الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى الأرائك في الجنة بأنها سرر عليها حجال، مبيناً الفرق اللغوي بين السرير والأريكة، ثم ينتقل لوصف أشجار الجنة كالسدر والطلح والرمان والنخل مع الإشارة إلى ما له مثيل في الدنيا وما اختصت به الجنة. كما يستعرض حديث المعراج في وصف سدرة المنتهى وفضل ظل السدر في ترويح الأبدان.
يتناول المقطع أوصاف ثمار الجنة من حيث سهولة تناولها وتنوعها، موضحاً أن منها ما يشبه ثمار الدنيا في الاسم أو اللون ويختلف في الطعم، ومنها ما لا نظير له. يستعرض أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} بين التشابه في اللون أو الاسم مع اختلاف الطعوم، مؤكداً لذة أهل الجنة بالنظر والطعم معاً.
يختتم المتحدث المقطع بعبارة «إلى هنا والله تعالى أعلم» ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر. تُعد هذه الفقرة ختاماً رسمياً للدرس مع ذكر مصدر الترجمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في نونيته في وصف الجنة: فصل في أرائكها وسرورها. والأرائك هي السرر التي عليها الحجال، والحجال هي مثل الخيمة الصغيرة تكون أعلى السرير، ويجلس الجالس والمتكئ بداخلها على السرير، وتكون هذه الحجال كثيرة الألوان، يعني مزخرفة تسر الناظر. فقالوا: إن السرر لا تستحق أن تسمى أريكة إلا بهذا الحجال، فالسرير بدون هذا الحجال لا يسمى أريكة، لا يسمى أريكة. فلذلك قال ابن القيم عليه رحمة الله: فيها الأرائك وهي من سرر عليهن الحجال كثيرة الألوان، لا تستحق اسم الأرائك دون هاتيك الحجال. وذاك وضع لساني، بشخانة يدعونها بلسان فارسة، وهو ظهر البيت ذي الأركان. فقولوا: هنا فيها الأرائك. أولاً: دليل هذا في القرآن، والآيات في هذا كثيرة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴾ [المطففين: 22-23]، على الأرائك ينظرون. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 13]. وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ [يس: 55-56]. فإذا دليل الأرائك جاء في القرآن. فقوله: فيها الأرائك، ثم عرف هذه الأرائك وقال: هي السرور، وهي من سرور السرير المعروف الذي يرتفع عن الأرض، عليهن الحجال. وعرفنا ما معنى الحجال: مثل الخيمة الصغيرة يكون على هذا السرير، ولكنها كثيرة الألوان. ولذلك قال: عليهن الحجال كثيرة الألوان. ثم قال: لا تستحق اسم الأرائك دون هاتيك الحجال، يعني إذا لم يوجد فيها هذا الحجال لا يقال لها أرائك، إنما يقال لها سرر. ففي الجنة سرر وفيها أرائك، والفرق بينهما واضح. فلذلك قال: لا تستحق اسم الأرائك دون هاتيك الحجال. وذاك وضع لساني، يعني هذا ما جاء في لسان العرب: أنهم لا يقولون للأريكة أريكة إلا إذا كان على السرير هذا الحجال. ثم قال: بشخانة يدعونها بلسان فارس، يعني هذه الأرائك في لغة فارس يقولون لها بشخانة، هذا في لغة فارس، وهو ظهر البيت ذي الأركان. وقوله: ظهر البيت ذي الأركان، يعني ذي الأطراف، ذي الأطراف. فالسرير يكون له أطراف، ثم يكون عليه هذا البيت والخيمة الصغيرة، فيقال لها الأرائك. جاء في الصحاح: أن الأريكة سرير متخذ مزيّا في قبة أو بيت، في قبة أو بيت، يعني بيت على حجم هذا السرير، على حجم هذا السرير. قال في الصحاح: فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، يعني إذا لم يكن هناك سرير إنما هذه الحجلة على الأرض فيقال لها حجلة. فإذا جمعت الحجلة مع السرير يقال لها أريكة، يقال لها أريكة. وهذا لا شك أنه غاية في النعيم، يكون على سرير مرتفع ويكون عليه هذه الخيمة المزيّنة، وهذا من النعيم الذي أنعم الله عز وجل به على أهل الجنة، نسأل الله من فضله. