الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 96، ألقاها
كان عبد الله بن المبارك إمامًا في زمانه، يحج ويجاهد ويطلب العلم من أئمة عصره. أخذ العلم من مالك وسفيان وشعبة وكان من أطلب الناس للعلم.
النبي صلى الله عليه وسلم وصف أمل الإنسان وأجله، حيث الأجل محيط بالإنسان وقد يأتيه فجأة. بينما يكون أمله بعيدًا ومتشعبًا، مشيرًا إلى أن تذكر الموت يحيي القلب.
تذكر الموت يحفز على العمل الصالح للآخرة ويقطع الأمل، مما يحول بين الإنسان وما يشتهي. ينبغي للإنسان المؤمن تذكر الموت دائمًا ليعمل للآخرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا بخيت بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا سويد، وسويد هو ابن نصر المروزي الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، إمام أهل مرو، بل إمام أهل خراسان جميعًا، وكان من الرجال الذين يُنظر إليهم، رحمه الله، كان يحج عامًا ويجاهد عامًا. وأيضًا يقول لإمام أحمد رحمه الله: كان عبد الله المبارك من أطلب الناس للعلم، ما ترك مكانًا إلا وذهب إليه، وأئمة ذلك العصر كلهم مشايخه: مالك، وسفيان، وشعبة، والوزاعي، والثوري، وكذلك نعيم بن حماد، وجماعة من الأئمة في ذلك الوقت كلهم قد جاء عندهم، أخذ عنهم العلم. ومعمر كذلك ذهب إلى اليمن لأجل معمر، ونشر السنة في اليمن مع معمر رحمه الله، كما كان شيخنا مقبل يقول: نشر السنة في اليمن في ذلك الزمان ثلاثة: عبد الله المبارك، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد. أن عبد الله المبارك والسفيان الثوري جاء إلى اليمن لزيارة معمر وأخذ الحديث عنه، فكان سفيان شديدًا في الحديث، أقصد أنه في نشر الحديث، يحب نشر الحديث، حتى قال عبد الرزاق: رأيت سفيان يعلم طفلًا صغيرًا الحديث، ويقول له: قل حدثنا فلان، قال: حتى بكيت لما رأيت محبة سفيان للحديث، أنه كان يعلمه طفلًا صغيرًا، يقول له: قل حدثنا كذا، حدثنا كذا، يعلمه الإسناد والحديث، وهذا لمحبة سفيان الثوري رحمه الله للحديث ونشره. قال عبد الله: عن حماد بن سلمة. وأيضًا كذلك أخبر عبد الله بن المبارك: نزل البصرة وأخذ عن جميع مشايخهم أو جلهم. قال: عن عبيد الله بن أبي بكر، هو ابن أنس، يعني حفيد أنس بن مالك، وهو ثقة من الحفاظ، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا ابن آدم وهذا أجله، وضع يده عند قفاه، ثم بسطها، فقال: وهذا أمله، وثم أمله». قال: هذا حديث صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح. قال: هذا حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح. والحديث أخرجه ابن ماجة، فقال: حدثنا إسحاق بن منصور، هو الكوسج، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: فذكر الحديث. قال: واخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، فذكره. وهذا الحديث الظاهر أن الشيخ هنا وهم في ذكره؛ لأن هذا الحديث في صحيح البخاري، وإن كان لم يروه عن أنس رضي الله عنه وعبيد الله، لكن قد رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والحديث واحد، والحديث نفسه، فلهذا قد يستدرك على الشيخ ذكر هذا الحديث هنا. فالحديث صحيح البخاري أخرجه الإمام البخاري، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا همام، عن عبيد الله، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فهذا يعتبر من حديث البخاري. وهذا ليس من شرط الشيخ رحمه الله. وأيضًا الإمام البخاري أيضًا أخرجه من حديث المسعود، وهو مشهور في الصحيحين من حديث المسعود: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خط خطًا طويلًا، ثم خط عليه خطًا أحاط به. وهذه الرسمة رسمها الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين: أنه جعل خطًا طويلًا، ثم جعل مربعًا، وخط مربعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا الخط ابن آدم، وهذا أجله محيط به، جعل المربع هذا أمله محيط به، وجعل أمام هذا الأجل خطوطًا صغيرة من عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه العوارض، كلما أخطأ أو دخل في مكانه نهشه هذا أو أخطأه هذا»، معناه يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصور أن الإنسان يمشي في هذه الدنيا، وحوله أجله وأمله بعيد. ولهذا جاء أيضًا في روايات من حديث أنس أو حديث أبي سعيد عند أحمد