شرح كتاب لم الدر المنثور 28

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 28، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

الدعاء الافتتاحي والصلاة على النبي

استهل المحاضر الجلسة بالدعاء لله سبحانه بطلب النفع والهداية والتسديد مع الإقرار بربوبيته وقدرته. ثم تابع بالصلاة والتسليم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وجوب التسليم لحكم الله ورسوله في قصة الزبير والأنصاري

بيّن المحاضر وجوب الانقياد التام لأمر الله ورسوله مستدلاً بقصة اختصام الزبير والأنصاري عند النبي صلى الله عليه وسلم ونزول آية التحكيم. وأكد أن من لم يرضَ بحكم النبي فهو من الخوارج، وأن النبي هو المأمون على الوحي فيجب التسليم لحكمه.

فضل الإمام الشافعي وتمسكه بالسنة النبوية

استعرض المحاضر مكانة الإمام الشافعي كأحد أئمة المذاهب الأربعة وأقواهم في الفقه والاستنباط، ناقلاً أقوال العلماء في فضله وفتحه لباب الفقه. وختم بنقل أثره الشهير في وجوب العمل بالحديث الصحيح وقصته مع السائل الدالة على شدة تمسكه بالسنة.

عقيدة الإمام الشافعي السنية ووجوب العناية بمذهبه

أوضح المحاضر أن الإمام الشافعي إمام سني متبّع للأثر، نافياً عنه نسبة التشيع التي رمى بها بعض معاصريه مستشهداً بدفاع الذهبي وموقف الإمام أحمد. وأوصى بطلب العلم على مذهبه دون تقليد أعمى مع الأخذ بما وافق الكتاب والسنة، منبهاً إلى تقصير طلبة السنة في تعلمه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله: قال الزهري. واسم الزهري قد تكرر معكم، لا شك ولا ريب، في صحيح مسلم. ذكر الزهري في الأسانيد، فمن يحضر صحيح مسلم ما اسم الزهري؟ اسمه محمد بن مسلم بن شهاب. فتارة في الأسانيد عن ابن شهاب، وتارة عن الزهري، وتارة يذكر باسمه. إمام مشهور من أئمة الحديث. قال: من الله عز وجل الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم. وعلينا التسليم من الله جل وعلا الرسالة، وعلى النبي عليه الصلاة والسلام البلاغ. ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾، وعلينا التسليم. نسلم لأن الله عز وجل أمر المؤمنين بالتسليم. ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. سلموا تسليمًا. إذا قَضَى أمرًا سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فعلى كل مؤمن أن يسلم، ولا يكن في صدره حرج مما قضى الله جل وعلا، بل عليه التسليم والانقياد، والسمع والطاعة لأمره سبحانه ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه عز وجل. وقد ثبت في البخاري من حديث عروة رضي الله عنه في اختصام الزبير ورجل من الأنصار في شراج الحرة. لما اختصما فذهبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الزبير أن يرسل الماء إلى جاره، وهذا من باب الصلح، وإلا فالحق كان للزبير. قالوا: اسقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. لأن الماء أولاً يأتي للزبير وهو أحق به من ذلك الأنصاري. فقالوا: اسقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: أكان ابن عمتك يا رسول الله؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، فقال: «أمسك الماء يا زبير حتى يرجع إلى الجدر». يعني الآن استوفى للزبير حقه. في البداية أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بأمر ينفع الرجلين، ينفع الزبير يستوفي حقه ولا يضر به، وبعد ذلك يرسل إلى جاره، وإن كان فيه شيء من النقص للزبير، لكنه لن يتضرر كثيرًا، وهذا في صلح منه عليه الصلاة والسلام. لكن لما قال هذه المقالة غضب عليه الصلاة والسلام، فقال: «أمسك الماء يا زبير حتى يرجع إلى الجدر». قال: فاستوفى للزبير حقه بعد أن قال ذاك الرجل ما قال. قال الزبير: فلا أحسب هذه الآية إلا نزلت فينا: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. ثم جئتم تحاكمون وتختصمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن ترضوا بحكمه صلى الله عليه وسلم، وهو يحكم بالعدل. والنبي عليه الصلاة والسلام إذا لم يحكم بالعدل فمن الذي يحكم بالعدل؟ وما يتهم أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يحكم بالعدل إلا الخوارج، كما في قصة ذي الخويصرة الخارجي الذي قال: اعدل يا محمد. وقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. والنبي عليه الصلاة والسلام غضب، فقال: «ويحك، من يعدل إذا لم يعدل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟» فهو المأمون، الأمين على وحي السماء. فلهذا ينبغي على كل مسلم أنه يسلم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما قضى الله ورسوله أمرًا إلا ينبغي عليه التسليم، كما قال الزهري رحمه الله في هذا الأثر: «علينا التسليم». في كل شيء أمر الله عز وجل به وقضى به. فأنت أيها المسلم إذا اختصمت أنت ورجل، أنت وصاحبك اختصمتم، ما في شيء فعليكما الرجوع. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾. هكذا ينبغي للمؤمن أن ينقاد ويستسلم للحكم المنزل من عند الله سبحانه وتعالى في كتابه، أو كذلك في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بما يحكم به العلماء الربانيون الذين يعلمون الكتاب والسنة. ثم قال: قال الشافعي رحمه الله. ما اسم الإمام الشافعي؟ من يقول ما اسم الإمام الشافعي؟ محمد بن إدريس. نسبه ماذا؟ نسبه قرشي مطلبي. المطلبي القرشي. الإمام الجليل القدر، الإمام العظيم، الإمام الشافعي رحمه الله، أحد أصحاب المذاهب الأربعة. ما هي المذاهب الأربعة؟ نعم. وأيهما أقوى المذاهب؟ الشافعي أقوى المذاهب في ماذا؟ في الفقه أم في الحديث؟ في الفقه أقواها في الفقه والاستنباط والاستدلال. هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وأما في الحديث فمعلوم أن الإمام أحمد رحمه الله فهو قوي في هذا الباب. قال الشافعي للإمام أحمد: إذا بلغكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرونا به حتى نقول به. الإمام الشافعي متبع، يحب الحديث، وله مسند. له مسند أيضًا، مسند الإمام الشافعي مطبوع موجود، فهو محدث وهو فقيه. يقول الإمام أحمد في الشافعي: كان الفقه مغلقًا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي، حتى فتحه الله بالشافعي. فالشافعي فتح للعلماء بعده الفقه المغلق، فكان يستنبط من الآيات وكذلك الأحاديث، فهو في هذا الباب قوي جدًا. له كتاب اسمه «الأم» وهو مطبوع، وله كذلك كتاب اسمه «الرسالة» هي في أصول الفقه، أقرب. فمن أراد أن يكون فقيهًا قويًا في الفقه فعليه بماذا؟ بكتب الشافعي وكتب الشافعية الذين أخذوا عن الإمام الشافعي. كما قال الشيخ الخضير رحمه الله وهو يصف مذهب الشافعي بأنه أقوى المذاهب، أقوى المذاهب في الفقه الشافعي. وأبناء ناس يستنبطون، هم الشافعية، هم ماذا؟ الشافعية. فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى إمام جليل القدر، وهو أيضًا من المتبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأثر يدل على ذلك الذي سنقرؤه. قال: إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا صحيحًا فلم آخذ به، فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب. يعني: أروي حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام ثم لا آخذ به، أي لا أقول به ولا أعمل به، فأنا مجنون. من الذي يروي حديثًا عن نبيه عليه الصلاة والسلام ثم لا يعمل به ولا يقول به، يفتي به ولا يأخذ به؟ فلما جاءه رجل وسأله عن مسألة، فقال له الشافعي: كذا وكذا، أفتى به. ثم ذكر له حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي الدليل في المسألة. فقال له الرجل: أتقول بهذا؟ يعني: أنت تقصد به. قال: «أتراني في زنار أو خرجت من كنيسة حتى لا أقول به؟» وإذن يعني: أن أنا يهودي أو نصراني حتى لا أقول بحديث النبي عليه الصلاة والسلام. هذا رد قوي. «أتراني في زنار؟» يعني: أنا يهودي أو نصراني، خرجت من كنيسة حتى لا أقول به. تسألني هذا السؤال؟ فانظروا لإمام الشافعي رحمه الله تعالى كيف يأخذ بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا من القائلين: إذا بلغك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخذ به، فخذ به، وهو متمسك. ويا ليت الشافعية الذين يقولون: نحن شافعية، نحن في هذه البلاد على مذهب الإمام الشافعي في الفقه، لا ينكر ذلك أحد. بلاد اليمن، يعني وقليل الجنوب، وقليل ماذا؟ جنوب اليمن على مذهب الإمام الشافعي في الفقه. في بعض البلاد الشافعي يكون فيها أقوى، يعني لأن الذين فيها يفتون بمذهبه من علماء وغيرهم، وتكون هذه البلاد على هذا المذهب. لكن خلطوا، خلطوا وخبطوا في مذهب الإمام الشافعي، ونسبوا إليه ما لم يقل به. وهو أيضًا كما قلنا متبع للأثر، فما بالهم يقولون: نحن على مذهب الإمام الشافعي، ثم يأتون ببدع ليست في مذهب الإمام الشافعي؟ وهكذا أيضًا في الاعتقادات. معتقد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى معلوم أنه سني، أنه على منهج أهل السنة والجماعة. وإن نسب إليه بعض العلماء التشيع، فهذا لم يعلم ولم يعرف عن الإمام الشافعي رحمه الله. يعني: نسب إلى التشيع، نسبه بعض العلماء في عهده وفي عصره أنه يتشيع، ولكن هذا ليس بصحيح، وقد دافع عنه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في السير. فمن أراد أن يعرف قدر الإمام الشافعي فعليه بالسير للإمام الذهبي رحمه الله تعالى، كيف دافع عن هذا الإمام العظيم الذي كان يجله ويقدره العلماء. وإذا حضر كما قال بعضهم: إذا حضر الماء بطل التيمم. يعني: إذا حضر الإمام الشافعي في بلدة أو في مجلس، فإنهم يتركون له الفتوى والعلم والدرس وغير ذلك. مر يومًا ببغلته، وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى واقفًا هو ويحيى بن معين. لما رآه الإمام أحمد ترك ابن معين، مع أنهم كان يتدارسان، ودائمًا الإمام أحمد مع ابن معين في كثير من الأمور، الحديث. ترك ابن معين وذهب إلى الشافعي، وجلس مع الشافعي، وجلسا يتكلمان ساعة. جلسا يتكلمان ساعة. فرجع بعد ذلك الإمام أحمد إلى ابن معين وقال له: من هذا؟ يعني: من هذا حتى تتركني وتذهب إليه؟ قال له: «دع عنك هذا يا يحيى، إذا أردت العلم فالزم ذنب البغلة». هكذا يوصي الإمام أحمد رحمه الله تعالى يحيى بن معين بلزوم الشافعي. والإمام أحمد ما يلازم وينصح بشخص عنده خلل في المعتقد أو غير ذلك، ليس عنده علم. هذا إمام عظيم، إمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة، فهو الذي أخذ العلم الكثير من الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وجلسا يتدارسان ويتذاكران، فيدل ذلك على قدره رحمه الله تعالى. لهذا الإمام الشافعي ينصح بقراءة كتبه والقراءة فيها، وإن كانت كتبه يعني فيها شيء من الصعوبة، لأنه يحتاج إلى إنسان عنده فهم، عنده فهم في أمور الأصول، في أمور النحو، في أمور اللغة. هو قوي في اللغة العربية، الإمام الشافعي رحمه الله له الديوان المعروف، وهو فصيح رحمه الله. لهذا الإمام الشافعي مما يوصي به العلماء أن تتفقه على مذهب الإمام الشافعي، لا تقليدًا ولا تعصبًا أعمى، وإنما تأخذ مما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والبادي الذي هو طالب علم لا بأس يتفقه ويأخذ مذهبًا معينًا، وبعد ذلك يأخذ من المذاهب الأخرى ما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فكل يؤخذ من قوله ويترك. لكن أحببنا أن نبين شيئًا من جلالة وقدر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الذي يدرس أيضًا مذهبه في الجامعات وفي بعض المدارس في هذه البلاد، ويهتمون بها. ولا شك نحن أحرى وأولى بهم من هؤلاء الصوفية الذين يدرسون مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وبعض طلبة العلم من أهل السنة لا يعرف شيئًا عن مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وهو يعيش في بلد فيها شافعية، يعني مليئة بهذا المذهب، ويستدلون لك به وأنت لا تعلم. فهذا من القصور. فنحن نهتم بجميع مذاهب أهل السنة والجماعة، وإذا كان في بلد ما فيها هذا المذهب الجليل القدر، مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فنحن كذلك حري أن نهتم به. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا، وأن يهدينا، وأن يسددنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.