخر من أهل الصلاح والاستقامة، وعلم بأن فلان تقدم، وهو غير مستقيم؛ على فسق، وكذا؛ هل يجوز له أن يأتي ويخطب على خطبته؟ قال أهل العلم: يجوز؛ يجوز بهذه الحالة؛ لأنه الذي تقدم لها ليس كفءًا؛ ليس كفءًا لها؛ فيجوز أن يخطب على خطبته في هذه الحالة. أما إذا كان -يعني- حاله كحال غيره من الناس؛ فلا يجوز أن يأتي ويخطب على خطبة أخيه. قال: «وطلب الولاية والوظيفة إذا كان فيها أهل»؛ إذا كان في الولاية والوظيفة أهل؛ أهل لها، ومن يقوم بها؛ فلا يجوز أن تأتي وتطلب هذه الوظيفة، أو هذه الولاية؛ مثلا إمامة الصلاة؛ هناك إمام أهل الإمامة؛ فلا يجوز لك أن تأتي وتطالب بالإمامة. أو هناك مؤذن؛ كذلك أهل للأذان؛ فتأتي وتطالب بالأذان. أو كذلك ولاية شيء من المناصب؛ كحفظ بيت المال، مثلا، أو نحوها؛ فلا يجوز لك أن تأتي وتطالب بها. إلا إذا كان القائم عليها ليس أهلًا؛ إذا كان القائم ليس أهلًا؛ فيجوز لك أن تأتي وتطلبها؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ والقيام على الولايات؛ قيام من كان أهلًا؛ سبب في حفظها ورعايتها. وإذا كان لا يمكن ذلك إلا بطلبها؛ فحينئذ يجوز أن يطلبها. ومن ذلك قول يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾؛ طلبها؛ لأنه لم يكن هناك أهل يقوم بها؛ فطلبها عليه الصلاة والسلام. وكما سمعنا: إذا كان فيها أهل؛ فلا يجوز. وإن لم يكن فيها أهل؛ فإنه يجوز؛ إلا ولاية الإمارة، وما كان معناها، أو مثلها؛ نهت الشريعة بتحريم طلبها. قال عليه الصلاة والسلام: «إنا لا نعطي هذا الأمر أحدًا سأله أو حرص عليه». «إنا لا نعطي هذا الأمر أحدًا سأله أو حرص عليه»؛ هذا هو الأصل. لكن -كما قلنا- إذا كان ليس هناك من يقوم به، من هو أهل؛ فيجوز أن يطلبها؛ كالقضاء؛ مثلا؛ إذا أراد القضاء، ويعرف أن القضاء -يعني- ليس فيهم من يقوم بهذا الحق الواجب على وجه الأكمل. وكذلك أيضًا يوجد من سيعينه على القيام بهذا الأمر؛ فلا بأس. أما إذا كان ليس هناك من يعينه على القيام بهذا الواجب، وربما كان فتنة في دخوله فيه؛ فهنا يترك؛ فهنا يترك؛ لهذا كان كثير من السلف يتركون ولاية القضاء؛ وإذا طلبوا لها؛ اعتذروا؛ لهذا السبب؛ إما وجود من يقوم بهذا الأمر، أو لأنه لا فائدة؛ لا فائدة أن يقوم به؛ فتأتيه الأوامر من فوقه بنصرة الظالم، وظلم المظلوم. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على