والنسائي والترمذي: أنه خط خطًا أو أنه كان معه ثلاثة أعواد، فوضع عودًا عنده وقال: «هذا الإنسان»، ووضع عودًا قريبًا وقال: «هذا أجله»، ووضع عودًا بعيدًا وقال: «هذا أمله». ولهذا قال في هذا الحديث: «وثم أمله، وثم أمله»، معنى أمله بعيد، لكن أجله قريب، قد يأتيه فجأة الموت؛ لأنه محيط به الأجل، فهو يتأمل أشياء بعيدة، يأمل أشياء بعيدة: أنه سيفعل وسيفعل وسيفعل، وسيأتي إلى هنا ويقول كذا ويفعل كذا في المستقبل، وهو ينسى أن الأجل محيط به، فيأتيه الأجل فجأة يقطع عليه الطريق، يقطع عليه الطريق، وهذا الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم بهذا. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين في حديث سهل بن سعد، وفي البخاري عن النعمان بن بشير: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل»، حب الدنيا وطول الأمل يكبر كلما كبر الإنسان، طال أمله كلما شاب، شاب معه الأمل وطال. فلهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم خط الأمل خطًا طويلًا، وجعل نقطة الأمل بعيدة. فلهذا قال هنا: «هذا ابن آدم»، جعل له مكانًا كما فسره في الرواية الأخرى، قال: «وهذا أجل قريب منه»، قال: «وضع يده عند قفاه، ثم بسطها، فقال: وهذا أمل بعيد»، لكن الأجل قريب، لكن الأمل بعيد متفرق ومتشعب. فلهذا الخطوط التي ذكرها في حديث المسعود أيضًا خطوط كأنها معترضة له، معترضة في أمله، فقد يصله هذا العارض من الدنيا، هذا من الشبهات، هذا كذا، فينهشه هذا ويخطئه هذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا فأمله بعيد، وإن شاب وكبر، كبر أمله، ما ينتهي الأمل، طال أمله: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل»، لكن الإنسان إذا غفل واستمر في هذا، سيلقى الموت، سيغفل عن الموت، فجاء الموت ويقطع آماله. ولهذا الموت قاطع لذات، وقاطع الشهوات. وجاء في حديث أبي هريرة في الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذكروا الموت فإنه هادم اللذات، هادم اللذات وقاطع الشهوات، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأسلافهم من قبل»، فحيل بينهم، أي: حال بينهم الموت، حال بين الإنسان وأمله وأجله، أقصد: حال بين الإنسان وأمله. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا الإنسان، وهذا أجله قريب منه»، فإذا أراد أن يذهب اعترضه هذا الخط القريب؛ لأن أمل الإنسان ما ينتهي، ما سيأتي إلى النقطة التي إلى آخر الأمل، ما سيأتي أبدًا، حتى لو بلغ الثمانين سنة، بلغ أكثر من ذلك، ما سينتهي أمله، لا زال أمل الإنسان موجودًا، إنه يأمل أنه سيأتيه كذا أو سيفعل كذا أو سيفعل كذا، ما ينقطع عمله. لهذا الأجل يأتي ويقطع الأمل عليه، وهذا الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم وأراد عليه الصلاة والسلام أن يبين أن الإنسان المسلم المؤمن بالله ينبغي أن يتذكر الموت، مهما كانت عنده آمال وعنده أشياء، لكن لابد أن يتذكر أن الموت آتية وقد يبلغ هذه الأشياء وقد لا يبلغها. فلهذا إذا ذكر الموت أحيا قلبه، أحيا قلبه والتعب، وعلم أن الموت آتية، وقدّم أعماله صالحة، وإن كان هذا الأمل في قلبه، لكن هنا لا يضر هذا العمل، مدام أنه يتذكر الموت. وليس معنى تذكر الموت باللسان، كثير من الناس يقول: عاد الموت سيأتي وعاد كذا، صحيح أن كل إنسان يؤمن بأنه سيموت، لكن من الذي يتذكر الموت؟ هو الذي يعمل لذلك اليوم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل: «أي الناس أجلس؟ قال: أكثرهم استعدادًا للموت»، أكثرهم استعدادًا للموت. فهذا الحديث هو من الأحاديث التي تبين أن الدنيا هذه مهما طالت ومهما دخلت في قلب الإنسان، إنما تفسد قلبه، ويذهب هذا الطمع، وهذا العمل يذهبه تذكر الموت، فإنه بعد ذلك لا يضره طول الأمل، بل تذكره للموت يبين أن حياته قصيرة وأنه ينبغي أن يعمل لهذه الدار الآخرة التي هي أمله الحقيقي، العمل الحقيقي هو الدار الآخرة. من كان همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له. فهذه كلها أحاديث تجمع بهذه المعاني العظيمة، وأن الإنسان ينبغي عليه أن يتذكر الموت، يتذكر الدار الآخرة، فهذا الذي ينجيه من عذاب الله جل وعلا، وينجيه أيضًا من طول الأمل الذي يصده عن سبيل الله ويشغله عن طاعة الله جل وعلا. والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.