الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع سبب نزول الآية في سورة الأحزاب بشأن زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة، حيث أمر الله بنسب الموالي إلى آبائهم الحقيقيين. ويؤكد الشيخ تحريم انتساب الشخص إلى غير أبيه الشرعي لما فيه من كذب وظلم وضياع للحقوق.
يذكر المقطع سبب نزول الآية الكريمة في أنس بن النضر الذي غاب عن بدر فعاهد الله على الجهاد، فقاتل في أحد حتى استشهد وبه بضع وثمانون ضربة. وتبرز القصة صدق الصحابة في الوفاء بعهدهم مع الله تعالى.
يستعرض المقطع تفاصيل استشهاد أنس بن النضر وتمثيل المشركين به، وربط ذلك بثناء الآية على صدق المجاهدين. ثم يفند شبهة الخوارج المجيزين للعمليات الانتحارية بالتفريق بين اقتحام العدو طلباً للشهادة وقتل النفس عمداً بالتفجير.
يشير المقطع إلى وجود فرق واضح بين المسألتين المطروحتين، وأن الاستدلال الخاطئ ناتج عن قصر علم القائلين بها. ويختم بالتأكيد على أن كبار العلماء قد ردوا على هذه الشبهات والاكتفاء بما ذُكر والله أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى أنزل الله: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾. قال: الحديث. قال الحافظ ابن كثير: أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن موسى بن عقبة به. قال: وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وأحمد وعبد الرزاق والدارمي وابن الجارود عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتت سهلة بنت سهيل بن عمر، كانت تحت أبي حذيفة بن عتبة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن سالماً يدخل علينا، وإنا فضل، وإنا كنا نراه ولداً، وكان أبو حذيفة تبنّى كما تبنّى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، فأنزل الله: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾. الحديث. فَلَعَلَّ الآية نزلت فيهما معاً، والله أعلم. ومعنى الحديث الأول، حديث عبد الله بن عمر: عبد الله بن عمر يقول: إن زيد بن حارثة مولى رسول الله، يعني ليس ولداً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما كان مولى من الموالي، فكان أهل الجاهلية ينسبون مواليهم إليهم، وهو ما يسمى بالتبني، فيتبنونهم فلا ينسبونهم إلى آبائهم بل إلى أسيادهم، فكان زيد بن حارثة يدعى زيد بن محمد، يعنون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنهى ربنا عز وجل المسلمين عن هذا التبني، نهاهم عنه، فقال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾، يعني أعدل عند الله، لأن ما فيه كذب، وما فيه انتساب هذا المولى إلى غير أبيه، فهذا هو العدل، أن كل واحد ينسب إلى أبيه، وإن كان مولى، وإن كان مولى، فكان أهل الجاهلية ينسبون مواليهم، ينسبون مواليهم إليهم، فيكونون مثل أولادهم، يعني يدخل عليهم ولا يحتجبون منه، ويخالطهم كأنه ابن من أبنائهم، كأنه ابن من أبنائهم، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وقال في هذه الآية: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ﴾، أي ادعو هؤلاء الموالي لآبائهم، فلان بن فلان بن فلان، يذكر اسم أبيه، ﴿ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾، فإن لم تعلموا آباءهم، بعض الموالي ربما لا يعلم من هو أبوه، ﴿ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾، يعني يكونون كالإخوة لكم وموالي لكم، وليسوا في منزلة الأبناء. فإذا هذه الآية أفادت أن سبب نزولها كان فيما يدعى زيد بن حارثة لزيد بن محمد، فنزلت في زيد بن حارثة، وأفاد حديث آخر، حديث عائشة الذي أشار إليه الشيخ، أن هذه الآية نزلت في مولى أبي حذيفة بن عتبة، وهو سالم، فأتت سهلة بنت سهيل بن عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت زوجة لأبي حذيفة بن عتبة، فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن سالماً يدخل علينا، وإنا فضل، أرادت والله أعلم يعني أنه مولى لنا تفضلنا عليه وليس ابناً لنا، وإنا كنا نراه ولداً، ومعنى كنا نراه ولداً يعني نعامله معاملة الولد من الدخول علينا ومن الاختلاط بنا ونحو ذلك، وكان أبو حذيفة تبنّى كما تبنّى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، فيدعى سالم بن أبي حذيفة بن عتبة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾. فجمع شيخنا بين الحديثين، فقال: فلعل الآية نزلت فيهما معاً، فنزلت في زيد بن حارثة وفي سالم مولى أبي حذيفة. وهذا يتكرر معنا أن الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من سبب نزول، أكثر من سبب نزول. وهذا الحديث فيه هذا الحكم: أن الشخص لا يجوز أن ينسب إلى غير أبيه، لا يجوز أن ينسب إلى غير أبيه، ولا إلى غير جد، ولا إلى غير قبيلته، لأن هذا فيه من الكذب، وفيه من الظلم، وفيه من ضياع الحقوق ونحو ذلك، فينسب العبد إلى أبيه، وإلى أجداده، وإلى قبيلته. وما يفعله البعض من تغيير جده أو أبيه أو قبيلته بمقصد دنيوي كحصول على إقامة أو جنسية أو كذلك معروض أو نحو ذلك، فقد أفت العلماء بتحريمه، وأنه داخل في انتساب الرجل إلى غير أبيه، أو إلى غير أجداده وقبيلته. والشرع حكيم، فيه من هذه النواهي مبنية على الحكمة والمصالح، والمصالح، فإن انتساب الرجل إلى غير أبيه يؤدي إلى ضياع الحقوق، فلربما يدخل في إرث من انتسب إليه وليس له شيء في هذا الإرث، فيضر على الورثة ويأخذ المال بغير حق، وفيه كذلك ربما إثبات المحرمية، إثبات المحرمية، فلو مثلاً انتسبت إلى رجل، أنت اسمك عبد الله بن محمد، أبوك اسمه محمد، فلمقصد دنيوي غيرت من عبد الله بن محمد إلى عبد الله بن سعيد، فصرت ابناً لسعيد وأنت لست كذلك، فلو كانت معه بنت أو زوجة، صارت هذه الزوجة أماً لك، وهذه البنت أختاً لك، فلربما تكون محرماً لها في سفر أو نحو ذلك، وهذا لا يجوز، وقد وقع شيء من ذلك في بعض من انتسب إلى غير أبيه، فهذا لا يجوز، وقد استفتي العلماء في من يفعل ذلك، فعد ذلك من التبني، ومن ما نهى الله عز وجل عنه. هذا معنى هذه الأحاديث، والله تعالى أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن حميد، قال: سألت أنساً، قال: وحدثني عمر بن زرارة أو زرارة عن زياد، قال: حدثني حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر، أنس بن النضر، عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن، لئن الله أشهد قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، ورب النضر، إني، إني أجد، أجد ريحها من دون أحد. فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ لآخر الآية. قال: هذا الحديث ذكره أيضاً في كتاب التفسير عن البخاري مختصراً بسند آخر ينتهي إلى أنس. وقال الحافظ في الفتح، والحافظ ابن كثير في التفسير: وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من رواية ثابت عن أنس، وأخرجه أحمد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية، وعبد الله بن المبارك في الجهاد. ومعنى هذا الحديث: يخبر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن عمه أنس بن النضر غاب عن قتال بدر، والسبب في هذا الغياب أن النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج إلى بدر، ما خرج للقتال، فما استنفر جميع المسلمين، وإنما خرج لاعتراض قافلة قريش، فخرج معه العدد القليل من المسلمين، وجعل الأمر بالاختيار، فبذلك ما خرج أنس بن النضر في غزوة وقتال بدر. فقال أنس: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، يعني بدر، ثم أخذ على نفسه عهداً، فقال: لئن الله أشهدني قتال المشركين، يعني في غزوة أخرى، ليرين الله ما أصنع، يعني أنني سأقاتل قتالاً شديداً، وسأثخن في المشركين، فهذا معنى قوله: ليرين الله ما أصنع، أو ليرين الله ما أصنع، عندكم بالضم أو بالفتح، ليرين، هذا الصواب من الفعل، قري: ليرين الله ما أصنع، يعني أنني سأثخن في المشركين، وسأقتل فيهم قتلاً ذريعاً، وقد وفى رضي الله تعالى عنه بعهده. فلما كان يوم أحد، يعني في غزوة أحد، ومعروف غزوة أحد كان في أول الأمر النصر للمسلمين، فلما خالف الرماة أمر النبي عليه الصلاة والسلام، نزلوا من أماكنهم، فالتف المشركون خلفهم، فكان ما كان من اشتداد الأمر على المسلمين، وهذا معنى قوله: وانكشف المسلمون. معنى انكشف المسلمون: أي انهزموا، عبر عن الانهزام بلازمه، عبر عن الانهزام بلازمه، لأنهم كانوا ساترين وجه العدو، كانوا ساترين وجه العدو، فلا يستطيع العدو أن يقرب منهم، فلما انكشف المسلمون، يعني صاروا مكشوفين للمشركين. قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، ومعنى أعتذر إليك: أي لا تؤاخذني بما فعلوا، لأني لم أرضَ بما فعلوا، لأنهم رضي الله تعالى عنهم جاءهم العدو فأثخن فيهم، فكأنه لام أصحابه: كيف لا يقابلون العدو ويهزمون العدو؟ فقال: إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، أي لا تؤاخذني بما فعلوا، لأني لم أرضَ بما فعلوا، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، أتبرأ من فعلهم، وهو قتال المسلمين، وعداوتهم للمسلمين، وقتالهم للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فإنني أبرأ من هذا، أبرأ من هذا الفعل وهذا الصنيع، هذا معنى قوله. ثم تقدم، يعني نحو العدو، تقدم أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه نحو العدو، فاستقبله سعد بن معاذ، يعني أراد أن يحجزه وأن يمنعه من التقدم، فقال أنس لسعد: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، ومعنى الجنة: يعني إني أجد رائحة الجنة، كما قال: إني أجد ريحها من دون أحد، يعني أشم ريحها. واختلف العلماء في قول سعد، في قول أنس هذا، هل هو يريد بهذه الريح على وجه الحقيقة، أي أنه يشم ريح الجنة حقاً وصدقاً وحقيقة؟ هذا احتمال، وقول قال به كثير من أهل العلم، وهو الصواب، وهذه كرامة أكرم الله عز وجل بها أنس بن النضر، كرامة أكرمه الله بها أنه شم ريح الجنة. وذكر ابن عثيمين أن هذا تقع لبعض عباد الله الصالحين، وأنها من الكرامات التي يكرم الله عز وجل بها بعض أوليائه، بعض أوليائه. وبعض أهل العلم ذكر أنه يحتمل أن يكون استحضر الجنة، استحضر الجنة، وليست هي على الحقيقة، لكن القول الأول هو الأظهر، وهو كذلك الأقوى، إذ أن الله عز وجل يكرم أولياءه، يكرم أولياءه. وقوله: قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، يعني أنني ما قدمت معه، وما استطعت أن أصنع فعله وأفعل فعله. قال أنس راوي الحديث، أنس بن مالك: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة، يعني قتل رضي الله تعالى عنه بعد قتال مع المشركين، قتل أنس بن النضر، فوجدوا فيه بعدما انتهت المعركة بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعناً برمح، أو رمياً بسهم، وهذا دليل على أنه أثخن في العدو حتى انتقم منه هذا الانتقام، فمثلوا به، وإذا قالوا: ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، والتمثيل هو تشويه الميت بقطع أعضائه كقطع الأنف مثلاً والأذنين والأطراف حتى لا يعرف، ولذلك قال: فما عرفه أحد، وأنهم يعرفونه من قبل، لكن بسبب التمثيل الذي مثل به المشركون، ما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، يحتمل أنهم دعوها وطلبوها حتى تتأكد أو يتأكد من جثته، ويحتمل أنها كانت معهم في الغزو، وأخته الربيع بنت النضر، فيحتمل أنها معهم في المعركة، لأن النساء كن يخرجن فيداوين الجرح، ويسقين العطش، ونحو ذلك، فما عرف واحد إلا أخته ببنانه، البنان هي أطراف الأصابع، أطراف الأصابع، أي أنها لأنه أخوها عرف ذلك بالشبه، لأن بنانه يشبه بنانها، فعرف ذلك بالشبه. ثم قال: أنا كنا نرى أو نظن، هذا شك من الراوي، أن هذه الآية نزلت فيه، نرى: يعني نعلم، وكأنه هنا بمعنى العلم، ونظن: يعني بمعنى الشك، الظن الراجح، يعني شك في ذلك، لكنه راجح، لكنه راجح، لأن الظن تأتي بمعنى العلم، وتأتي بمعنى اليقين، لكن لما عطفت بالفعل نرى الذي يدل على العلم، دل ذلك على أن الظن هنا يراد به الراجح، ليس العلم. وقال: نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾. رجال: يعني من الصحابة، ولفظة رجال هنا تدل على المدح، فالرجل من صفاته الوفاء بالعهد، ومن صفاته الجهاد في سبيل الله، ومن صفاته القوة، وكل معاني الرجولة يشملها هذا اللفظ. ﴿ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾، يشير إلى قول أنس بن النضر: لئن الله أشهدني قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع، هذا عهد أخذه أنس على نفسه قبل هذه الغزوة، قبل هذه الغزوة، فوفى بعهده، وفى بعهده، وخرج وقاتل قتالاً شديداً حتى قتل، رضي الله تعالى عنه وأرضى. ﴿ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ﴾، يعني