التعليق على كتاب كشف الشبهات 3

الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 3، ألقاها

دعوة النبي محمد إلى توحيد الله ورفض المشركين

دعا النبي محمد صلى الله عليه وسلم قريش إلى توحيد الله ونبذ الشرك، لكن المشركين استكبروا لعلمهم بمعنى كلمة التوحيد. كانوا يعبدون الله مع اتخاذ وسائط أخرى.

توحيد الربوبية واعتراف المشركين به

كان المشركون يعترفون بربوبية الله وحده، لكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى معه، مما أدى إلى دعوة النبي لهم لإفراد العبادة لله.

الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية

توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق، بينما توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة، والمشركون أخطأوا في توحيد الألوهية.

أهمية الدعاء المستمر لله سبحانه

يجب على المسلمين الدعاء لله ليلا ونهارا كما كان يفعل الصحابة، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا عند قول المؤلف، رحمه الله: «أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين». وعرفنا أن اتخاذهم وسائط مع الله جل وعلا يعتبر من الشرك والكفر. والله جل وعلا يقول، حاكيا عن أمثال هؤلاء: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ويقول: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. فأخبر الله سبحانه وتعالى بكفرهم لإتخاذ هذه المعبودات وسيط بينهم وبين الله، وعبادتهم لأجل أن تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله: «نريد شفاعتهم عنده» أن يريدون شفاعة هذه المعبودات عند الله، أي أن تشفع لهم. وهذه شفاعة باطلة وشفاعة منفية، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. والشفاعة ملك لله، الشفاعة ملك لله. قل لله الشفاعة جميعا. والواجب طلبها من الله، أن تطلب الشفاعة من الله. فإذا طلبتها من غير الله، فقد وقعت في الشرك. قال: «فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام». أي بعث الله عز وجل محمدا عليه الصلاة والسلام، وهو آخر الرسل والأنبياء. وقوله: «بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم» يعني بعث عليه الصلاة والسلام في كفار قريش، ومن كان مثلهم من أهل الكفر. وإن كانت بعثته عامة لجميع الثقلين، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. لكن كان النبي عليه الصلاة والسلام من أهل مكة، ومن أهل قريش. فبعثه الله عز وجل فيهم، وهو منهم، يعرفون نسبه، ويعرفون صدقه، ويعرفون أمانته عليه الصلاة والسلام. بعثه الله جل وعلا يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم. فإن إبراهيم عليه السلام كان على دين التوحيد، وعلى الحنيفية السمحة، كما قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والحنيفية هي الميل من الشرك إلى التوحيد، الميل من الشرك إلى التوحيد. والنبي عليه الصلاة والسلام كان على هذه العقيدة، وعلى هذا السبيل، وهو الدعوة إلى توحيد الله، وإلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، ونبذ الشرك بجميع صوره وأنواعه، على ما كان عليه إبراهيم عليه السلام. قال: «ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محظ حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لغير الله». فدعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى توحيد الله، وإلى عبادة الله. ومكث في مكة ثلاثة عشر عاما، وهو يدعو إلى التوحيد. وعرف المشركون معنى كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله»، التي دعاهم إليها النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها تعني ترك جميع الآلهة التي يعبدون، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة. فاستكبروا أن يقولوها، كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ويقولون: «أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون». هل نترك كل الآلهة التي كنا نعبد من أجل رجل متهم بالشعر والجنون، أي النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأبوا أن يقولوا هذه الكلمة لعلمهم بمعنى هذه الكلمة، إلا القليل ممن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. فبين لهم عليه الصلاة والسلام أن هذا التقرب والاعتقاد هو محض حق الله تعالى، يعني التقرب بهذه العبادات والطاعات والقربات هي خاصة بالله، وحق من حقوق الله جل وعلا التي لا يجوز صرفها لغيره. ولا يجوز اعتقاد الألوهية إلا في الله جل وعلا الذي تفرد بالملك والخلق والتدبير، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده سبحانه وتعالى. لا يصلح منها شيء لغير الله، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما. يعني لا تجوز صرف العبادة للملك الملائكة المقربين عند الله، وما لهم من منزلة عند الله جل وعلا. وهكذا أيضا الأنبياء الذين هم أفضل خلق الله على هذه الأرض، لا يجوز أن تصرف لهم العبادة من دون الله جل وعلا. فإذا كان صرف العبادة لأمثال هؤلاء الذين هم من أفضل خلق الله جل وعلا لا يجوز، فغيرهم من باب أولى، غيرهم من باب أولى أنه لا يجوز أن تصرف لهم شيء من أنواع العبادات. قال: «وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق الرزاق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو». وأن جميع السماوات ومن فيهن، والأراضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره. فهؤلاء المشركون الذين عبدوا غير الله جل وعلا من الأصنام والأوثان والصالحين، هم يعتقدون ويعلمون أن الذي تفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة هو الله. وأن هذه المعبودات لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت، هم يعترفون بذلك. وأن المتفرد بالربوبية والخلق والملك والتدبير هو الله سبحانه وتعالى وحده. وهذا من لوازم الإيمان بتوحيد الألوهية. إذا أقروا بربوبية الله جل وعلا، فإن ذلك يلزمهم أن يفردوا الله جل وعلا بالعبادة. فعبادتهم لهذه المعبودات مع اعتقادهم أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت، وأن المتفرد بذلك هو الله جل وعلا، لا شك أن هذا من جهلهم وصخافة عقولهم أن يعبدوا من لا يملك من الأمر شيء. قال رحمه الله: «فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا» يعني يشهدون بأن الله متفرد بالخلق والملك والتدبير، وأنه الذي يخلق ويرزق ويحي ويميت، لا يشاركه بذلك أحد من المخلوقات. قال: «فقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، وغير ذلك من الآيات». فهذه الآيات تدل على اعتراف المشركين بربوبية الله جل وعلا. قل: «من يرزقكم» يعني سألهم يا محمد: من يرزقكم من السماء والأرض؟ من الذي يأتيكم بالرزق؟ ومن الذي يملك السمع والأبصار؟ الذي أعطاكم السمع والبصر. ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؟ يخرج الحي من الميت كما يخرج جل وعلا المؤمن من الكافر، والزرع من الحبة. ويخرج الميت من الحي، يخرج الكافر من المؤمن، والبيضة من الطائر. ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله. يعترفون بأن الذي يملك ذلك، والذي يتصرف في ذلك هو الله سبحانه وتعالى وحده. قال: «فقل أفلا تتقون» ألا تتقون الله وتفردونه بالعبادة، وتقومون بطاعته وعبادته، وتجتنبون ما نهاكم عنه، وما حرمه عليكم؟ ومن أعظم ذلك الشرك في عبادة الله جل وعلا. قال: «قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله». يعترفون أن الأرض ملك لله، وما فيها ملك لله جل وعلا. «فقل أفلا تذكرون». قل: من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون: لله. «قل أفلا تتقون». قل: من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، إن كنتم تعلمون؟ سيقولون: لله. «قل فأنى تسحرون» أي كيف تصرفون وتتركون ذلك؟ تتركون عبادة الله وتلجأون إلى عبادة غير الله جل وعلا. ما اعترافكم بتفرد الله جل وعلا بالربوبية والإقرار بربوبية الله جل وعلا يلزم منه ماذا؟ يلزم منه إثبات ألوهية الله. فمن أقر بربوبية الله جل وعلا، وأن الله المتفرد بالخلق والملك والتدبير، فيلزم منه أن يفرض الله جل وعلا بالعبادة. يلزم منه أن يفرض الله جل وعلا بالعبادة. والله عز وجل ألزم المشركين بذلك، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة. إذا تحققت أن المشركين مقرون بربوبية الله، وأن الله هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، فهذا التوحيد، أي توحيد الربوبية، لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي وهو توحيد الألوهية، وهو توحيد الألوهية، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة. فمن أقر بربوبية الله ولم يقر بألوهيته، وصرف العبادة لغير الله، فهو كافر مشرك، حلال الدم والمال. لم يكن دمه وماله بذلك معصوما إلا بتوحيد الألوهية. ولذلك قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة» أي توحيد الألوهية، و«صرف العبادة لله جل وعلا، وإفراد الله بالعبادة». قال: «الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد». يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، يعني يقولون: فلان أي من الناس فيه الاعتقاد، يعني يعتقد فيه النفع والضر، ويستحق أن يعبد، وأن تصرف له العبادة. أن تصرف له العبادة. هذا النوع هو الذي وقع فيه المشركون في الزمن الأول الذين قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا الذي وقع فيه المشركون في زمن المؤلف رحمه الله. وكذلك أيضا في أزماننا هذا يقع فيها من يقع من المسلمين ممن يعتقد في الأموات وفي الأولياء أنهم ينفعون ويضرون، ويصرفون لهم أنواع العبادات من ذبح ونذر واستغاثة إلى آخره. ولا يسمون ذلك عبادة، ولا يعتقدون فيما يزعمون أنه من صرف العبادة لغير الله، وهو عين عبادة المشركين. هذا هو عين عبادة المشركين. المشركون عبدوا الأصنام والصالحين، وقالوا: تقربنا إلى الله وتشفع لنا عند الله. وهؤلاء الذين عبدوا أصحاب القبور، وعبدوا الصالحين، ماذا تريدون بهذا؟ يقولون: تقربنا إلى الله وتشفع لنا عند الله. إذن فما الفرق بين عبادة المتأخرين وعبادة المتقدمين؟ فكلها عبادة صرف عبادة لغير الله بقصد التقرب إلى الله، وأنها تقربهم عند الله وتشفع لهم عند الله. فإذا قالوا: نحن مسلمون، مع صرفهم العبادة لغير الله، فيقال: إذن عباد الأصنام كذلك مسلمون، لأنهم ما طلبوا منها إلا قصد القرب وقصد الشفاعة عند الله جل وعلا. ومع ذلك كفرهم الله سبحانه وتعالى. قال: «كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلا ونهارا». نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على