الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 282، ألقاها
المقطع يتحدث عن رواية الإمام أحمد لحديث "لا تسبوا الدهر" وعن ترجمة لبعض الرواة مثل سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي. كما يتناول تفضيل الإمام أحمد لبعض الرواة في رواية سفيان الثوري.
يروي المقطع قصة سفيان الثوري عندما طلب أبو جعفر المنصور توليته القضاء ورفض سفيان ذلك وأظهر الجنون وهرب إلى اليمن ومكة. يحكي المقطع تفاصيل هروبه ومحاولات أبي جعفر للقبض عليه.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر لأن الله هو الذي يقلب الليل والنهار، والدهر هو ظرف للحوادث وليس الفاعل الحقيقي. هذا يدل على أهمية احترام قدر الله وتقديره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد البصري الإمام الحافظ، حافظ أهل البصرة وإمامهم، عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد، وهو أوثق الناس في سفيان الثوري، وأثقهم في سفيان خمسة: عبد الرحمن بن مهدي، وهو، وكيع، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، خامسهم أبو نعيم. وزاد يحيى سادسهم أبيض بن إبراهيم الأشجعي. يحيى بن معين يزيد سادسا، وهو أبيض بن إبراهيم. أوثق من روى عن سفيان الثوري، وأثقهم عبد الرحمن بن مهدي. قال عن سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، إمام من أئمة المسلمين، كان حافظا للحديث، وفقيها، وعابدا، وزاهدا في الدنيا، رحمه الله. كان كل هذه الأشياء فيه، كان محدثا ليس عنده إلا الحديث. أنا كان كما قال بعض أصحابه: ظاهر أنه ابن المبارك، كنا إذا جلسنا إلى سفيان فليس معه إلا "حدثنا" و"أخبرنا"، ليس معه إلا "حدثنا" و"أخبرنا"، معنا مجالسته علم. وسفيان أيضا كذلك رجل من أهل الخوف، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: كنا نجلس إلى سفيان وكأن النار بين يديه. قال: كنا نجلس إلى سفيان وكأن النار بين يديه، رحمه الله. قال عن عبد العزيز، يعني ابن رفيع، وهو المكي، عبد العزيز بن رفيع المكي الطائفي، أنه كان مكي أصله، جلس في الطائف فترة، ثم نزل الكوفة، وأنا آخر عمره كان في الكوفة وتوفي بها. قال عن عبد العزيز، يعني ابن رفيع، عن عبد الله بن أبي قتادة، هو من ثقات أهل المدينة، عبد الله بن أبي قتادة من ثقات أهل المدينة ومن علمائهم، قال عن أبيه، أبو قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". قال: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان به. الإمام أحمد في رواية عنه فضل وكيعا على عبد الرحمن في سفيان. جاءت رواية عن الإمام أحمد أنه فضل وكيعا على عبد الرحمن في سفيان الثوري. لكن جاء تفسير هذه الرواية أن الإمام أحمد سئل عن عبد الرحمن وعن وكيع أيهما أفضل؟ قال: وكيع. قال وكيع مع أنه يحب عبد الرحمن كثيرا، لكن قال وكيع، وفضل، ثم قال: كان عبد الرحمن له صاحب فولي القضاء فلم يتركه، وكان وكيع له صاحب وولي القضاء فتركه. أنا من هذا فضله من هذه الحيثية، لأن السلف كانوا يكرهون القضاء ويبتعدون عنه لأنه خطير. فقد جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين". فلهذا كان يهربون العلماء منه. بل الذي أخرج سفيان الثوري من الكوفة هو هذا القضاء، لما طلبه أبو جعفر المنصور، طلب سفيان فأراد أن يوليه القضاء فرفض سفيان، ثم إنه عمل أنه مجنون، لما أدخل على أبي جعفر كان يقول: فيها بول، فيها بول، يريد كأنه مجنون حتى يرفضه أبو جعفر فتركه. ثم أرسل إليه أراد منه أن يأتي، فذكر له تولية القضاء، فقال: انتظرني إلى غد، أنا أعطني مهلة إلى غد. وفي الليل حمل سفيان ثيابه وزاده وخرج من الكوفة وخرج من العراق كله وذهب إلى اليمن وجلس في اليمن فترة عند معمر، ثم خرج من عند معمر ورجع إلى مكة. وأراد أبو جعفر أن يأتي به وأيضا أرسل في طلبه حتى جاء سفيان إلى مكة، فعلم أن سفيان في مكة، فأراد أن يذهب بنفسه إلى مكة فذهب أبو جعفر إلى مكة. فلما علم أبو سفيان أنه جاء، فقال له الفضيل بن عياض أو سفيان بن عيينة: لا تفتن علينا، وكذا، قال: إذا رأاك معنا سيأخذنا جميعا. فقام سفيان إلى الكعبة ودعا الله عز وجل وقال: برئت إن دخلها. فمات قبل أن يدخل مكة، مات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فنودي بموته بعد كلمة سفيان رضي الله عنه ورحمه الله. وإن كانت كلمة عظيمة، لكن العلماء احتملها على القسم، أنه أقسم على الله أنه لا يدخل