الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 18، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستهل الدرس بالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وهي الافتتاحية التقليدية للدرس أو الخطبة.
يسلط المقطع الضوء على آداب طلب العلم من خلال قصة يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه في تقديم العالم على الكبير سنًا، وينقل وصايا سفيان الثوري بضرورة تعلم الأدب والعبادة قبل العلم. ويبين مراتب الطلب الأربع: الصمت، والاستماع والحفظ، والعمل، ثم النشر والتعليم، محذرًا من تعليم ما لا يعمل به.
يؤكد المقطع على ضرورة إخلاص النية لله في طلب العلم والعمل به، والتحلي بالحلم والصبر على الأذى كما كان السلف الصالح. ويختتم بآداب الاستماع للحديث وعدم مقاطعة المحدث لمجرد إظهار العلم.
يؤكد المقطع على أدب طالب العلم عند سماع العلم بأن لا يقاطع المتحدث ولا يبدي معرفته السابقة، لأن التكرار يثبت العلم. وأن حسن الخلق والتواضع وتطبيق العلم أولى من كثرة الحفظ، مستشهداً بأقوال السلف والأحاديث في الإعانة وحسن المعاملة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فما زلنا في باب حسن اختيار العالم والتأدب معه وتوقيره والتأسي بأخلاقه. قال المؤلف حفظه الله تعالى: قال الحسين بن منصور أبو علي النيسابوري رحمه الله: كنت مع يحيى بن يحيى وهو النيسابوري من مشايخ الإمام مسلم، وإسحاق بن راهويه وهو الإمام المشهور المعروف. قال: يومًا نعود مريضًا، فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق وقال ليحيى: تقدم. فقال يحيى لإسحاق: تقدم أنت. فقال: يا أبا زكريا، أنت أكبر مني. قال: نعم، أنا أكبر منك، وأنت أعلم مني. فتقدم إسحاق. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التوقير والاحترام. فإن يحيى بن يحيى أبى أن يتقدم إسحاق بن راهويه مع أنه أكبر منه سنًا، فتقدم إسحاق لجلالته. وهكذا العلماء فيما بينهم يتبينون، يحترم بعضهم بعضًا ويوقر بعضهم بعضًا. تعلموا الأدب من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كذلك العلماء الذين أخذوا منهم. وهكذا أيضًا الطالب يتأدب ويوقر ويحترم من هو من أهل الفضل والصلاح. قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب وتعبد قبل ذلك بعشرين سنة. وهذا من باب الأكمل، أن الطالب يتعلم الأدب، وأيضًا يتعلم العبادة، فيكون ذا عبادة وذا أدب إذا حضر إلى مجالس العلم. فكان هذا هو الأصل في أخذهم للعلم: أنهم يتآدبون، وأنهم كذلك يتعبدون، فينالون بذلك الخير الكثير من مشايخهم إذا رأوهم على أدب، وإذا رأوهم على سمت وهدي، وإذا رأوهم على عبادة، فإنهم يعطونهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال: وقال سفيان الثوري رحمه الله: «تعلموا هذا العلم، وأكثروا وأفرغوا عليه، ولا تخلطوه بضحك ولا لعب فتجمد أو فتمجه القلوب». يعني: الذي يتعلم العلم عليه أن يجتهد فيه، وعليه أن لا يبثه سريعًا حتى يتمكن منه وحتى يفقه؛ لأنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. فعليه أن يتعنى طالب العلم بالتأني في العلم. فمهما حصل العلم الكثير فعليه أن يكون ذا أدب وذا أناة في نشره للعلم، ولا ينشر كل ما تعلمه إلا في موضعه. وكما يقال: لكل مقام مقال. فعليه أنه في بعض الأماكن أو بعض الوقائع يمسك، يمسك؛ لأنه قد تضر