الدرس في القواعد والأصول الجامعة 21، ألقاها
الأصل في العبادات هو الحظر والتوقيف، بينما الأصل في العادات هو الإباحة. هذا يعني أن العبادات لا تشرع إلا بدليل شرعي، والعادات لا تحرم إلا بدليل شرعي.
تحريم ما أباحه الله ورسوله يعتبر من الابتداع في الدين، ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من المخالفين لسنته. يجب عدم تحريم شيء بدون دليل شرعي.
يجب أن يكون هناك دليل شرعي لتشريع عبادة أو تحريم عادة. من يخالف هذه الأصول يطالب بالدليل على صحة ادعائه. الإباحة هي الأصل في الأمور التي لا يوجد دليل على تحريمها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»، في كلامه في القاعدة السادسة: الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله. قال: واعلم أن البدع من العبادات على قسمين: إما أن يبتدع عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلا، وإما أن يبتدعها على وجه يغير به ما شرعه الله ورسوله. القسم الأول: بدعة ليس لها أصل في الشريعة، وهذه يسميها الإمام الشاطبي رحمه الله بالبدعة الحقيقية، كبدعة المولد مثلا. هذه البدعة ليس لها أصل في الشريعة، فأحدثت في الشرع وليس لجنسها أصل، هذه تسمى بدعة حقيقية. والنوع الثاني: أن يبتدعها على وجه يغير به ما شرعه الله ورسوله، يعني يكون أصلها مشروعا ولها أصل في الشريعة، لكن غيرت في كيفيتها، في صفتها، في عددها، كالأذكار مثلا. الأذكار الشرعية التي تقال بعد الصلاة مشروعة، فإذا أخذت وقيلت على جهة الجماعة، كانت بهذا الوصف بدعة. الأذان مشروع، فإذا زيد فيه أذكار قبل الأذان أو في وسط الأذان أو في آخر الأذان، كانت هذه الزيادة بدعة، تسمى هذه البدعة إضافية، كما يقول الشاطبي رحمه الله. إذا الابتدع في دين الله جل وعلا، إما أن يكون إحداث عبادة ليس لها أصل في الشرع، وإما أن يكون لها أصل لكن غيرت على الصفة التي وردت في الشرع، إما في كيفيتها، وإما في صفتها، أو في عددها، فتكون بدعة بسبب هذا التغيير. قال: وأما العادات فكلها، كالمآكل والمشارب والملابس والأعمال العادية والمعاملات والصناع، فالأصل فيها الإباحة والإطلاق، الأصل فيها الإباحة، يعني كل ما يصلح دخوله في العادات فإنه يأخذ هذا الحكم، وهو الإباحة. هذا الأصل في هذه الأشياء، فمن حرم شيئا من الطعام، يقال له: ما هو الدليل على تحريمه؟ لأن الأصل الإباحة. أو حرم شيئا من المشروبات، يقال: ما هو الدليل على تحريمه؟ أو حرم شيئا من الملابس، يقال: ما هو الدليل؟ يطالب بالدليل لأنه خالف الأصل، الأصل هو حلها وإباحتها. فمن حرم منها شيئا، طولب بالدليل. قال: فمن حرم شيئا منها لم يحرمه الله ولا رسوله، فهو مبتدع، يعتبر مبتدعا لأنه شرع في دين الله جل وعلا ما ليس منه، وحرم ما أحل الله. الله جل وعلا امتن على عباده بما خلق لهم في هذه الأرض، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه. الله جل وعلا امتن على عباده بما خلق لهم في الأرض، يدل هذا على إباحته لما خلق لهم في هذه الأرض، وعلى طهارته. فالذي يأتي يحرم، فهو الآن يخالف شرع الله ويخالف دين الله سبحانه وتعالى. قال: كما حرم المشركون بعض الأنعام التي أباحها الله ورسوله، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿قَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾، وهكذا أيضا «البحيرة والسائبة والوصيلة»، ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، فحرموا ما حرموا من الأنعام وهي مباحة، أباحها الله سبحانه وتعالى، فتحريمهم هذا يعتبر من الابتداع. وهكذا إذا حرم الإنسان شيئا من المباحات، كأن يحرم على نفسه مثلا أكل اللحم، أو على غيره، أو لبس شيئا من الثياب المباحة، يكون بهذا مبتدعا مخالفا لدين الله ولما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكون هذا من التنطع الذي يهلك به صاحبه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أقواما قالوا مقالة، منهم من قال: إنه لا يأكل اللحم، وقال الثاني: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: لا أنام على فراش، فأنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». النبي صلى الله عليه وسلم يتبرأ ممن خالف سنته، فحرم على نفسه شيئا أحله الله، هذا يدعى لأن هذا الفعل يعتبر من الابتداع في الدين. قال: وكمن يريد أن يحرم بعض أنواع اللباس، أو الصناع، أو المخترعات الحادثة بغير دليل شرعي، يحرمها. من أراد أن يحرم بعض أنواع اللباس بغير دليل، يأتي يقول: هذا اللباس حرام، طيب ما هو الدليل؟ ما في دليل، هذا ما يقبل منه، هذا الفعل منه غير صحيح، وهو من الابتداع في الدين. نعم، إذا كان عنده دليل شرعي على التحريم، كون هذا اللباس فيه صور، أو أن هذا اللباس فيه تقليد الكفار، أو أن هذا اللباس يعني فيه عدم تستر وتكشف، بما تعلق بالنساء مثلا، أو نحو ذلك من الأدلة، أتى دليل على تحريم لبس هذا النوع من اللباس، فلا بأس أن يقول: هذا حرام. أما بغير دليل فلا يحل له ذلك، لأن الأصل في اللباس الحل. أو كذلك الصناع والمخترعات، لو جاء يقول: الراديو حرام، والكهرباء حرام، وركوب السيارات حرام، وغير ذلك من الأشياء التي هي مباحة، فيأتي يحرمها، هذا الفعل منه خاطئ وليس له حق في ذلك، لأن الأصل في هذه الأشياء الإباحة، إلا إذا كان هناك دليل على تحريمها، كأن تكون يعني فيها مضرة ومفسدة، كالدش مثلا، فقال بتحريمه لأن فيه ضرر عظيم على أخلاق المسلمين وعلى دينهم واستقامتهم، فلا بأس. أما من غير دليل ولا حجة ولا برهان فلا يجوز أن يحرم شيئا من ذلك. وقد وجد في يعني زمن ليس بالبعيد من حرم بعض هذه الأشياء المباحة، ركوب السيارات، واستعمال الراديو، نحو ذلك، وهذا خطأ منهم. قال: والمحرم من هذه الأمور، الأشياء الخبيثة أو الضارة، يعني من المآكل والمشارب والصناع والمخترعات، ما كان خبيثا أو ضارا، فهذا محرم. ولهذا الشرع حرمت أكل الميتة، وأكل الخنزير، وشرب الخمر، لأنها خبيثة مضرة، فجاءت الشريعة بتحريمه. وهكذا ما كان مثلها في الخبث أو في الضرر فإنه يحرم، كذلك أيضا المخترعات الحديثة، ما كان فيها الضرر فإنه يأخذ حكم التحريم، كالآلات الحروب، الصواريخ التي تسمى بالدمار الشامل، هذه محرمة لأنها مضرة، لا يجوز استعمالها ولا تصنيعها، وهكذا قس على ذلك مما فيه ضرر فإنه يحرم بسبب الضرر الذي فيه. قالوا: قد فصلت في الكتاب والسنة، ومن تتبع المحرمات وجدها تجتمل على المفاسد المتنوعة. وهذان الأصلان نفعهما كبير، وبهما تعرف البدع من العبادات، وبهما تعرف البدع من العادات. بهذين الأصلين: أن الأصل في العبادات الحظر، المنع، فمن أحدث عبادة ليست في الشرع، فيعرف أن هذا العمل بدعة وليس بعبادة، لأن العبادات الأصل فيها التوقيف، والأصل فيها الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، فلابد من دليل على هذه العبادة حتى تكون عبادة مشروعة، فإن لم يكن لها دليل فهي بدعة. والأصل في العادات الإباحة، فمن حرم منها شيئا كان هذا التحريم ابتداء في دين الله جل وعلا. قال: فمن لزمهما فقد استقام على السبيل، ومن ادعى خلاف أصل منهما فعليه الدليل. من ادعى خلاف الأصل، الأصل في العادات المنع، فمن قال: هذا العمل عبادة وعمل مشروع، قلنا: هذا الدليل لماذا؟ لأن الأصل التوقيف، والأصل أنه ليس بعبادة، هذا حتى يأتي الدليل الذي يدل على أنه عبادة. فمن خالف الأصل طلب بالدليل، قال له: هات الدليل والحجة والبرهان على هذا، على أن هذا العمل عبادة، وأن هذا العمل مشروعا. وهكذا أيضا في العادات، فمن قال: هذه العادة محرمة، قلنا: هات الدليل، الأصل في العادات الإباحة. مثلا اجتماع الناس في الأعياد، يجتمع الأقارب بعضهم مع بعض، الرجال مثلا مع الرجال، والنساء مع النساء، لو قال شخص: هذا ما يجوز، نقول: ما هو الدليل؟ الأصل في العادات الإباحة، هذه عادة مباحة، ليس فيها مخالفة للشرع. لكن لو كانت العادة أن يجتمع الرجال مع النساء، ويصافح الرجال النساء الأجانب، ويقول: هذه عادة، هذه من عاداتنا أننا نجتمع ونصافح الجميع، تصافح ابن عمتك وابن خالتك وإلى آخره، هنا نقول: هذا لا يجوز. إذا قال: ما هو الدليل؟ عندنا أدلة تحريم الاختلاط، تحريم مصافحة النساء إلى آخره. وهنا الذي يخالف الأصل يطالب بالدليل، إن كان عنده دليل على المنع والدليل صحيح، فإنه يدل على منع هذه العادة، إذا خالفت العادة الشرع فهي مردودة. وأما إن لم يكن هناك دليل على مخالفتها للشرع فالأصل فيها الإباحة. طيب نكون بهذا انتهينا من القراءة في هذه القاعدة السادسة إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.