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: فصل في أشجارها وثمارها وظلها، أي ظلال الجنة. قال رحمه الله: أشجارها نوعان، منها ما له في هذه الدنيا مثال داني، كالسدر أصل النبق مخضوض مكان الشوك من ثمر ذوي ألواني، هذا وظل السدر من خير الظلال ونفعه الترويح للأبدان، وثمارها أيضا ذوات منافع، من بعضها تفريح ذي الأحزان. والطلح وهو الموز منضود كما نضدت يد بأصابع وبنان، أو أنه شجر البوادي موقرا حملا مكان الشوك في الأغصان. وكذلك الرمان والأعناب والنخل التي منها القطوف دواني. هذا ونوع ما له في هذه الدنيا نظير كي يرى بعياني، يكفي من التعداد قول إلهنا: من كل فاكهة بها زوجان. وأتوا به متشابها في اللون مختلف الطعوم فذاك ذو ألواني، أو أنه متشابه في الاسم مختلف الطعوم فذاك قول ثاني، أو أنه وسط خيار كله فالفحل منه ليس ذا ثنياني، أو أنه لثمارنا ذي مشبه في اسم ولون ليس يختلفاني، لكن بهجتها ولذة طعمها أمر سوى هذا الذي تجداني، فيلذها في الأكل عند منالها، وتلذها من قبله العيناني. فقوله: أشجارها نوعان، منها ما له في هذه الدنيا مثال داني، أي أن في الجنة أشجاراً وردت أسماؤها في هذه الدنيا وهي معروفة لدى أهل الدنيا، فشاركت أشجار الجنة في الاسم مع الاختلاف في الطعم. ومن أشجار الجنة ما ليس موجوداً أصلاً في الدنيا، بل هو مما اختصت به جنة الرحمن، فهذا معنى قوله: أشجارها نوعان، منها ما له في هذه الدنيا مثال داني، يعني مثال دنيوي موجود في هذه الدنيا. ثم مثل فقال: كالسدر أصل النبق مخضوض مكان الشوك من ثمر ذوي ألواني. فقوله: كالسدر، السدر معروف وهو العلم، وثماره يقال له النبق. وقوله: مخضوض، يعني أنه كثير فيها، ولكنه يعني هذا السدر بدون شوك، بدون شوك. كالسدر أصل النبق مخضوض مكان الشوك من ثمر ذوي ألواني، أي أن هذا الشجر مليئة بثمارها. ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة في قصة المعراج، وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر، أو هجر، والقلال هي القرب مشهورة لمدينة هجر، وهي من أكبر وأفضل القلال. قال: وورقها كأنه آذان الفيلة، يعني ورق السدر كأنه آذان الفيلة، يعني كبير الورق، والثمار مثل قلال هجر، مثل القربة الكبيرة. فهذا يدل على ما ذكره ابن القيم عليه رحمة الله: أن الجنة، أو أن السدر، ليس كسدر هذه الدنيا. كم تكون الورق في هذه الدنيا؟ قدر الأنملة أو تزيد قليلاً، لكن أوراق السدر في الجنة بنص حديث المعصوم عليه الصلاة والسلام كأذان الفيلة، أي الفيل. قال: هذا وظل السدر من خير الظلال، ونفعه الترويح للأبدان. أي أن ظل السدر من أفضل الظلال، فالسدر من أفضل الأشجار ظلاً، وهذا كذلك بتأكيد أهل الخبرة. مرة كنا في منطقة بدوية وأدركتنا وقت الظهيرة، فأردنا أن نستظل، فنحن الحضر ذهبنا إلى أشجار يعني غير السدر، غير العلوب، أشجار أخرى من السمر ونحو ذلك، فصاح علينا بعض البدو، قالوا: لا، تعالوا تحت ظل هذا السدر. قلنا: لماذا؟ كله ظل. قالوا: لا، ليس كله ظل، هذا الظل أفضل. وجربوا ذلك، فلما تجلس تحت ظل السدر، الهواء والظل يختلف عن غيره من الأشجار الأخرى. وهذا معنى قول ابن القيم: هذا وظل السدر من خير الظلال، ونفعه الترويح للأبدان. يعني أن من نفع الاستظلال تحت شجرة السدر أن الحزين والكئيب ربما يذهب حزنه وهمه وغمه لما يجد من راحة وكذلك سكون وهدوء تحت هذا الظل، تحت هذا الظل. فهذا معنى قوله: ونفعه الترويح للأبدان. قال: وثماره أيضا، ولا يزال الكلام على السدر، وثمارها أيضا ذوات منافع، من بعضها تفريح ذي الأحزان. كما أنه ترويح للأبدان فهو تفريح للأحزان، ومعنى تفريح يعني ربما يذهب بحزن المستظل. قال: والطلح وهو الموز منضود كما نضدت يد بأصابع وبنان. والطلح فسر الطلح بالموز. في قوله تعالى، ودليل الطلح قوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴾ [الواقعة: 28-29]. وطلح منضود، فسر بالموز، بشجرة الموز. ولذلك قال: والطلح وهو الموز منضود، ومعنى منضود أي أنه متفرع من غصن واحد تتفرع منه الطلوح الكثيرة، يعني الموز الكثير، الموز الكثير. ولذلك قال: كما نضدت يد بأصابع وبنان، يعني يكون ما يحمله الفرع من الموز يكون متفرعاً وكثيراً ومليئاً بهذا الموز. هذا تفسير للطلح. قال: أو أنه شجر البوادي موقرا حملا مكان الشوك في الأغصان. هذا تفسير آخر للطلح، وهو أنه شجر البوادي الذي فيه الشوك يكون مليئاً بالثمار، يكون مليئاً بالثمار. فشجر البوادي معروف، يقال له الطلح، إلى الآن يقول له الطلح، وهذا موجود في الشعاب وفي البوادي، وفي البوادي. فبدلاً من الشوك الموجود في هذه الدنيا، تكون ثمار شجر البوادي فيه، تكون ثمار شجر البوادي فيه. هذا هو المعنى الآخر. ثم قال: وكذلك الرمان والأعناب والنخل التي منها القطوف دواني. هذا أيضا مما جاء في القرآن: الرمان والأعناب والنخيل. قال الله عز وجل: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ [النحل: 11]، فهذا كله مما ورد في القرآن. فالجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ما من شيء يشتهيه الإنسان في الجنة إلا ويناله، إلا ويتفكه به، وهو يتفكه به. ولذلك في الجنة كما ذكرنا أشجار الدنيا وأشجار ليست في الدنيا، وهو النوع الثاني الذي سيأتي في قوله: هذا ونوع ما له في هذه الدنيا، إلى آخر ما ذكر. وقوله: وكذلك الرمان والأعناب والنخل التي منها القطوف دواني، أي أن صاحب أو من دخل الجنة لا يقوم ولا يحتاج إلى أن يرفع يده أو يصعد إلى هذه الشجرة حتى يقطف من ثمارها، بل إذا اشتهى إلى شيء من ثمارها دنت له هذه الشجرة، ولو كان متكئاً، ولو كان جالساً. بقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴾ [الإنسان: 14]، قطوف الجنة دانية، أي متدنية لأهلها، ينالونها بكل سهولة ويسر. قال: هذا ونوع ما له في هذه الدنيا نظير كي يرى بعياني. هناك نوع من الأشجار خاص بالجنة، ليس له نظير ولا اسم في هذه الدنيا. ثم قال: يكفي من التعداد قول