العامة بحديثك هذا واستعجاله. وإذا رأيت المصلحة في بث العلم وهذه المسألة فعليك أن تبثها، فعليك أن تبلغ. وإذا رأيت الوقت غير مناسب لأن تنشر هذه المسألة فعليك أن تتأنى. وأيضًا من أدب العلم أنك لا تخلط هذا العلم بالضحك فتسقط هيبتك عند الناس، يعني: تكون دائمًا ممازحًا، بل عليك أن تكون ذا سمت هدي وهدي حسن بين الناس، كما كان العلماء رحمهم الله تعالى. ما يجعلون العلم للضحك في المجالس، ولكن أنهم أحيانًا ربما مازحوا ومازحوا بحق لتلطيف، كما يقال، الجو. فأنت هكذا تكون: إذا رأيت الفرصة لأن تبث هذا العلم بين العامة في بعض المجالس، فإنك ينبغي عليك أن تكون ذا هدي حسن ومتأنٍ في الأمور، ولا بأس أن يخالط ذلك شيئًا من البشاشة عند بثك للعلم، فبعد ذلك يقبل الناس منك. قال: «ولا تخلطوه بضحك ولا لعب فتمجه القلوب». يعني: قلوب الناس المستمعين إذا رأوا هذا الشخص كثير الضحك وكثير اللعب وكثير... يعني الجدال وغير ذلك، فإنهم يمجونه ولا يأخذون منه ولا يقبلون منه، لأن هذا يقول: هذا شخص لعاب، وهذا شخص دائمًا يضحك. وما هكذا يؤخذ العلم، وإنما يؤخذ العلم بالشخص الذي يكون جادًا، ما يكون مازحًا ولا لاعبًا فيه؛ لأن من إجلال العلم: تُجل القرآن، وتجل حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال أيضًا الثوري: «كان يقال: أول العلم الصمت، والثاني الاستماع له وحفظه، والثالث العمل به، والرابع نشره وتعليمه». هذه مراتب لطالب العلم عندما يطلب العلم: أولًا يجعل نفسه كالوعاء، يعني يأخذ ويملي هذا الوعاء. أول العلم الصمت. ما هو كما يقال عندنا: أن يكون الشخص ذا جدال، يعني مباشرة يجادل ويناقش مع شيخه. وإنما طالب العلم المهذب في بدايته للطلب: أنه يأخذ ويكتب ويملي ويحفظ، يجعل نفسه وعاء للعلم حتى يمتلي هذا الوعاء بالخير. يقال يعني عندهم مشهور: أول العلم الصمت، أن طالب العلم يكون صامتًا فقط، يحفظ ويعي ويفهم ويتلقى. والثاني: الاستماع له وحفظه، يعني بعد ذلك يستمع ويحفظ هذا العلم مع صمته. ثم يعمل به، وهو الثالث: أنه إذا علم شيئًا من الخير ومن السنة عمل جاهدًا بها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، يعمل بها في سره وجهره، ويعمل بها في بيته ومسجده وحياته كلها. ثم قال بعد ذلك يأتي مسألة النشر والتعليم؛ لأنه إذا كان هو من العاملين بهذا العلم سهل عليه نشره، سهل عليه نشره، وحتى لا يدخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. إذا لم يكن عاملًا بهذا العلم. ومعلوم من الأحاديث النبوية أن من لم يعمل بعلمه جاء به يوم القيامة... في حديث بهر... أول من تسعر بهم النار ثلاثة، أولئ الذين ما عملوا بعلمه منهم: حامل القرآن، والعالم الذي قال: إنه علم العلم ونشر العلم، لكنه ما كان يعمل به، وإنما أراد حظًا من الدنيا بهذا العلم. فيقال: كذبت، إنما تعلمت العلم أو قرأت القرآن ليقال: قارئ، أو ليقال: عالم. فقد قيل هذا حظك، قد قيل لك في الدنيا: عالم، وقيل لك في الدنيا: قارئ، وأخذت حظك من هذا، أما الأجر والثواب فليس لك فيه شيء لأنك ما عملت به. فينبغي على الشخص أن يعمل مع ذلك حسن النية، أن يجعل كل أعماله خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، ولا يريد من الناس ثناء ولا شكور. فهذه مراتب عظيمة لطالب العلم، ينفع الله عز وجل بها من تحلى بهذه الصفات: أنه يحضر المجالس ويصمت ويستفيد ويستمع ويحفظ ويتعلم، وبعد ذلك يعمل بما علم. وهكذا إذا جاء وقت تعليمه ونشره فإنه لا يألوا في ذلك جهدًا أن ينشره وأن يعلمه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بلغوا عني ولو آية، ولو آية واحدة علمها وفقها فإنه يعلمها غيره». قال الليث بن سعد رحمه الله لأصحاب الحديث: «تعلموا الحلم قبل العلم». الحلم: أن يحلم الشخص ولا يستعجل، والحلم منزلته عظيمة، وهو الصبر على الأذى. أنها قد تؤذى يا عبد الله وأنت في الطلب، لكنك تصبر. تعلموا الحلم قبل العلم. وهكذا كان أئمتنا رحمهم الله: كانوا علماء حلماء، علماء حلماء. ولا ينبل الرجل ويصير من أهل العلم إلا أن تكون فيه هذه الصفة: الصبر على الأذى. فيه أنه يأتي الجهال، يأتي كذلك المغرضون، يأتي كذلك الشانئون الحاقدون، كل هؤلاء يريد أن ينقصوا من قدرك ومن منزلتك بين الناس، فربما جهلوا عليك. فإذا لم يكن عندك أنت الحلم ربما تخرج عن طورك، عن طور التأدب. وكم رأينا من الحلم والصبر من علمائنا على من جهلوا عليهم، وكان إن شاء الله ذلك فيه خير عظيم. أنت لما تحلم على هذا الجاهل وتصبر، لعل الله سبحانه وتعالى أن يهديه يومًا ما فيرجع إلى الحق، فيرجع إلى الحق. جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى... حتى لو كان في غيره، يعني: حتى لو جاءك واحد يريد التنقص من العلماء، فإنك تحلم وتصبر عليه. جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله وقال له: لقد ظهر عندنا... يعني هذا الشاب من الري، لقد ظهر عندنا شاب يقال له أبو زرعة الرازي، الإمام المعروف من أئمة الجرح والتعديل، قرين بحاتم، قرين بحاتم. قال له: لقد ظهر عندنا شاب في الري يقال له أبو زرعة الرازي، هل نكتب عنه؟ مع أنه سؤال ربما يكون سؤالًا عاديًا: هل نكتب عنه؟ قال: فتغير وجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال له كالمنكر: «تقول شاب؟ يعني أبو زرعة شاب؟ أبو زرعة شيخ! أبو زرعة ليس شابًا». يعني هذا كالمتنقص لأبي زرعة: تقول شاب. قال: نعم. يقول الإمام أحمد: نعم، يعني يقول: هل نكتب عنه ونأخذ عنه الحديث؟ قال له: نعم. أول قال له: كالمنكر تقول شاب، ثم قال الإمام أحمد: «نعم، الثقة المأمون، أعلى الله كعبه ونصره على أعدائه، أعلى الله كعبه ونصره على أعدائه». فذهب الرجل بعد فترة إلى أبي زرعة الرازي فأخبره بما قال الإمام أحمد رحمه الله. قال: فاستعبر، يعني أخذته العبرة، استعبر وقال: والله إني لأقع في الأمر العظيم من الجهمية هناك، عندهم من يؤذونهم، عندهم الجهمية في ذلك المكان يؤذونهم، يؤذون العلماء. قال: والله إني لأقع في الأمر العظيم، فأتوقع الفرج بدعاء أبي عبد الله. انظروا: يعني هكذا العلماء يعرفون قدر بعضهم بعضًا. فأبو زرعة يقول: أنا ما أتخلص من أذى الجهمية في هذه البلاد التي أنا فيها إلا بدعاء من... بدعاء الإمام أحمد. فأنت تدعو للعلماء، تدعو لهم، تدعو كذلك لطلاب العلم، تدعو للصالحين، تدعو لمن عندهم أذى في بلدانهم من أهل السنة، لعل الله سبحانه وتعالى أن يستجيب الدعاء ويجعل لهم فرجًا ومخرجًا مما هم فيه. الشاهد من هذا: أن العلماء عندهم حلم، وعندهم صبر. يؤذون في أنفسهم فيحلمون، وكذلك يؤذون في غيرهم فيحلمون. فتعلم هذا الأدب من العلماء، تتعلم هذا الأدب من العلماء، تتخذ العلماء لك قدوة وأسوة حسنة. بل القدوة الحسنة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شك في ذلك. كيف صبر، كيف حلم عليه الصلاة والسلام على من جهل عليه؟ والأحاديث النبوية كثيرة في هذا، في صبره عليه الصلاة والسلام. ذاك الرجل الذي جبذه كما في حديث أنس في البخاري من خلفه وقال: يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك، ليس مالك ولا مال أبيك. فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تبسم وأمر له بعطاء. وذاك الرجل الذي أخذ السيف والنبي عليه الصلاة والسلام نائم في أحد الغزوات كما في حديث جابر عند الإمام مسلم، فقال: من يمنعك مني يا محمد؟ من يمنعك مني؟ فقال: الله. وسقط السيف، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ. وحلم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعفى عنه، وأعطاه غنمًا، وذهب إلى قومه حتى قال: ماذا قال؟ جئتكم من عند خير الناس. بالحلم قبل قليل كان عدوًا له وأراد قتله، وبهذا الخلق العظيم الحلم صار النبي عليه الصلاة والسلام عنده خير الناس. انظروا عباد الله إلى الأخلاق الفاضلة كيف تؤثر في القلوب. أنت تتعلم العلم، وهذا العلم ينبغي أن تعمل به. إذا علمت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان كذا وكذا في أخلاقه وأدابه، فأنت تستطيع أن تكسب الأعداء، تستطيع أن تكسبهم بحلمك وعلمك الذي تعلمته. ثم قال: قال خالد بن صفوان رحمه الله: إذا رأيت محدثًا يحدث حديثًا قد سمعت، أو يخبر خبرًا قد علمته، فلا تشاركه فيه حرصًا على أن تعلم من حضرك أنك قد علمته، فإن ذلك خفة... (بين قوسين المؤلف يقول: حطة وسوء أدب). هذا أيضًا من أخلاق وآداب طالب العلم في التلقي: أنه ربما قد سمع هذا الحديث عدة مرات وحفظه. يقول: إذا رأيت الشخص يحدث بحديث أنت قد علمته وأنت قد سمعته، فلا تشاركه فيه، تقول: هذا قد عرفنا، هذا قد سمعنا. لا، حتى لو سمعته وحتى لو حفظته، فإن من باب الأدب أنك لا تقول هذا الكلام: هذا قد سمعناه، وهذا قد عرفناه، يعني هذا ما أتى بشيء جديد عندنا، هذا الحديث قد سمعناه أصلًا. العلم لا يؤخذ إلا بالتكرار. كم من فائدة سمعناها، وكم من حديث سمعناه، وكم من آية سمعناه؟ حتى خطب الجمعة ربما تكون مكررة، سمعناه من هذا الشخص وسمعناه من شخص آخر. وهكذا العلم يؤخذ هكذا، والعلم يكون هذا أدبه: أننا نسمع الفائدة المرة والثانية تكون أثبت لنا، سمعناه من هذا الشخص وسمعناه من شخص آخر، ثبتت في قلوبنا. ومن باب الأدب أنك لا تحدث في هذا المجلس تقول له: الذي يحدث هذه قد سمعناها، هذه قد علمناها وحفظناها، أنت ما جئت بشيء جديد. ليس هذا من الأدب، بل تشعر المحدث أو المتحدث أنك كأنك ما سمعتها، كأنه جاء بفائدة جديدة: جزاك الله خير، كأنه جاء بفائدة جديدة ما سمعتها أنت. من باب الأدب مع هذا المتحدث. حتى يقول بعض السلف، ما أذكر اسمه، يقول: «إني لا أسمع الفائدة أكثر من مرة، وربما قبل أن يولد هذا المتحدث». يسمع الفائدة من شخص أصغر منه، ربما قبل أن يولد، والفائدة قد وعاها معه، مع هذا العالم ومع هذا الشيخ، لكنه من باب حسن الاستماع. حسن الاستماع: أنك تنصت للمتحدث ولا تقاطعه ولا تشاركه الحديث في هذا... ولا تعلم غيرك أنك قد... قد حفظناها، قد سمعناها، من باب أنك أعلم من هذا الشخص، من باب أنه عندك علم غزير، من باب أنك مطلع. لأن بعضهم قد يظهر للناس أنه مطلع: هذا ما جاب شيء، يعني يخبر غيره في المجلس أنه قد علمها من زمان. وهذا ليس من الأدب مع العلم. بل تشكر القائل والمتحدث بالفائدة على أن ذكرك بها، على أن ذكرك بها، فربما تكون قد... قد نسيتها أو ما عملت بها. ثم قال: قال الحجاج بن أرطأة رحمه الله تعالى: «إن أحدكم إلى أدب حسن أحوج منه إلى خمسين حديثًا». الشخص عندما يكون متأدبًا ينال الخير الكثير. «إن أحدكم» يعني: يعلمون، يعلمون طلابهم أنهم يتآدبون في أخذ العلم. «إن أحدكم إلى أدب حسن أحوج منه إلى خمسين حديثًا». ما فائدة أنك تحفظ الأحاديث وأنت سيء الخلق؟ هذا وبال عليك. يعني تسمع كل يوم ولا تطبق. كما يقال: إذا جئت تتكلم مع الأشخاص تكلمت بكلام فظ، بكلام غليظ، ما أحسنت الكلام حتى مع غيرك، فلا تتكلم مع الكبير في الكلام ممن يطلب منك شيئًا، وبعد ذلك تقابله تقول له: ليش أنا كذا وأنا كذا؟ ما ينبغي هذا. تقول له: جزاك الله خير، وإن شاء الله... تعني تجعل دائمًا لسانك ينطق بخير. فإذا حدثك الكبير، أو حدثك من هو في سنك، أو حتى أصغر منك، تقول له: أبشر. يعني طلب منك طلبًا، والطلب قد يكون عاديًا. أنت الآن طالب علم، أنت الآن كيف ستقود أمة؟ كيف ستجعل الناس يقبلون منك الحق وأنت أصلًا ما تتقبل من أحد؟ أنت ما تتقبل من أحد: لا صغير، ولا وسط، ولا كبير. يعني ما تخاطبهم بالكلام الجميل ولا الكلام الطيب. فكيف أنت أيها الداعية، أيها الداعي إلى الله عز وجل، يا من تخطب في المنابر أو تدرس في الحلقات، تريد الناس يقبلون منك وأنت ما تقبل منهم؟ تريد الناس أن يعاملوك بالحسنة وأنت ما تعاملهم بالحسنة؟ فما هكذا يكون طالب العلم. طالب العلم إذا جاءه من يطلب منه شيئًا أو يحدثه في أمر، عليه أن يبش له، عليه أن يتقبل منه. والأمر مخول بالاستطاعة: إذا كان عندك استطاعة قلت له: أبشر، وإن شاء الله تعالى يتحقق هذا الأمر، ولا يهمك. ما عندك استطاعة؟ قل: الحمد لله، ما عندي استطاعة أني أفعل ذلك. لكن ما تقول له بلسان فظ: من أنا أو من أنت؟ لأن بعضهم يأتي إليك تقول له: من أنت، ولماذا تكلمني في هذا الأمر؟ أنا... طيب، الرجل جاء عندك ورجى فيك الخير، وظن أنك تقدر على هذا الأمر، وطلب منك المساعدة. أين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نسمعها: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، و«من ستر مسلمًا ستره الله»، و«لأن أمشي بحاجة مع أخي حتى تقضى أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا»؟ كما قال عليه الصلاة والسلام. الأحاديث التي فيها قضاء الحوائج، والأحاديث التي فيها الإعانة والمساعدة والمحبة. فنحن ينبغي علينا أننا نعمل. ينقصنا ماذا؟ نحن كثير من... ما ينقصه العلم، يعني عنده يسمع يوميًا هذه الأمور من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ينقصنا كما يقال: التطبيق، وينقصنا العمل، وأن نهذب هذه النفس. هذه النفس تحتاج إلى ترويض، لأنك إذا لم تروضها على العمل بالأحاديث والسنة فإنها تتمرد عليك. النفس أمارة بالسوء، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. ما تأمرك بالخير إلا أن تروضها على الخير. تروضها على الأدب، تروضها على الأدب، تروضها على الاحترام، تروضها على التقدير، تروضها على حسن الخلق، حسن المعاملة مع الناس. بعد ذلك يجعل الله سبحانه وتعالى فينا خيرًا كثيرًا، ويتقبل الناس منا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، نسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين.