المحاضرة بعنوان وقفات شرعية مع قدوم السنة الميلادية، وكانت بمسجد الرحمن بالمنطقة الشرقية بالشحر ١١ ربيع الآخر ١٤٣٩هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع دخول التاريخ الميلادي مع الاستعمار مقابل اعتماد الصحابة للتاريخ الهجري منذ عهد عمر بن الخطاب. ويؤكد وجوب التمسك بالتاريخ الهجري اعتزازاً بالدين واعتماداً عليه في الأحكام الشرعية.
يحرم على المسلم المشاركة في أعياد الكفار أو التهنئة بها لأنها من شعائر الكفر، وقد بدّل الله للمسلمين عيدين هما الفطر والأضحى. كما أن موالاة الكفار في أعيادهم تنافي الولاء والبراء وتعد مخالفة للشرع.
يبيّن المقطع خطورة الاحتفال برأس السنة الميلادية كأحد الأعياد الدخيلة، وأن الإسلام حدد أعياداً شرعية محددة فقط. ويؤكد أن ثبات المسلم على دينه مرهون بتسليمه لأحكام الشرع في جميع شؤونه بما فيها مواسم الفرح.
يحذر المقطع من مشاركة المسلمين في أعياد الكفار كعيد رأس السنة وشم النسيم، مبيناً أن ذلك يناقض أصل الولاء والبراء. ويؤكد أن حضور هذه الأعياد يعد من الشهادة بالزور المحرمة، وأن التساهل فيها طعن في العقيدة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الآباء، أيها الإخوة والأبناء، بادئ ذي بدء نشكر أهل هذا المسجد، في مقدمتهم إمامه، على إتاحتهم لنا الفرصة في إلقاء هذه المحاضرة، فجزى الله خيرًا كل من أعان، وكل من ساهم في ترتيب هذه المحاضرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه المحاضرة فاتحة خير لأهل هذا المسجد. ثانيًا: فإنني أحث آبائي وإخواني وأبناءي على الحرص على نهل هذه المجالس، فوالله إنها مجالس خير، ومجالس علم، ومجالس سكينة، ومجالس رحمة، ومجالس غفران للذنوب. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». كيف نضيع -أيها المسلمون- في هذه الجوائز السمينة وهذه الهدايا العظيمة؟ وهكذا كما جاء في الحديث الآخر: «يقال لأهل هذه المجالس: قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات». فهي مجالس بركة، ومجالس طمأنينة ورحمة وسعادة وانشراح للصدور. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس عند الترمذي: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حلق الذكر». فاحرصوا -بارك الله فيكم- على مثل هذه المجالس التي فيها ذكر الله، فيها تذكير بآية من كتاب الله، وحديث من أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام. وكما سمعتم عنوان هذه المحاضرة: «وقفات شرعية مع قدوم السنة الميلادية». وهذا العنوان أولًا فيه: أن المسلم ينبغي أن تكون أعماله وأقواله وفقًا لشرع الله عز وجل. وقفات شرعية مأخوذة من شرع الله سبحانه وتعالى، وكيف يتعامل المسلم مع هذا الحدث معاملة شرعية، معاملة ترضي الله سبحانه وتعالى. فالمؤمن في فرحه وفي حزنه، وفي سرائه وضرائه، وفي جميع شؤونه مقيد بشرع الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. فكل ما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى فلا يجوز للمسلم أن يدين الله عز وجل به. فلذلك ينبغي أن ينظر المسلم إلى قدوم هذه السنة نظرة شرعية، بما يوافق كتاب الله وبما يوافق سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. **الوقفة الأولى:** أن نعلم أن التاريخ الميلادي ما دخل إلى بلاد المسلمين إلا وقت الاستعمار. لما استعمرت البلاد الإسلامية، فرض النصارى هذا التاريخ على المسلمين، وإلا فما كان المسلمون يعرفون هذا التاريخ، وإنما كانوا يعرفون التاريخ الهجري الذي استقر عليه الصحابة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وكان