الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ العثيمين مفهوم الالتفات بأنه تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر لجذب الانتباه، ويذكر صوره الرئيسية: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب كما في سورة الفاتحة، والالتفات من الخطاب إلى الغيبة كما في قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾.
يشرح المقطع مفهوم الالتفات في البلاغة القرآنية مستعرضاً أربعة أنواع: تحويل الخطاب من المخاطبة إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، ومن التكلم إلى الغيبة، مع التمثيل بآيات من سورة يونس وسورة المائدة وسورة الكوثر.
يُعرّف الالتفات بتحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر كالتحول من الغيبة إلى الخطاب أو التكلم، وتتمثل فوائده العامة في حمل المخاطب على الانتباه والتفكير في المعنى ودفع السآمة والملل، بينما تختلف الفوائد الخاصة حسب كل مقام وسياق.
أعلن المتحدث انتهاء شرح الرسالة، داعياً الله أن ينفع بذلك وأن يسر تفسير كتابه وتدبر آياته، مختتماً بالحمد لله على تمام النعمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ العثيمين عليه رحمة الله في آخر مبحث من هذه المباحث في أصول التفسير -ما حصلته هذا في أصول التفسير، مبحث الالتفات-: قال: الالتفات تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، يعني كأنه من لفت الانتباه؛ لفت الانتباه شيء يورد الانتباه والتساؤل، فيأتي كلام الأسلوب فيه أسلوب خطاب، ففجأة يتحول مثلاً إلى أسلوب غيبة أو إلى أسلوب تكلم، فهذا يسمى الالتفات. وهذا موجود في اللغة، فلذلك قال: تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر. وله صور، منها: أولاً: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. الكلام كان خطاباً للغائب أو فيه غيبة، فيتحول إلى خطاب. قال: كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذا غيبة، يعني هو رب العالمين، ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، أي هو، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أي هو سبحانه وتعالى، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إياك هنا خطاب، صح؟ إياك هنا ماذا؟ خطاب. فتحول الأسلوب من غيبة إلى خطاب. قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فحول الكلام من الغيبة في الثلاث آيات الأولى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، هذا غيبة، إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخره، فتحول الخطاب. فهذا معنى الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. قال: ثانياً: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، العكس. الأول: من الغيبة إلى الخطاب، أولاً الغيبة ثم تحول إلى الخطاب. الثاني: العكس، أولاً الخطاب ثم تحول إلى الغيبة. قال: كقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾، إلا هنا ماذا؟ خطاب. ﴿كُنتُمْ﴾، أي أنتم في الفلك، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾، هنا الآن ماذا؟ غيبة. ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾، أي هم. ما قال: وجرينا بكم، لأن الكلام الآن للمخاطبين، فحول أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة. ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ﴾، ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ﴾، أي أنتم في الفلك، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾، أي هم. فتحول الخطاب إلى ماذا؟ إلى الغيبة. واضح. فهذا يقال له ماذا؟ التفات. قال: فحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾. قال: ثالثاً: الالتفات من الغيبة إلى التكلم. من الغيبة إلى التكلم. قال: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، الآن هذا ماذا؟ هذا غيبة. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ﴾، ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ثم قال: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. ﴿بَعَثْنَا﴾، نحن. ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾، أي هو، صح؟ ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿وَبَعَثْنَا﴾، أي نحن، الله عز وجل. إذن ما قال: وبعث منهم، أي هو، لا، قال: ﴿وَبَعَثْنَا﴾، فحول الكلام من الغيبة إلى ماذا؟ إلى التكلم. فهمتم هذا؟ أين الغيبة؟ ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، أي أخذ الله، هو سبحانه وتعالى، هذا غيبة، ثم قال: ﴿وَبَعَثْنَا﴾، أي نحن، الله عز وجل. إذن: فحول الكلام من الغيبة إلى ماذا؟ إلى الخطاء، إلى التكلم. واضح، واضح. قال: فحول الكلام من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا﴾، أي نحن. قال: رابعاً: الالتفات من التكلم إلى الغيبة. ﴿لِرَبِّكَ﴾، ﴿لِرَبِّكَ﴾، ﴿لِرَبِّكَ﴾، واضح، واضح. ﴿أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾، أي نحن، تكلم، صح؟ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، أي هو، ﴿لِرَبِّكَ﴾، أي هو، فهنا ماذا؟ غيبة. ولذلك قال: فحول الكلام من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿لِرَبِّكَ﴾، ﴿لِرَبِّكَ﴾، أي هو. واضح. فهذا هو الالتفات: تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، من وجه الغيبة إلى وجه الخطاب، أو من وجه الخطاب إلى وجه الغيبة، أو من وجه الغيبة إلى التكلم، أو من وجه التكلم إلى الغيبة. واضح. قال: وللالتفات فوائد، منها: يعني ما يؤتى هذا الأسلوب، ما يأتي هذا الأسلوب إلا لفوائد بلاغية. قال: منها أولاً: حمل المخاطب على الانتباه لتغير وجه الأسلوب عليه، فلذلك سمي التفاتاً. فالمخاطب ينتبه، بخلاف لما يكون الأسلوب واحد، ربما تصيبه شيء من الغفلة أو من عدم الانتباه، فلما يتغير عليه الأسلوب ينتبه. هذه فائدة، هذه فائدة من أسلوب الالتفات. قال: ثانياً: حمله على التفكير في المعنى، فلما يتغير عليه الأسلوب يحاول أنه يفكر في المعنى: لماذا تغير الأسلوب؟ وما معنى الأسلوب الأول؟ وما معنى الأسلوب؟ يبدأ يفكر. حمله على التفكير في المعنى، قال: لأن تغير وجه الأسلوب يؤدي للتفكير في السبب، ما هو السبب الذي من أجله تغير هذا الأسلوب؟ فيجعله ماذا؟ يفكر وينتبه. قال: ثالثاً: دفع السآمة والملل عنه، لأن بقاء الأسلوب على وجه واحد يؤدي إلى الملل غالباً، ولو كل الكلام غيب، غيب، غيب، غيب، ربما يصيبه شيء من الملل، أو كله خطاب، خطاب، خطاب، يصيبه شيء من الملل، فلما يتغير الأسلوب يعني يتخلص من السآمة والملل في الكلام. قال: وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره، هذا بشكل عام في جميع الصور المتقدمة. قال: أما الفوائد الخاصة فتتعين في كل صورة حسب ما يقتضيه المقام، يعني قد تكون هناك لفتة خاصة بهذا المقام، يعني بهذا الالتفات بعينه دون غيره، وهذا قد ينبه عليه بعض المفسرين، قد ينبه عليه بعض المفسرين. قال: والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تم، ولله الحمد رب العالمين. وهذا نقول: قد انتهينا من شرح هذه الرسالة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بذلك، وأن يسر لنا تفسير كتابه وتدبر آياته، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ترجمة نانسي قنقر