مكة فلم يدخلها. قال وكيع عن سفيان. وأخرجه الطبراني في الدعاء، فقال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد العزيز، وهو البغوي، إمامنا إمام المسلمين، وهو صاحب كتاب "الجعديات"، صاحب جزء "الجعديات"، وهو من الأجزاء العالية، رواها علي بن عبد العزيز عن علي بن الجعد عن شعبة وغيره. قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان به. أن هذه كلها متابعات، وكيع يتابع عبد الرحمن، وكيع يتابعهما أبو نعيم. قال: وأخرجه عبد بن حميد في "المنتخب"، فقال رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان به. فهذا الحديث حديث صحيح من الأحاديث الصحيحة التي هي على شرط الشيخين البخاري ومسلم. وهذا الحديث هو في البخاري وفي مسلم كذلك عن أبي هريرة. وقد رواه عن أبي هريرة جماعة من الصحابة من التابعين، رواه سعيد بن المسيب، رواه العرج، ورواه أيضا غيرهما. وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة أنه قال: قال الله عز وجل: "أنا الدهر، يؤذيني ابن آدم فيسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار". وهنا جاء مختصرا: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". وإنما الله هو الدهر لأنه هو الفاعل أصلا، وليس من أسماء الله عز وجل الدهر كما ظنه ابن حزم. وقد خالف مذهبه في هذا، مع أنه ينفي كثيرا من الأسماء والصفات، إلا أنه أثبت اسم الدهر لله عز وجل، وهذا ليس بصحيح. لأن الله عز وجل قال: "أقلب الليل والنهار"، فعنا الدهر لأنه سبحانه هو الفاعل له. والدهر إنما هو الزمان، فهو ظرف للفعل، للحوادث. والله عز وجل هو الفاعل حقيقة. فالذي يسب الدهر فهو الذي يسب كأنه يسب الله جل وعلا. "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". وجاء كما قلنا في الصحيحين: "أنا الدهر أقلب الليل والنهار"، يقلب الليل والنهار، فربنا جل وعلا هو الذي يقلب الليل والنهار، الحوادث، حوادث الليل والنهار بإذنه سبحانه وتعالى، وهو الفاعل سبحانه وتعالى. والدهر إنما هو كما قلنا محل لوقوع هذه الحوادث، فليس هو اسما لله عز وجل كما بينه شيخ الإسلام وغيره، وإنما هو معناه. قال الله عز وجل: "أنا الدهر"، لأنه هو الفاعل الذي يسب الدهر كأنه يسب الله جل وعلا لأنه الفاعل حقيقة. وأيضا كذلك ليس في حجة للذين قالوا: "وما يهلكنا إلا الدهر". لأن أولئك كانوا ملحدين ينكرون الله عز وجل، وقالوا: "إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"، أي الزمان. وهذا فيه إنكار لله عز وجل أنه يميتهم، وإنما قالوا: يهلكنا الدهر، الزمان، نمكث فترة ثم يفنينا الزمان. وهؤلاء أنكروا أن الله عز وجل هو الذي يميتهم، وهذا هم كفار. وهؤلاء يسمون الدهرية. قديما كانوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بقي بعدهم أيضا من أولئك الذين كانوا ينكرون وجود الله جل وعلا أو ينكرون البعث. فوجد من بعض اليونانيين أنه منهم من كان ينكر الله عز وجل وينكر وجوده كالسفسطائية. وكذلك حتى أرسطو -أرسطو وهو المعلم الأول كما يقولون- ما كان يثبت وجود الله جل وعلا، إلا سقراط، وهو عالم العلماء اليوناني، كان في كلامه إثبات وجود الله عز وجل، بل فيه كلامه توحيد، في كلامه توحيد. أما أرسطو وأرسطاطاليس وغيرهم من هؤلاء فما كانوا يؤمنون بالله جل وعلا، بل إنهم ملاحدة. لهذا يسميهم شيخ الإسلام ملاحدة اليونان، يريد أن يفرق بين أرسطاطاليس وبين سقراط، أن سقراط كان يقول بالتوحيد. فالمهم أن هناك وجد هؤلاء ممن كان ينكر وجود الله، وكذلك أولئك الدهرية كانوا أيضا قد وجدوا، فمنهم من ينكر وجود الله، ومنهم من ينكر البعث والموت، أن الموت ليس من الله، والذي يميت الناس ليس الله عز وجل، وإنما الدهر والزمان يبيدهم. فأنكر الله عز وجل في الآية على أولئك، وفي هذا أنكر على بعض المسلمين أو بعض أهل الإسلام ممن يسب الزمان. فهذا الزمان نحس، لعنة الله مثلا، يقول على كذا يسب، أو بمعنى بأي شيء يسب شيء من الزمان أو من اليوم أو من غيره، فهذا لا يجوز. وهذا أيضا كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي لثبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: "يؤذيني ابن آدم فيسب الدهر"، هي أذية لله سبحانه جل وعلا. فقال في هذا الحديث: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". طيب إن شاء الله نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.