الدرس في كتاب الصلاة 38، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
صلاة الاستسقاء سنة عند الجدب وتُصلى ركعتان كصلاة العيد، يليها خطبة تتضمن الذكر والدعاء. يُستحب فيها الاستغفار والدعاء برفع الجدب.
تُصلى صلاة الاستسقاء بآداب وسنن معينة، مثل تحويل الرداء واستقبال القبلة أثناء الدعاء، مع التأكيد على اتباع السنن المحددة لها.
يُستحب الخروج لصلاة الاستسقاء متواضعًا، والدعاء بتحويل القبلة، وكشف بعض الجسم للمطر، والتوسل بدعاء الصالحين، وتكرار الصلاة عند الحاجة.
يختتم الدرس بالتأكيد على علم الله تعالى وأهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإشارة إلى عدم وجود لفظة صريحة معينة للمعنى المحدد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «باب صلاة الاستسقاء»، أي: هذا مدخل لمعرفة أحكام صلاة الاستسقاء. وسميت صلاة الاستسقاء بصلاة الاستسقاء؛ لأنه يحصل فيها الاستسقاء. وهنا تنبيه، وهو أن صلاة الاستسقاء واحدة، ولكن الاستسقاء له كيفيات. ويخطئ من يقول: من كيفيات صلاة الاستسقاء الدعاء في خطبة الجمعة. الدعاء في خطبة الجمعة، وهذا ليس بالصحيح؛ فالدعاء بخطبة الجمعة من كيفيات الاستسقاء، لا من كيفيات صلاة الاستسقاء. قال رحمه الله تعالى: «يُسنُّ عند الجدب ركعتان بعدهما خطبة تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية، ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب، ويحولون جميعًا أرديتهم». هذه مجموعة من المسائل تتعلق بأحكام صلاة الاستسقاء. أولها: أن هذه الصلاة سنة. وأشار بشرحه رحمه الله إلى أنه قال بهذا الحكم؛ لأنه لم يرد دليل صحيح صريح يدل على الوجوب. والأصل هو «ضراءة الدمة»، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب كما مر معنا وسبق، وهي قاعدة من القواعد الأصولية: أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعله. فصلاة الاستسقاء، كما سيأتي معنا بأحاديث كثيرة، وقال: «أنها تصلى عند الجدب ركعتان بعدهما خطبة». فقوله: «عند الجدب» معناه: أن صلاة الاستسقاء إنما تشرع عند وجود حاجته، وهو الجدب. وهي مستحبة، فإن دعا من غير أن يصلي جاز. وقد فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك في مواضع، منها ما جاء في الصحيحين في حديث أنس: أنه دعا في خطبة الجمعة. ومنها كذلك ما ثبت في غزوة بدر: أنه دعا عليه الصلاة والسلام حين نزلوا في أول الأمر في أسفل البئر، أو في بعض غزواته دعا عليه الصلاة والسلام حتى سُقُوا. وقوله: «ركعتان»، صفة هاتين الركعتين أولًا: أنها تصلى في وقت صلاة العيد، وكيفيتها ككيفية صلاة العيد. ودليله ما جاء عند أبي داود والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عباس بإسناد حسن: أنه قال: «صلى ركعتين كما يصلي في العيدين»، أو «كما يصلي في العيد»، أي: النبي عليه الصلاة والسلام يصلي كما يصلي في العيد أو في العيدين. فهي إذن من حيث وقتها في أول النهار كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام العيد. وجاء في حديث عائشة عند أبي داود والبيهقي والحاكم بإسناد حسن، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «الإرواء»: أنه عليه الصلاة والسلام «خرج حين بدأ حاجب الشمس»، ومعناه: أنه بكر في الخروج، وصلى كما في حديث ابن عباس كما كان يصلي في العيدين، يعني في أول النهار. وهكذا كذلك ظاهر حديث ابن عباس: أنه صلاها كذلك في الكيفية كصلاة العيدين. إذن: يكبر سبعًا في الأولى، ويكبر خمسًا في الثانية كما كان يكبر في صلاة العيدين. وقد مر معنا وصف ذلك فيما سبق في وصف صلاة العيدين. وهكذا كذلك يستحب أن يقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية كما كان يفعل في العيدين كذلك. وقوله: «بعدهما خطبة»، هكذا جاء في أكثر الأحاديث. أكثر الأحاديث التي فيها صفة صلاة مستسقى عن النبي عليه الصلاة والسلام: حديث عائشة، وحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، ونحوها من الأحاديث الأخرى. أكثر الأحاديث: أنه خطب بعد الصلاة. وجاء ببعض الأحاديث: أنه خطب قبل الصلاة. ولكن الأصح: أنه خطب عليه الصلاة والسلام، وهو الأكثر المروي بعد الصلاة. فإن خطب أحد قبل الصلاة، جاء له ذلك على ما ورد مما يصححه بعض أهل العلم في هذا الباب. وهكذا كذلك من صفة الخطبة: أنها خطبة واحدة. أنها خطبة واحدة. ولم يثبت أنها أكثر. وقد مر معنا الكلام على هذه المسألة في مسألة صلاة العيد. وأنه جاء بحديث جابر: أنه لما كان يوم الجمعة أكثر من خطبة. فلما لم يبين في غيره، علم أنها خطبة واحدة. والعجيب: أنه لم ينقل عن أحد من أهل العلم أنه قال: يخطب بخطبتين في صلاة الاستسقاء، مع أن الحديث المروي فيها لا يختلف كثيرًا عن الحديث المروي في صلاة العيدين. فيتعجب: كيف يفرق بين هذا وهذا؟ وكان الذي ينبغي أن يضطرد الكلام. وهكذا كذلك قال رحمه الله: «تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة والزجر عن المعصية». وهذا أكثر ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في وصف الخطبة. فإنه دعا، وأمر بالاستغفار، واستغفر. كما ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: 52] عن نوح عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من صفة هذه الصلاة، قال: «والدعاء برفع الجدب». وكان من هديه عليه الصلاة والسلام في دعائه، كما في حديث أنس في الصحيحين: أنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. يعني: كان يبالغ في الرفع في صلاة الاستسقاء. وهكذا كذلك من مسائله: أنه يدعو برفع الجدب، يعني الحال التي هم فيها. فإذا كان كذلك، لا بأس إذا ذكر حال الناس، وذكر حال البهائم، وذكر حال كذلك الأشجار والأرض ونحو ذلك، فهو مباح. يعني في خطبته. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام عدد من الأدعية. والأفضل أن يحرص عليها. ففي حديث أنس في الصحيحين: أنه كرر «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا» ثلاثًا. وهكذا كذلك ثبت في حديث جابر، وبمعنى حديث عبد الله بن عباس، وكلهما حسن: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا طبقًا غدقًا عاجلًا غير رائد». وفيه رواية: «عاجل غير آجل». وفيه رواية زاد في حديث جابر: «نافعًا غير ضار». ونحو ذلك من الأدعية الصحيحة التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا من أحسن ما يدعى به. وهكذا كذلك من مسائله: أن هذه الخطبة تنقسم إلى قسمين: خطبة يخطب فيها، وخطبة يدعو. يعني في آخر الخطبة يدعو. وكان من هديه عليه الصلاة والسلام في صلاة الاستسقاء خاصة: أنه كان يلتفت إلى القبلة على خلاف هديه في دعائه في خطبة الجمعة. فدعاؤه في خطبة الجمعة كان يشير بإصبعه وهو مستقبل الناس. وأما في صلاة الاستسقاء، فكان يوجه إلى جهة القبلة، ويعطي الناس ظهره، ويرفع يديه حتى يبدو بياض إبطيه. وفي هذا: أن الدعاء منه ما يكون وهو مواجه للناس، ثم يلتفت ويجعل ظهره إلى الناس ويستقبل القبلة ويرفع يديه مرة أخرى، أو يستمر في الدعاء ويجعل ما يناسب المقام. وهكذا كذلك مما يناسب أن يذكر في هذا المقام: أنه جاء في بعض الروايات عند أبي داود وغيره: إخراج المنبر في صلاة الاستسقاء. وقد ألمح ابن القيم رحمه الله إلى ضعف هذه الرواية، فقال في إخراج المنبر: «إن صح». وفي النفس منه شيء. أي: في النفس من صحة خبر إخراج المنبر شيء. وتفرد بهذه الرواية بعض مشايخ أبي داود ممن قد نكروا في بعض حديثه. وذلك ما جاء في حديث عائشة في بعض الروايات. حديث عائشة. وأكثر من روى لم يذكر إخراج المنبر. فإذن: الصحيح عدم إخراج المنبر. هذا من جهة الرواية. وأما من جهة الدراية والتعليل: أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخرج المنبر في صلاة العيد، ولم يثبت أنه أخرجها بغيره. فإذن: صلاة الاستسقاء مثلها. وأخيرًا من مسائل صلاة الاستسقاء: تحويل الرداء. أن الخطيب يحول الرداء كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين. وجاء كذلك من حديث ابن عباس وغيره: يحول الإمام الرداء، ويحول الناس كذلك أرديتهم. تحويل الرداء جاء في بعض الروايات: أنه كان قبل استقبال القبلة والدعاء. وجاء في بعض الروايات: أنه كان بعد استقبال القبلة والدعاء. وكل الروايتين صحيح. فيعمل بهذا أحيانًا، وهذا أحيانًا. وهذا من باب التفاؤل في تغيير الحال. وهكذا الناس يحولون أرديتهم. لما ثبت في مسند الإمام أحمد بإسناد حسن، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «الإرواء» الجزء الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حول، وحول