منهم من جاءه أجله، ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ﴾، هو معاهد لله عز وجل، وكذلك صادق في جهاده، فهو ينتظر الشهادة، ينتظر الشهادة. ﴿ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾، ما بدلوا ولا غيروا، فهم على العهد الذي أخذوه على أنفسهم من نصرة دين الله، ومن الجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. هذا معنى هذا الحديث وهذه الآية، والحديث فيه فوائد: فمن فوائد هذا الحديث صدق أنس بن النضر، وقوة إيمانه، وكذلك جهاده في سبيل الله عز وجل. ومن فوائد هذا الحديث أن المسلم يتلطف في ألفاظه، فانظر ما قال: لما كان يوم أحد وانهزم المسلمون، قال: وانكشف المسلمون، عبارة ما فيها يعني شيء من النكارة أو الشدة أو نحو ذلك، وعرفنا ما معنى انكشف: انكشف يعني انهزم، عبر عن الانهزام بلازمه، لأنهم كانوا ساترين وجه العدو. ومن فوائد هذا الحديث كذلك: يستدل العلماء بهذا الحديث على كرامات، إثبات كرامات الأولياء، فمما أكرم الله عز وجل به أنس بن النضر أنه وجد ريح الجنة وهو في الدنيا: إني أجد ريحها من دون أحد. ومن فوائد هذا الحديث كذلك: شدة عداوة المشركين للمسلمين، فانظر ماذا فعلوا بأنس، فعنه قد قتل، ومع هذا ضربوه هذا الضرب الشديد، ومثلوا به، بضعاً وثمانين ضربة، البضع يطلق من الثلاثة إلى التسعة، انظر: إما ضرب بسيف، أو طعن برمح، أو رمي بسهم، ما اكتفوا بقتله فحسب، بل بشدة ضربه والتمثيل به، والتمثيل به. وفي هذا الحديث أيضاً: ثناء الله عز وجل على الصحابة، وهذا تعديل لهم: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ﴾، من هؤلاء الرجال؟ إنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فزكاهم الله عز وجل، وأثبت لهم الصدق: ﴿ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾، صدقوا، فهذا كله تعديل وثناء من الله عز وجل للصحابة رسول الله، فهذا تعديل وثناء من الله عز وجل لصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقاتل الله الرافضة الذين يسبون الصحابة، ويطعنون فيهم، ويرمون بما هم منه براء، فنسأل الله أن يعجل بزوال الروافض الباطنية الحوثية وغيرهم. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أن المؤمن له أن يدخل بين العدو ولا يفر، فالله عز وجل أثنى على أنس بن النضر، مع أنه رضي الله تعالى عنه تقدم وحده ودخل وسط العدو. وهل في هذا دليل للخوارج الذين يجيزون العمليات الانتحارية، يفخخون شخصاً ويدخلونه وسط العدو، بزعمهم يقولون: انظر أنس بن النضر دخل وسط العدو، وهذا المفخخ يدخل وسط العدو؟ فالجواب: أن هناك فرقاً بين فعل أنس وبين فعلهم، فأنس بن النضر ما قتل نفسه، هل أنس طعن نفسه حتى مات؟ لكن هذا المفخخ يقتل نفسه. قد يقول قائل: وأنس أيضاً عارف أنه سيقتل، يقال: نعم، سيقتل من العدو، وقد لا يقتل، ينتصر، فالمطلوب من المؤمن أن يقاتل العدو، إما أن يقتلهم وينتصر عليهم، وإما أن يستشهد، أما أن يقتل نفسه، فهذا أفتى العلماء أنه من قتل النفس. هذا على فرضية أن الذي يفجرونه عدو كافر، أما حالهم الآن، هؤلاء الخوارج، أنهم يرسلون هذا المفخخ في مسلمين، ما هم كفار، وإنما لسوء منهجهم وطريقتهم وانحراف، كذلك منهجهم يكفرون المسلمين، فيفجرون المسلمين، ويقتلون المسلمين، تكفير ثم تفجير، ثم كذلك قتل وقتال للمسلمين، ففرق بين هذا وذاك، فرق بين هذا وذاك، فاحذروا بارك الله فيكم من دعاة التكفير والتفجير، وكونوا على منهج أهل السنة وعلماء السنة. كم حذر العلماء من هؤلاء الخوارج، سواء كان هؤلاء الخوارج من علمائهم ودعاتهم الذين يهيجون أتباعهم على هذه الأفعال وهذه الأعمال، أو كان ممن يقاتل في صفوفهم، فإن الخوارج على قسمين: خوارج قعدية يهيجون وينظرون ويغررون بالشباب، وأولاً دعاتهم ممن لهم المحاضرات ولهم الدروس، وهذا أمر علم عنهم ومسموع في أشرطتهم، أو كذلك من هم في القتال والميدان، ما يسمى بداعش، أو بالقاعدة، أو كذلك غيرهم ممن هم في الميدان ويقتلون أهل الإسلام. ففرق بين هذا وذاك، وما استدلوا بهذا إلا لقصر علمهم، وإلا فكبار العلماء قد ردوا على هذه الشبه في مواضع كثيرة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.