سبب كتابة التاريخ الهجري أن أبا موسى الأشعري كتب إلى أمير المؤمنين عمر في السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته، وقال له: إنك تكتب لنا كتبًا ولم تؤرخها، فلو أرخت في كتبك. فجمع عمر رضي الله تعالى عنه الصحابة واستشارهم في ذلك. فمن قائل: نؤرخ كما كان يؤرخ الفرس، إذا مات ملك من ملوكهم وحكم ملك آخر، أرخوا بوضع ولايته. فلم يرتضِ الصحابة ذلك. ثم قال قائل: نؤرخ كما يؤرخ الروم. فلم يرتضِ الصحابة ذلك. ثم قال بعضهم: نؤرخ بولادة الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعضهم قال: نؤرخ بيوم مبعثه أو بسنة مبعثه، ومن قائل: نؤرخ بيوم هجرته. فاطمأن عمر رضي الله تعالى عنه إلى التأريخ بالهجرة، وقال: «هذا أفضل، فإن الهجرة فاصل وفارق بين الحق والباطل». فأرخ الصحابة، واجتمعوا واستقروا على أن يكون التاريخ الإسلامي هو التاريخ الهجري. ولم يعرفوا قبل ذلك التاريخ الميلادي، لا في القرون المفضلة الأولى، ولا في القرون التي بعدها. وإنما دخل التاريخ الميلادي على المسلمين في وقت الاستعمار، كما قرر ذلك أهل التاريخ، وذكر ذلك أيضًا بعض أهل العلم، كما ذكر ذلك العلامة ابن عثيمين في بعض كتاباته. هذه الوقفة الأولى: نعلم أن التاريخ الميلادي لم يكن معروفًا لدى المسلمين. **الوقفة الثانية:** ما الذي يجب على المسلمين تجاه هذا التاريخ؟ الواجب على المسلمين أن يتمسكوا بتاريخهم الإسلامي، فإنه فخر بالإسلام، استمسك بالتاريخ الهجري واعتماده في تواريخهم. هذا اعتزاز بالإسلام وفخر بالإسلام، لأن هذا الذي اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ولذلك لا يعتمد العلماء في الأمور الشرعية إلا التاريخ الهجري، سواء كان في الشهور في إثبات الشهور، أو في دخول السنة أو خروجها. لا يعتمد في الإسلام إلا على التاريخ الهجري. ففي تحديد عمر الإنسان يكون بالتاريخ الهجري، كذلك في مسألة البلوغ، فإن من العلامات التي يعرف بها البلوغ بلوغ سن خمس عشرة سنة. كيف تحدد ذلك؟ هل بالتاريخ الهجري أو بالتاريخ الميلادي؟ تحدد ذلك بالتاريخ الهجري، فإن هناك فارقًا ربما يصل إلى بضعة أيام بين السنة الهجرية والسنة الميلادية في سنة واحدة، فكيف لو جُمعت خلال خمس عشرة سنة؟ ربما يكون الفارق سنة كاملة. فإذن الاعتماد الشرعي في ثبوت الأحكام الشرعية إنما يكون بالتاريخ الهجري لا بالتاريخ الميلادي. وكذلك في ما يتعلق بأمر النساء من العدة، ومن كذلك الحيض والنفاس ونحو ذلك، إنما المعتمد في ذلك هو التاريخ الهجري. ينبغي للمسلمين أن يعتزوا بتاريخهم، وأن يعلموا أن ذلك من إسلامهم ومن دينهم. ونذكركم بأثر عمر رضي الله تعالى عنه إذ يقول: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله». وجزى الله خيرًا بعض البلاد الإسلامية، فإن اعتمادها في جميع أمور تواريخها إنما هو بالتاريخ الهجري، فعسى بقية البلاد تفعل ذلك، فإن ذلك من صميم دينهم ومن اعتزازهم بإسلامهم. ومن كان يريد العزة فإن العزة لله جميعًا. **الوقفة الثالثة** التي نحب أن نذكر بها: حكم المشاركة والاحتفال بقدوم السنة الميلادية. فإن النصارى يحتفلون بذلك، ويعتبرون ذلك من شعار دينهم، فهي كعيد المسلمين في القدسية عندهم، وفي كذلك التقرب بها بزعمهم إلى إلههم. فلذلك لا يجوز للمسلم أن يشاركهم، لا بالحضور، ولا بالتجهيز، ولا بالمشاركة بأي نوع من أنواع المشاركة. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72]. فقد جاء عن مجاهد والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم أن الزور في هذه الآية هي أعياد المشركين، هي أعياد المشركين. وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «اجتنبوا المشركين في أعيادهم». وهكذا جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه نهى عن مشاركة الأعاجم، وأن يشاركهم المسلم في أعيادهم في كنائسهم. فهذه الأعياد التي يقوم بها النصارى هي من شعار دينهم، وهو محرم المشاركة، مشاركة هؤلاء محرم بالاتفاق، كما ذكر ذلك ابن القيم عليه رحمة الله. يقول ابن القيم: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم فهي حرام بالاتفاق»، فهي حرام بالاتفاق، كتهنئة بصومهم أو بأعيادهم. ثم قال رحمه الله تعالى: «فمن هنأهم فقد ارتكب محرمًا، فإن ذلك من المحرمات». ثم قال -معنى كلامه-: «ومن يهنئهم بأعيادهم كمن يهنئهم بسجودهم للصليب». فإذا التهنئة والمشاركة والإشادة، وكذلك المحاسبة وتقديم رسائل العفو والمسامحة في آخر هذا العام، هذا كله لا ينبغي للمسلم أن يقدم عليه، لأن هذه السنة ليست من تاريخ المسلمين، ليست من تاريخ المسلمين، فهذه من أعيادهم. وقد جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم إلى المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقالوا: هذان يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». أي: بعيدين الأضحى وعيد الفطر. فاستدل العلماء من هذا الحديث أنه لا يجوز أن تقام أعياد المشركين وأن يشارك فيها، إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام منع الصحابة من الاستمرار في أعياد المشركين. وقال العلماء: إن البدل إذا جاء في شيء يقتضي البدل في شيء، أو المبدل منه في شيء يقتضي المنع من المبدل منه. قال العلماء: يعني البدل إذا جاء المبدل منه، فإن البدل يغني عنه، البدل يغني عن المبدل منه، فالمبدل منه يلغى. ففي هذا الحديث ألغى النبي عليه الصلاة والسلام المبدل منهما، وهما عيدا الجاهلية، وأبدل المسلمين بهما عيدي الفطر والأضحى. فاستدل العلماء بذلك على تحريم المشاركة في أعياد المشركين. **ثم هناك وقفة رابعة** ينبغي أن نقفها في هذا المقام: وهي أن هؤلاء الكفار قد علم شنآنهم وعلم عداوتهم للإسلام والمسلمين. فتعجب كل العجب: كيف لمسلم يشاركهم في أعيادهم، ويشاركهم في أفراحهم، ويقدس كذلك أعيادهم؟ وقد أخبر الله عز وجل المسلمين بعداوة المشركين من أهل الكتاب ومن غيرهم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105]. وهم ما يريدون لنا الخير، وما يريدون لنا الدين الحق الذي وفقنا الله عز وجل إليه. فكيف بعد ذلك نشاركهم ونهنئهم ونتودد إليهم ونحو ذلك؟ فهذا من جهل المسلمين بدينهم. وهكذا وصف الله عز وجل هؤلاء بالحقد، وأنهم يكنون الحقد والبغضاء والشحناء للإسلام والمسلمين. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ [البقرة: 109]. فهم أهل حسد وأهل عداوة وبغضاء، ولم يرضوا عنا إلا إن سلكنا سبيلهم، يعني كنا مثلهم. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام حذرنا من اتباع طريقهم ومن سلوك سبيلهم، كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». فنهى النبي عليه الصلاة والسلام المسلم أن يشبه هؤلاء وأن يتبع طريقهم. فمن طريقهم ومن دينهم الباطل إقامة هذا الاحتفال الشركي الذي هو عبادة غير الله سبحانه وتعالى. ففي هذه الأعياد سجود لغير الله، وفي هذه الأعياد اختلاط الرجال بالنساء، بل وفعل السحاق، كما هو معلوم عنهم، عليهم من الله ما يستحقون. فكيف بعد ذلك يشاركهم المسلم أو يهنئهم أو يعظم عيدهم أو يشيد بها أو نحو ذلك؟ فهذا كله يخالف ما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. فيا للأسف أن بعض المسلمين يأبى إلا أن يتبع سلوك هؤلاء، ليس في أعيادهم فحسب، فانظروا إلى أبناء المسلمين: ذاك يشبه النصارى واليهود في قصات شعورهم، وذاك في لباسه، وذاك في تعظيم أعيادهم، وكذلك الإنشاد بهم ونحو ذلك، وكأن هؤلاء لم يكن بيننا وبينهم عداوة، ولم يكن بيننا وبينهم حق وباطل. فهذا من الخطإ، فينبغي للمسلم أن يوالي المؤمنين، ويتبع هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يحذر من المشركين، ولا يشبههم، ولا يجالسهم، لا في أعيادهم، ولا في لباسهم، ولا في قصات شعورهم، ولا في شيء من دينهم. يحذر من ذلك. قد يقول قائل: هؤلاء المشركون النصارى مثلًا، خصوصًا من يختلط بهم من أهل الأعمال والشركات أو نحو ذلك، يقولون: هم يهنئوننا بأعيادنا، ويعاملوننا معاملة طيبة في أعيادنا، ويحترمون أعيادنا، فلماذا لا نعاملهم في أعيادهم بمثل ما يعاملوننا به؟ وربما تفلسف بعضهم وقال: وهذا من سماحة الإسلام، وهذا من الدعوة إلى الإسلام. وهذا يعني اعتقاد خاصة، هذا اعتقاد وقول خاصة. فهم على دين باطل، وأنت على الدين الحق، فكيف تساوي بين الحق والباطل؟ إن هم هنئوك بعيد الفطر وعيد الأضحى، فأنت على حق، وأنت على دين صحيح، ما فيه ضلال، وما فيه عبادة لغير الله، دين حق. فإن هنئوك فهذا مما يفتخر به المسلم. وأما دينهم فهو دين باطل، دين باطل، وعيد من أعياد الشرك. فكيف تهنئهم بذلك؟ فكيف تهنئهم بذلك؟ فلا يستوي عيد المسلمين بعيد المشركين، لا يستوي أبدًا. ثم إن أردت أن تدعوهم إلى الإسلام، وأن تبين لهم محاسن الإسلام، فليس بالمخالفات الشرعية، وإنما بالأمور الشرعية، بالأمور الشرعية. تظهر لهم حسن الإسلام وجمال الإسلام بحسن خلقك، من الصدق، من الاستقامة على الدين، من التمسك بدينك، من الوفاء بالوعد والعهد، من عدم الغدر والخيانة والكذب. فإذا رأوا منك الإسلام الحق والمعاملة الطيبة، لربما كانت هذه المعاملة سببًا في دخولهم إلى الإسلام، وفي دعوتهم إلى الإسلام. وأما أن تدعوهم إلى الإسلام بما يخالف شرع الله، فهذه ليست الدعوة إلى الإسلام. ينبغي لنا أن نفرق بين الأمرين، أن نفرق بين الأمرين. وكما سمعتم سيشارك أيضًا في هذه المحاضرة الشيخ الفاضل أبو هاشم جمال بن سرور، أكبر الله أجره، فنسلم إن شاء الله المجال له فيما بقي من وقت، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. *** إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: عباد الله، إخواني في الله، نيابة عن إخواني نتوجه بالشكر الجزيل إلى أهل هذا المسجد لحسن ظنهم وحسن استقبالهم لإخوانهم، وهذا دأب الخير الذي ينبغي أن يتشارك فيه الجميع في بناء الأفراد والمجتمعات بما فيه صلاحهم في دينهم وفي آخرتهم. وهكذا شكري لأخي الفاضل أبي صهيب صالح عبيد الله، حفظه الله تعالى ورعاه، وسدد ربه على الخير خطاه، وأخذ بناصيته للخير والهدى، وجزاه الله الخير على حسن ظنه وعلى فرحابه وتقديمه لإخوانه. وهكذا سمعتم -إخواني في الله- في كلمة أخينا الشيخ الفاضل أبي معاذ، حفظه الله تعالى ورعاه، حول هذه المسائل وهذه الوقفات، والتي تكلم بها حول هذا الموضوع، والذي هو بعنوان: «وقفات شرعية مع قدوم السنة الميلادية». عباد الله، إن من عظيم إنعام الله علينا جميعًا أن مَنَّ علينا بهذا الدين العظيم، وبهذا المنهج القويم، وهذا الصراط المستقيم، من بين الخلائق أجمعين. هذا الدين -إخواني في الله- والذي يعتبر من أعظم خصائصه: أن الله جل وعلا من خلاله نظم للفرد جميع أحواله وشؤونه، جميع أحواله وشؤونه. دين عبد الله نظم علاقتك مع ربك، علاقتك