الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 2، ألقاها
يروي المقطع قصة عن سخافة عقول المشركين في الجاهلية وعبادتهم للأصنام، حيث كانوا يفعلون طقوسا غريبة ويعبدون الأحجار والأصنام. كانوا يتبعون طقوسا غريبة في عبادتهم مع جهلهم وسخافة عقولهم.
يذكر المقطع وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة كما روي عن كعب الأحبار وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة. ورد أنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، وأنه يعفو ويغفر ولا يجزي بالسيئة السيئة.
يصف المقطع صفات الداعية إلى الله تعالى، حيث يشير إلى ضرورة الصبر والعفو عن الإساءة، وتحمل المشاق في سبيل الدعوة إلى الله. الدعوة إلى الله تعالى تفتح العقول والأسماع والأفئدة المغلقة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سنن: أخبرنا هارون بن معاوية عن إبراهيم بن سليمان المؤدب عن الأعمش سليمان بن مهران عن مجاهد، ومن جبر قال: حدثني مولاي أن أهله بعثوا معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم. قال: فمنعني أن آكل الزبد لمخافتها -يعني خاف أن يأكل الزبد وقد اشتهت نفسه هذا الزبد- قال: فجاء كلب فأكل الزبد وشرب اللبن، ثم بال على الصنم وهو إساف ونائلة. هذا الأثر رواه مجاهد عن قائد السائب، عن السائب، وهو غير معروف كما في تهذيب التهذيب، فيكون معلولا، مع أن ظاهر السند هنا أنه حسن. ومثل هذا الفعل من سخافة عقولهم وعظيم جهلهم، يقدمون الطعام للأصنام، ثم ربما يأتي السدنة فيأكلون ويأخذون هذا الطعام والمال، أو يأتي الحيوان مثل بهذا الآثار، يأتي الكلب فأكل الزبد وشرب اللبن وبال فوق الصنم، هذا غاية الاستحقار والذلة والمهانة. وأيضا مثله يفعل عباد القبور الذين يأتون بالأموال إلى الولي كما يزعمون، فيجمعون له الأموال ويضعونها، ثم يأتي السدنة أو بعض السرق فيأخذ هذا المال الذي يوضع، فإذا جاءوا بعد ذلك قالوا: الولي قبل الصدقة، هاتوا غيرها. قال هارون: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر حمل معه أربعة أحجار، ثلاثة لقدره والرابع يعبده، ويربي كلبه ويقتل ولده. وهذا بغاية استخافة العقول، يأخذ معه في السفر أربعة أحجار، ثلاثة أحجار للقدر حتى يوقد عليها النار ويطبخ به الطعام، والحجر الرابع يعبده إلها يأخذه معه، ويربي كلبه ويقتل ولده إذا جاءه الولد قتله، إما خشية الفقر وإما خشية العار، فيأد البنت ويحيي الكلب يربيه ويطعمه. قال رحمه الله: حدثنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا ريحان -هو ابن سعيد السامي- وريحان بن سعيد السامي ضعيف، قال: حدثنا عباد -هو ابن منصور- وهو كذلك ضعيف ومدلس، عن أبي رجاء قال: كنا في الجاهلية إذا أصبنا حجرا حسنا عبدنا، وإن لم نصِب حجرا جمعنا كثبة من تراب، ثم جئنا بالناقة الصفي فتفاج عليها، فنحلبها على الكثبة حتى نرويها، ثم نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان. قال أبو محمد: الصفي الكثيرة الألبان، وتفاج يعني الناقة إذا فرجت بين رجليها للحلب، يعني جئ لتحلب تفرق بين رجليها. قال: والفج الطريق الواسع، وجمعه فجاج. وأصل هذا الأثر في صحيح البخاري. وهذا أيضا كذلك من جهلهم وسخافة عقولهم، إذا رأوا حجرا أعجبهم اتخذوا إلها وعبدوه، فإذا لم يصيبوا حجرا جمعوا التراب وجئوا بالناقة ثم حلبت على هذا الكثيب واتخذ إلها يعبدونه من دون الله جل وعلا. قال رحمه الله: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب قبل مبعثه. قال: أخبرنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب -وهو كعب الأحبار من التابعين وهو ممن يروي كثيرا عن بني إسرائيل- قال: تجده مكتوبا: محمد محمد رسول الله، لا فض ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر. وأمته الحمادون يكبرون الله عز وجل على كل نجد -يعني مرتفع- ويحمدونه في كل منزل -يعني منخفض- ويتزرون على أنصافهم -يعني يلبسون الإزار إلى نصف الساق- ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل -إشارة إلى قراءة القرآن في الليل- ومولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام. هذا الأثر من طريق أبي صالح قال: قال كعب، وأبو صالح لم يدرك كعب، فيكون منقطعا. وأول جمل هذا الأثر صحت في حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح: إن نعت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة كما نجده في القرآن، وذكر هذه العبارة: «لا فض ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح». قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني خالد -هو ابن يزيد- عن سعيد بن أبي هلال عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ﴾، حرزا يعني حصنا، والأميين يعني العرب، ﴿أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يعني يصيح ويرفع صوته، ﴿وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنَّهُ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ﴾ بأن يشهد أن لا إله إلا الله، ﴿نَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا﴾. قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبا يقول مثل ما قال أبو هريرة. وهذا الأثر أصله في الصحيح قائم. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.