الناس معه. حول الناس كذلك أرديتهم معه. ومما يختم به هذا الباب: أن صلاة الاستسقاء لها سنن. من سننها: أنه يستحب لمن خرج إليها أن يخرج متواضعًا متخشعًا متبذلًا. يعني: غير متزين. وثبت هذا المعنى عند أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله. وهكذا من سننه: أنه إذا استمر المطر وخشي أن يضر الناس أو يتضرر الناس، يدعو الإنسان في خطبة جمعة أو في غيرها بتحويل المطر إلى موضع لا يضر الناس وينتفعون به. كما ثبت في حديث أنس في الصحيحين: أنه لما جاء الرجل فشكا إليه ما أصابهم من استمرار المطر، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام والجبال والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». وهكذا كذلك من سنن المطر: أنه إذا نزل المطر يدعو فيقول: «اللهم صيبًا نافعًا». كما جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها. ومن سننه: أنه ينسب الفضل لله عز وجل وحده، فيقول: «مطرنا بفضل الله ورحمته». كما جاء في الصحيحين من حديث زيد بن خالد. وهكذا كذلك من سننه: أنه يكشف عن بعضه حتى يصيب المطر جسده رأسه أو غيره. ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، قال: «لأنه حديث عهد بربه». وهكذا من سننه: أنه إذا خرج فتوضأ منه أو اغتسل فتطهر، لكان حسنًا. لما ثبت في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء المطر، قال: «قوموا لنتطهر من هذا الماء الذي سماه الله عز وجل قُرًّا»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ومن سننه كذلك أو من مباحاته: أنه يباح عند الاستسقاء اختيار رجل صالح الذي يظن أنه صالح، فيصلي بالناس، ولو كان هو غير الإمام الرسمي، ولو كان هو غير الإمام الثابت. لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمر: أنه أتى إلى العباس وطلب منه أن يصلي بالناس. فقال: «إن كنا نستشفع بنبينا، فإنا نستشفع بعم نبينا». وهذا من باب التوسل بدعاء الرجل الصالح. وفرق بين المسألتين. ننتبه لهذا. وعُبَّاد القبور والمفتونون بالقبور لا يفرقون، فيظنون أنه عند الجدب يلجأ إلى الصالحين، فيأتون إلى القبور ويطلبون من أصحاب القبور. وهذا من الشرك. بل لا يطلب إلا من الله عز وجل. أما الرجل الحي الحاضر الذي يطلب منه ما يستطيع من الله عز وجل، فهذا من التوسل بدعاء الرجل الصالح. وهذا جائز. دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. التوسل بدعاء الرجل الصالح. أما التوسل بالصالحين لو كانوا ميتين أو كانوا غائبين أو كانوا فيما لا يستطيعون، فهذا من الشرك والعياذ بالله. فننتبه لهذا. وهكذا كذلك من مسائله وسننه: أنه لا بأس أن يكرر أن تكرر صلاة الاستسقاء إذا لم ينزل المطر. لا بأس أن تتكرر. وليس من السنة في شيء. ننتبه لهذا. وهذا يقع في الأزمنة الأخيرة. ليس من السنة في شيء أن يصلى صلاة الاستسقاء يوم الجمعة. بعضهم يقول: الناس من الجمعة متفرغون ويجتمعون في صلاة الجمعة، فيقومون بعد صلاة الجمعة ويصلون صلاة الاستسقاء. وهذا قطعًا خلاف السنة. لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. حتى ولو أرادوا أن يصلوها في صباح يوم الجمعة، فهو خلاف السنة. إذا أرادوا يوم الجمعة، إذن يكتفي الإمام بالدعاء في خطبة الجمعة. لكن صلاة الاستسقاء تكون في غير يوم الجمعة. وهكذا كذلك مسألة أخيرة: أنه ثبت ببعض الأحاديث. جاء في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند دعائه أشار بظهر كفه إلى السماء. يعني هكذا أشار بظهر كفه إلى السماء. وقد تحير بعض أهل العلم في تفسير هذا الفعل. فبعضهم جعله عند التعود يجعل يديه باطن كفه إلى الأرض وظاهر كفه إلى السماء. يعني إذا قال مثلًا: «اللهم أسكن غيثًا مغيثًا» إلى آخره. ولا تحرمنا فضلك. فإذا قال: «لا تحرمنا فضلك» حول يديه كذا. وفي الأول كان يديرها كذا. وإذا قال: «لا تحرمنا فضلك» حول يديها كذا. وهذا من باب الدعاء وتغيير الحال من الجدب إلى السقيا. وبعضهم قال: بل يفعل هذا في نفس الدعاء حين يسأل الله عز وجل استئناسًا بتغيير الحال. والحاصل: إن فعل هذا وهذا، فظاهر الحديث العموم. وما أعرف إلى الآن لفظة صريحة تدل على هذا المعنى. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.