مع نفسك، علاقتك مع من حولك من أهلك وقرابتك، من جيرانك وأرحامك، من إخوانك وزملائك. بل ما من شيء إلا والدين قد بينه، حتى أتى ذاك المشرك وقال لسلمان الفارسي: «إن دينكم، أو إن نبيكم علمكم كل شيء، حتى الخراءة، حتى قضاء الحاجة». الإسلام أدبنا وعلمنا، فإذا دخلنا الحمام نتأدب بآداب الإسلام. وهكذا إخواني في الله، ما يتعلق بمظاهر الفرح والسرور، فإن الإسلام اعتنى بهذا المظهر، اعتنى بهذا المظهر. وقضية الأعياد -إخواني في الله- ليست بمنأى عن منظار الشرع، فشرعنا رعى هذا الباب، باب الأعياد، واعتنى به اعتناء عظيمًا، إذ أن ديننا قد جعل لنا أيامًا نحتفل بها ونحتفي بها، كما مر من حديث أنس أن نبينا قال: «إن الله أبدلكم بيومين: عيد الفطر وعيد الأضحى». فهذا تربية وتهذيب من إسلامنا في أننا نهذب ما يتعلق بمواسم الفرح. فليست الأعراس -إخواني في الله-، وليست الأعياد منوطة بعاداتنا، ولا بأهوائنا، ولا بمطالبنا الشخصية، كما نرى في هذه الأزمان، كيف أن باب الأعياد أصبح مفتوحًا على مصراعيه. انظر يمنة ويسرى في بلاد المسلمين، وفي غير بلاد المسلمين، حتى سمعنا أن بعض البلدان عدة الأعياد عندها خمسين عيدًا، خمسين عيد في السنة. وهكذا انظر يا عبد الله: كم لكم من أعياد تاريخية، أعياد وطنية، أعياد الثورة والاستقلال، أعياد اجتماعية: عيد الطفل، عيد المرأة، عيد العمال، عيد الشجرة، وهكذا. حتى أصبحت الظروف الملاحية لها أعياد: متى ما اشتد البرد عيد، ومتى ما هبت علينا السيوف والحر عيد. وأصبحت هكذا الأحوال -عباد الله- فلتًا عشواء. لا، عباد الله، فنحن في هذه الأزمان، ونحن في هذه الملة السمحة، هذب ديننا وأعطانا أمارات في مواسم العيد التي نحتفل بها، وما عداها لا يحتفل بها. ومن الأعياد -إخواني في الله- التي فشت وانتشرت وطمت وعمت، ما نحن مقدمون عليه: الاحتفاء والاحتفال برأس السنة الميلادية. هذا العيد وهذه المناسبة أصبحت موسمًا عظيمًا من أعظم المواسم التي تمر على البشرية. تجد أن الأفراد والمجتمعات والأمم والشعوب تحتفل وتعد العدة على مستوى الدول والحكومات، تعد العدة للاحتفال بهذا الموسم العظيم، ومن أجله تعطل الحكومات، وتعطل المدارس والمعاهد والكليات. إخواني في الله، قبل الخوض في هذا الحديث عن رأس السنة وما يكون فيه من معاصٍ، ينبه على مسألة عظيمة: وهي ما هي خطورة هذا الموضوع؟ ما هي خطورة وما هي مطامع الخطر؟ لأن بعض الناس -إخواني في الله- لربما ينظر لمثل هذه المواضيع، مثل التحذير من عيد رأس السنة وخطأ الشرع فيه، والتحذير للأعياد المشركة بشكل عام، بعض الناس من أهل الإسلام لربما ينقم على أهل السنة ويشرف عليهم، يقول: هؤلاء ناس طرق، طرق، ما عندهم ما يتكلمون فيه، يشغلون المنابر ويشغلون الجوامع ويجمعون الناس على مثل هذه الترهات. إيش فيها الاحتفال برأس السنة؟ ما لكم تقوقعون؟ ما هذا التشديد يا أهل السنة؟ حرام، حرام، حرام. رأس إيش؟ عبارة عن احتفال نحتفل مع أبنائنا، مع إخواننا، نخرج هنا ونخرج هنا، نتفسح. لذا إخواني في الله، نريد أن نضع هذه المسألة في نصابها الشرعي: هل هكذا الأعياد، رأس السنة مثلًا، أن نعاملها بهذه المعاملة، نجعلها مثل الباقي، مسائل شخصية تعود إلى مطالبنا، من شاء احتفل ومن شاء ترك؟ أم أن الشرع -إخواني في الله- له وقفة مع هذه الأعياد؟ ومن هنا -إخواني في الله- سأدخل في هذا الموضوع، وذلك بذكر مكمن الخطورة في هذه المسائل، وأعني بها مسائل الأعياد. **من أهم المسائل -إخواني في الله- والتي تطبع بها خطورة هذا الموضوع:** أن في هذا الباب يظهر مدى استسلام المرء لدينه ولشريعة ربه. هذا ابتلاء، هذا امتحان، هذا اختبار يا عبد الله لشدة تمسكه بشرع الله جل وعلا. ما من أحد إلا ورضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. وأنت يا عبد الله بانتمائك للإسلام ينبغي أن تعلم أن من أولويات انتمائك أنك تخضع، أنك تستسلم. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54]. قال إمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام». إذا أردت يا عبد الله قدمك أن تكون راسخة ضاربة في الإسلام لا تتزعزع مهما هبت عليك الفتن، فليكن هذا حالك. اثبت يا عبد الله على مقام الإسلام، وعلى مقام الاستسلام والتسليم لله. ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. فإن بال -إخواني في الله- أن نحكم شرع الله جل وعلا في كل أمورنا، في كل أحوالنا، في أحوالنا وأفعالنا، في حركاتنا وسكناتنا، في مشاعرنا وأحاسيسنا. ما من شاذة ولا فاذة إلا مردها إلى شرع الله. بماذا يحكم؟ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون. الفلاح، الفلاح يا عبد الله، هو أنك تخضع لشرع الله، فتجعل ما تمر عليك من مسائل ومن أحوال، تجعلها تحت منظار الشرع. فينظر يا عبد الله بما يحكم به الشرع، فما عليك بعد ذلك إلا الاتباع. إن طاب الشرع عملًا فأقدم والزمه يا عبد الله، وإن رأيت الشرع حذرك من أمر، فما عليك أن تتركه وتولِّي عنه. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. الإسلام هذا الإسلام يا عبد الله ليس شعار تدندن به في السعة والدعاء، الإسلام يا عبد الله اختبار، يختبرك الله في أقوالك وأفعالك، فيما تحب وفيما تكره. فهنا عباد الله، مسائل الأعياد ابتلاء، يبتليك الله جل وعلا به: من الصادق في إيمانه فيبتعد عما حذر الله من أعياد المشركين، ومن الكاذب الذي يدعي الإسلام بلسانه وفي الواقع يعظم مثل هذه الأعياد الكفرية. **الأمر الثاني -إخواني في الله-:** تكمن خطورة، تكمن خطورة هذه الأعياد، وهي أعياد الكفار والمشركين، تكمن الخطورة في أنها من المواضيع التي تمس العقيدة، لها صلة وثيقة بعقيدتنا. إذ أن من أعظم قضايا الاعتقاد -إخواني في الله- مسألة الولاء والبراء. مسألة الولاء والبراء من أعظم عقائد أهل الإسلام. ومن فروع هذه القضية مسألة التشبه، التشبه باليهود والنصارى، تتفرع من قضية الولاء والبراء. وخلاصة هذا المبدأ، مبدأ باب الولاء والبراء، هو أن تتبرأ من كل مشرك وكافر، تتبرأ منه ومن اعتقاده ومن عبادته، وتتبرأ من أقواله وأفعاله وسلوكياته مما اختص به. ومن تأمل في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام يرى هذه المعاني العظيمة والآيات الحكيمة التي تلزم عبد الله بالبعد عن الكفار وما يتعلق بهم من أحوال. كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]. لا تجد هذا أبدًا. لا تجد مؤمنًا يا عبد الله له ود، وفي قلبه محب وإعظام وإجلال لكافر. هذا كافر يا عبد الله، نصب لربك العداء. هذا كافر أتى بالنقائص والعيوب لربك جل وعلا. هناك حد بينك وبينه. أنت يا عبد الله لو رأيت رجلًا تطاول على أبيك أو تطاول على أمك وطعن في عرضها، فوالله ربما قتلته أو هجرته مدى العمر. فما ظنك بالذي يعتدي على ربك، يضع في ذات الله العلية؟ أي ود هذا؟ لا، لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. بل بالعكس، عبد الله، بالعكس، المؤمن مطالب بأن يظهر العداوة والبغضاء لأهل الكفر. فربنا سبحانه وتعالى قد قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]. فبالتوحيد تزال البغضاء والعداوة، لكن مع كفركم، مع بقائكم على الشرك والاستمرار به، ما الذي يبقى بيننا وبينكم؟ العداوة والبغضاء. وتأمل في قول الله: ﴿بَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾، قال علماء: قدم ربنا العداوة على البغضاء لأن العداوة أعظم من البغضاء لعظم أمرها وقوة شأنها، قدمها ربنا على الأخرى. لأن المسلم لربما يظل مبغضًا لأهل الكفر لكن لا يعاديهم، هذا ما أتى بالواجب. فالمبغض ولا يعاديهم ما أتى بالواجب. إن الواجب يا عبد الله أن تأتي بالأول والثاني: بالعداوة والبغضاء. فهذا -إخواني الله- من مسائل الاعتقاد التي بها يتميز المسلم عن الكافر. وقد ذكر العلماء كالشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى عندما تكلم في كتابه «سبيل النجاة والفكاك»، بين أنه ما هنالك حكم أوجب ولا أوكد بعد توحيد الله من إيجاب معاداة المشركين والكفار. ما هنالك حكم أوجب ولا أوكد في كتاب الله بعد الأمر بالتوحيد من التحذير من الكفار والمشركين. فدل ذلك -إخواني الله- على عظيم هذه المسألة. فما يفعله الكثير من المسلمين من فتح صدورهم والترحاب لأعياد الكفار، هذا خلل العقد، يطعن في عقيدتنا. وسيأتي -إخواني الله- الكثير والكثير من أقوال العلماء في هذا الباب. **هذا أن يخبر -إخواني الله- مما يذكر في هذا المقام، ومما ينبغي أن يبين به، ومنه تظهر مدى خطورة هذه المسائل، مسائل الأعياد وانتشارها بين المسلمين:** أن نعلم -إخواني الله- أن هذه مسألة، هي مسألة الأعياد، من المسائل العظيمة التي جاء الشرع بالتحذير منها، أعني بها أعياد الكفار. جاء الشرع بالتحذير منها وبذكرها وبتعييبها. وهكذا تناقل العلماء الأقوال الكثيرة فيما بينهم، دليل على أن هذه مسألة من المسائل التي يتميز بها المسلم عن الكافر. فلا يأتي بعد ذلك أحد ويتساهل في أمر الأعياد، كالاحتفال برأس السنة، ويرى أنها من الأعياد المباحة وأنه لا غضاضة بها، وأن من أحب أن يشارك فيها يشارك. بل حتى سمعنا من بعض أرباب الأموال لربما سافر من بلده إلى بلاد الكفار لا لشيء سوى لكي يحضر هذا الاحتفال، كاحتفال رأس السنة. إخواني الله، الأدلة الدالة على تحريم هذا الفعل كثير وكثير جدًا. ومن ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، كما سمعتم في كلمة أخينا أبي معاذ، أن طائفة من السلف رحمهم الله ذهبوا إلى أن الزور المعنى به في هذه الآية هو حضور أعياد الكفار. فسمّاها ربنا جل وعلا زورًا. فمن حضر مثلًا مناسبة من مناسبات الكفرة كمهرجان ونحو ذلك فقد حضر زورًا، حضر أمرًا محرمًا. كذلك -إن شاء الله- إخواني، بعض الأذان نواصل إلى هنا. *** والحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كثيرًا. أما بعد: فلا نزال -إخواني الله- في هذا المقام نذكر أهم الأمور التي بها يُعلم مدى خطورة مثل هذه الأعياد وانتشارها بين الناس، وخاصة ونحن نبتلى ببعض المسلمين مما يتساهل في هذا الباب، ويجد أن الكلام والتحذير من أعياد الكفار كأعياد رأس السنة، أن هذا من التنطع، وأن هذا من التشدد. فكان -إخواني الله- من المسائل التي بها نعلم خطورة هذا الباب: أن في هذه المسألة، في الحكم على أعياد الكفار، فيه إظهار لمدى استسلام المرء لدينه. إما أنك يا عبد الله معظِّم لشرع الله فلا ترضى بعد ذلك برأس، أو أنك يا عبد الله معارض لشرع الله، معارض لشرع الله، تدافع وتنافح عن أحوال الكافرين وعن أعيادهم. سمعنا عن عيد في مصر يسمى عيد «شم النسيم»، ولازال يعقد هذا العيد في تلك البلاد والأنحاء، وهو عيد من أعياد الفراعنة، يعيده النصارى قاطبة يحتفلون بهذا العيد. إذ بنا نجد من بعض أهل التغريب، من العلمانيين، من يأمر بكل قوة أن يجعل هذا الع