إلهنا: من كل فاكهة بها زوجان. ودليل أن هناك نوعاً آخر ليس له نظير في الدنيا عموم الأدلة، كما ورد في هذا البيت: فيها من كل فاكهة زوجان، من كل فاكهة، فالفاكهة هنا عامة: ما عرفناه وما لم نعرفه، ما علمنا اسمه وما لم نعلم اسمه. قال: وأتوا به متشابها في اللون مختلف الطعوم فذاك ذو ألواني. اللون واحد، يؤتى بهذه الثمار بلون واحد، لكن الذوق والطعم يختلف، الذوق والطعم يختلف. وهذا قال العلماء: هذا غاية في انبساط النفس، أن يكون الشيء بلون واحد وطعم مختلف، هذا غاية في انبساط النفس وتلذذ النفس كذلك. قال: أو أنه متشابه في الاسم، قول: وأتوا به متشابه، هذا ورد في القرآن في سورة البقرة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ﴾ [البقرة: 25]، وأتوا به متشابها. فسر هذا بتشابه اللون، بتشابه اللون. وفسر بتفسير أخرى ذكره ابن القيم، فقال: أو أنه متشابه في الاسم مختلف الطعوم فذاك قول ثاني. يعني مثلاً اسم هذا طلح أو عنب أو كذلك رمان، لكن طعمه يختلف عن طعم فاكهة الدنيا، فاكهة الدنيا. وهذا جاء عن ابن عباس: أنه ليس في الجنة من تشابه إلا في الأسماء فقط، أما في الطعوم والتلذذ فلا شبه ولا مقارنة بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا. هذا معنى قوله: أو أنه متشابه في الاسم مختلف الطعوم فذاك قول ثاني. القول الأول متشابه في اللون، والقول الثاني متشابه في الاسم. قال: أو أنه وسط خيار كله فالفحل منه ليس ذا ثنياني. يعني أنه متشابه كما ذكر هذا ابن العثيمين في شرحه، أو أنه وسط بمعنى الوسط، يعني متشابه بعضه يشبه بعض في الاسم، وأخذ هذا من قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا ﴾ [الزمر: 23]، يعني متشابهاً في المعنى أو في الأسلوب أو نحو ذلك. وهكذا الثمار تكون وسطاً بمعنى متشابه في شيء من الأسماء أو في شيء من الألوان أو في شيء من الصفات، وهي تختلف في الطعوم. قال: أو أنه لثمارنا ذي مشبه في اسم ولون ليس يختلفاني. يعني هناك قد يكون الشبه في الاسم وكذلك في اللون، فاسم الرمان مثلاً كاسم الرمان في الدنيا، وشكله كشكل الرمان في الدنيا، لكن الطعم لا شك أنه يختلف. هذا أيضاً قول آخر. ولذلك قال: لكن، لكن، لكن بهجتها ولذة طعمها أمر سوى هذا الذي تجداني. تجد في الجنة لون ثمار الدنيا واسم ثمار الدنيا، لكن إذا طعمت هذه الثمرة في الجنة تبين لك أنها غير ما تجده من طعم في ثمار هذه الدنيا. هذا هو المعنى. قال: فيلذها في الأكل عند منالها، الله عز وجل يعطيه شهية ويعطيه رغبة في أكل هذه الفاكهة، فيلذها ويشتهيها، فتتدنى له فيأخذها ويأكلها ويتمتع بطعمها. ثم قال: وتلذها من قبله العينان، يعني قبل أن، قبل أن تلذها نفسه بأكلها، فتلذه عيناه بالنظر إليها، بالنظر إليها. فاللذة تكون في النظر وتكون كذلك في الطعم. وهذا حتى في هذه الدنيا، إذا رأيت اللون الحسن لبعض الثمار من لون الاخضرار أو الإصفرار أو الاحمرار، فإن القلب تنشرح والعين كذلك تتلذذ بالنظر إلى هذه الفاكهة، وربما سال اللعاب بمجرد النظر. وهكذا في الجنة، العينان تلذ هذه الفاكهة قبل أن تلذها نفسه، فينالها ويتلذذ بذوقها وطعمها. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر