الصحيح المسند من أسباب النزول  54

الصحيح المسند من أسباب النزول 54

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول الآيتين 75-76 ومثل العبد المملوك والرجلين

يستعرض المقطع سبب نزول الآيتين 75 و76 من سورة النحل كما رواه ابن عباس، حيث ضرب الله مثلاً بالعبد المملوك العاجز والرجلين أحدهما أبكم والآخر على صراط مستقيم. يبين أن الغرض من المثل إثبات العبادة لله وحده وبيان بطلان عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع كحال العبد المملوك.

تفسير مثل الرجلين ومنهجية ضرب الأمثال في الدعوة

يشرح المقطع دلالة مثل العبد المملوك والرجل الآمر بالعدل مبيناً تطبيقه على مولى عثمان بن عفان وعثمان نفسه لتوضيح استحالة تسوية الخالق بالمخلوق. يؤكد على أهمية ضرب الأمثال كأسلوب تربوي فعال في الدعوة والتعليم لتقريب المعاني وإبطال البدع.

رد شبهة تعلم النبي ﷺ من غلامين أعجميين وتفسير آية النحل 103

يتناول المقطع ادعاء مشركي قريش أن النبي ﷺ يتعلم القرآن من غلامين أعجميين هما يسار وجبر، فيرد الله تعالى بآية ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. يوضح المقطع بطلان الشبهة لاختلاف اللسانين، ويثبت الحديث بمجموع طرقه كدليل على افتراء أهل الباطل ورد الله بالحجة الواضحة.

منهج القرآن والسنة في رد الشبهات وكشف زيفها

يبيّن المقطع كيفية تصدي أهل الحق للشبهات التي يثيرها المبطلون لكشف زيفها وحماية الناس من الاغترار بها. يشير إلى أن القرآن الكريم احتوى على العديد من أمثلة ذكر شبه المشركين والرد عليها تفصيلاً، مستشهداً بسبب نزول آية في هذا السياق لتأكيد المنهج الرباني في المواجهة بالحجة والبرهان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدثنا ابن الصباح البزار، قال: حدثني يحيى بن إسحاق السليحين -أو السيلحين-، قال: حدثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يعلى بن أمية، عن ابن عباس، في قوله عز وجل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، قال: نزلت في رجل من قريش وعبده. وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قال: هو عثمان بن عفان. قال: الأبكم، والأبكم الذي أينما يوجه لا يأتي بخير، ذاك مولى عثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح. أولاً: هذا الحديث فيه سبب نزول آيتين، فيه سبب نزول آيتين: الآية الأولى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، الآية رقم خمسة وسبعين، والآية الثانية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾، الآية رقم ستة وسبعين. فهذا الحديث جمع سبب نزول الآيتين، جمع سبب نزول الآيتين. معنى الحديث: قوله عز وجل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، قال: نزلت في رجل من قريش وعبده. يعني قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، يعني مملوكاً لهذا الرجل الذي هو من قريش. ولكن المراد بهذه الآية الوصول إلى أمر مهم جداً، وهو إثبات العبادة لله سبحانه وتعالى وحده. فالله عز وجل يضرب الأمثال، الله عز وجل يضرب الأمثال لتقريب المعنى ليعقل الناس ما أراد الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. فأنت تجد في القرآن وكذلك في السنة كثيراً من الأمثال يضربها ربنا عز وجل، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمراد من ذكر هذه الأمثال تقريب المعنى ليعقل الناس ما أراد الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك هذان المثالان: المثال الأول: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، يعني من البشر يملكه سيد وشريف من الشرفاء. هذا العبد المملوك لا يقدر على شيء لأنه ضعيف، لأنه ماذا؟ ضعيف. فهو يأتمر بأمر سيده، وما يكسبه من مال يرجع إلى سيده، فهو لا يقدر على شيء، ضعيف. فهل هذا يستوي مع ذاك الرجل أو ذلك الرجل، وهو قول تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؟ ما المراد بمن رزقناه منا رزقاً حسناً؟ أي السيد، فرزقه الله عز وجل بالمال، فاشترى هذا العبد ليخدم ويقوم بأعماله. فهل يستويان؟ أبداً. ذاك ضعيف وهذا شريف، ذاك يملك المال وهو السيد، والعبد والمملوك لا يملك المال. فإذا هل يستوون؟ لا يستوون. فالله عز وجل... وهذا كما جاء عن مجاهد رحمه الله تعالى أنه قال في هذه الآية: هو مثل مضروب للوثن وللحق، مضروب للوثن وللحق. فهذه الأوثان وهذه المعبودات الباطلة التي تعبد من دون الله، هل تقدر على شيء؟ هل تقدر أن ترزق؟ هل تقدر أن تشفي؟ هل تقدر على أن ترزق؟ أبداً ما تستطيع ذلك. فإذا هذه مخلوقات ضعيفة مملوكة لله سبحانه وتعالى، فهل تستوي هذه المعبودات الباطلة مع الإله الحق الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويملك ونواصي العباد بيده سبحانه وتعالى؟ هل يستوون؟ لا يستوون. فهو كما قال مجاهد رحمه الله تعالى: أنه مثل مضروب للوثن وللحق. فهل يستوي هذا وهذا؟ لا يستويان مثلاً. لذلك قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وقلنا: يحمد الله عز وجل لكماله ولإنعامه سبحانه وتعالى. فالذي يملك ويخلق ويرزق هو المستحق للعبادة، فهو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى سبحانه وتعالى. ولذلك الأنبياء لما يدعون أقوامهم يبينون لأقوامهم ضَعف آلهتهم وأنها لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت. فهذا إبراهيم يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. فهذا مثل ضرب للوثن والحق سبحانه وتعالى. وإنما نزلت في هذا الرجل من قريش وعبده لتقريب المعنى، وأن هذا أمر محسوس يشاهده الناس بين المخلوقات. فلله المثل الأعلى. إذا أتيت عند أي... عند أي إنسان وقلت... وقلت له: هذا عبدك، قال: نعم، هذا عبدي، أنا أملكه. فإذا... فإذا قلت لهذا السيد: هل هذا العبد وهذا المملوك تسمح له... تسمح له بأن يأخذ من مالك ما شاء، وأن كذلك ينوبك؟ فإذا أراد أحد شيئاً أذن له هذا العبد، أل... تستطيع أن يتصرف في ملكك؟ وفي الطاعة يطاعك طاعتك؟ هل سيرضى بهذا السيد؟ ما سيرضى بهذا، يقول: لا، هذا ليس له صلاحية، هذا عبد مملوك، حسبه أن يعمل وأن يطيع لسيده. هذا هو مقداره وهذه هي قيمته. فلله المثل الأعلى: العباد ما هم إلا مخلوقون لله عز وجل، فمن الظلم أن يعطوا حق الألوهية أو حق الربوبية أو حق الطاعة المطلقة أو نحو ذلك. فهذا مثل واضح يبين بطلان عبادة غير الله وإثبات هذه العبادة لله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا في قوله في الآية الثانية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. جاء في هذا الحديث أن قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قال: هو عثمان بن عفان، الخليفة الثالث الراشد من الخلفاء الراشدين. قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير، ذاك مولى عثمان بن عفان. وستفهم معنى هذا إذا فهمت معنى الآية. فقال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾، أيضاً هذا المثال لتقريب المعنى ليعقل الناس ما أراد الله سبحانه وتعالى، وهو أسلوب من أساليب التعليم. ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، يعني لا يفهم، ولذلك قال: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، يعني لا يقوم بما أريد منه، لا يقوم بما أريد منه من عمل، فهو عاجز. ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، يعني على سيده، والكل: أي أنه كلفة على مولاه، فهو يعيله وينفق عليه. ومع هذا لا يستفاد منه: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، يعني أينما يبعثه ويرسله إلى مهمة، إلى عمل، لا يأتي بخير، يعني لا ينجح في مسعاه وفي عمله، لا ينجح. انظروا إلى هذا الوصف: عبد مملوك عاجز، لا يبعد في مهمة أو في عمل إلا وهو يفشل، ولا ينجح في القيام بهذه المهمة. هل يستوي هذا مع ذاك الذي ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، يعني بالقصد؟ فمقاله حق وأفعاله مستقيمة: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، على الحق المبين. فهل يستوي الأول والثاني؟ لا يستويان. وهذا أيضاً قال فيها مجاهد: المراد به... يعني مثل مضروب، فيراد به الوثن والحق سبحانه وتعالى. والمعنى: هل يستوي من رزق العلم والهدى في الأقوال والأفعال كذاك الذي لا يفهم ولا كذلك ينجح في مسعاه؟ هل يستويان؟ لا يستويان. فهكذا لا يستوي الكامل مع الناقص. فالله عز وجل قد كمل في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وأما المخلوق فهو ناقص، فهو ناقص. فكيف يعبد الناقص ويشرك بالكامل؟ فهذا أيضاً مما يقرب المعنى. ففي الآية أيضاً إثبات العبادة لله وحده، ونفيها وبيان بطلانها مع كل ناقص من المخلوقات. ففيه هذا المعنى. ولذلك قال كما تقدم مجاهد: قال المراد به الوثن والحق سبحانه وتعالى. وإنما ضرب هذا المثال لتقريب المعنى. فهذا الرجل الكل هو ذلك العبد الذي جاء هذا وصفه، مولى عثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة. وهذا حال المخلوق: الله عز وجل يرزقه، وكذلك يحفظه، ومع ذلك فهو يتمرد على خالقه ويعصي ربه ويعبد غير الله سبحانه وتعالى. قال: وكان الآخر، يعني هذا العبد، يكره الإسلام ويأباه وينهاه، يعني ينهى عثمان عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. نزلت فيهما. فإذن المعنى واضح. وكما تقدم أن الله عز وجل يضرب الأمثال لتقريب المعنى. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن من أسلوب التعليم ضرب الأمثلة، فينبغي للداعية والمدرس أن يستخدم ذلك في دعوته، يضرب للناس الأمثال ليقرب لهم المعنى. مثلاً: إذا أراد أن يثبت لهم... أن يثبت لهم مثلاً بطلان البدع، بطلان البدع، وأنه لا يجوز الابتداء في الدين، لا يجوز الابتداء في الدين، فتقول له مثلاً: أرأيت لو أنك عامل عند مدير أو عند وزير، فقال لك: اعمل كذا وكذا وكذا، لا تزد على هذا ولا تنقص، فأنت خالفت ذلك وزدت أو أنقصت، فماذا يكون حال هذا الوزير أو ذاك المدير؟ أليس يعد ذلك نقصاً في حقه؟ بلى، يعد هذا نقصاً في حقه. هو يأمرك بأن تلتزم بهذا البرنامج أو بهذه التعليمات، وأنت خالفت. وهكذا الله عز وجل أرشدنا وبين لنا الطريق الذي به ننال جنته وعبادته، فمن خالف فهذا لا شك أنه نقص في حق المخالف. بهذا تقرب لهم المعنى، تقرب لهم المعنى، تضرب لهم هذا المثال. وهكذا في حق نبينا: تقول: أرأيت لو أرسلك شخص... أرسلك إلى مكان كذا وكذا، قال: قل مثلاً لهذه الجماعة التي هي تحت طاعتي: قل لهم: افعلوا كذا وكذا وكذا. أنت رسول، فقلت لهم: افعلوا كذا وكذا وكذا. ثم ذهبت، فخالف أولئك، خالف أمر هذا الرسول، فزادوا أشياء لم يأمرهم بها، لم يأمرهم بها. أليس هذا الفعل منهم فيه تخوين لهذا الرسول، اعتبار أنه خائن؟ إذ لم يأمرهم بهذا الشيء الذي فعلوه وهم فعلوه، بمعنى أنه لم يبلغهم ذلك، كأنهم يقولون: من أرسلك أرادنا أن نفعل هذا، وأنت لم تبلغنا، فإذن أنت خائن. فلذلك نحن فعلنا هذا وزدناه، لأننا نعلم أن من أرسلك يريد هذا، وأنت لم تخبر به، وأخبرك به ولم تبلغنا. وهكذا من يحدث البدع ويزيد، كأنه يخون الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: للرسول أمرك ربك بهذا الشيء، وأنت لم تبلغنا، فنحن نزيده. تقرب للناس هذا المعنى، وهذا من ضرب الأمثال التي بها يعقل السامع ما أردته من التحذير من البدع والمحدثات. وقس على هذا، وقس على هذا. طيب، ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. قال ابن جريج رحمه الله تعالى: حدثني المثنى، قال: حدثنا عمر بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حسين -هو ابن عبد الرحمن-، عن عبد الله بن مسلم الحضرمي، أنه كان لهم عبدان من أهل غير اليمن... عندك هكذا ارفع صوتك... أنه كان لهم عير من أهل غير اليمن... أنه كان لهم عبدان... أيها من أهل عير اليمن... شوف أنا عندي هذا خطأ وأنا في بالي أن هذا خطأ لأن المعنى لا يستقيم: عير اليمن، يعني... يعني العير الذين يقدمون لتجارة من اليمن إلى مكة للتجارة. قال: أنه كان لهم عبدان من أهل غير اليمن، وكانا طفلين، وكانا يقال لأحدهما يسار والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش: إنما يجلس إليهما يتعلم منهما. فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح إلا المثنى وابن إبراهيم الآملي. المهم: ملخص هذا الكلام الذي ذكره الشيخ أن الحديث ثابت بمجموع الطرق، ولذلك أورده هاهنا. ومعنى هذا الحديث: أنه في المرحلة المكية، وعند مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، انزعج المشركون، فأرادوا رد ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فتارة يقولون: كاهن، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: ساحر، وتارة يقولون: إنما هو أساطير الأولين اكتتبها، يعني ذهب وبحث في كتب الماضين فأتى لنا بهذا الذي أتى به. ومن هذه الشبه ما ورد في هذا الحديث: أن في مكة كان هناك عبدان من أهل عير اليمن، يعني من أهل اليمن. ومعروف أن أهل اليمن أهل الكتاب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ لما أرسله إلى اليمن: قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» الحديث. الشاهد أن أهل اليمن كانوا أهل كتاب، يعني فيهم من يقرأ التوراة وكذلك الإنجيل. فكان هذان الطفلان ممن يقرؤون التوراة، ممن يقرؤون التوراة. يقال لأحدهما: يسار، يعني اسمه يسار، والآخر اسمه جبر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهما. وليس في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام جلس إليهما يتعلم منهما أو يسمع التوراة أبداً، بل جاء في بعض الآثار أنه كان يجلس إليهما يتحدث معهما، ولعله عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى الإسلام، يدعوهم إلى الإسلام. وكان المشركون يرون ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، يرون النبي عليه الصلاة والسلام يجلس لهذين الغلامين، يجلس لهذين الغلامين. فقالوا: إذن ما يجلس إليهما، ما يجلس عند هذين الغلامين إلا لأنه يتعلم منهما، يتعلم منهما، ثم يأتي بما تعلمه ويقرأه على الناس ويقول: هذا من عند الله. هكذا قالوا. مع أن هذين الغلامين هما من الأعاجم، ممن لا يحسن اللغة العربية، لا يحسن اللغة العربية، فهما أعجميان. فكيف يتعلم منهما وهذا القرآن عربي مبين؟ وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، يعني يعلمون النبي صلى الله عليه وسلم بشر، ويريدون هذين الغلامين. فرد الله عز وجل عليهما بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾، هذا اللسان الذي زعم أن النبي عليه الصلاة والسلام يتعلمه من هذين الغلامين أعجمي، ليس بعربي، ليس بعربي، لأن الغلامين لا يجيدان اللغة العربية. فكيف يتعلم النبي عليه الصلاة والسلام من هذين الغلامين ويقول للناس: هذا من عند الله، وهو باللغة العربية؟ هذا القرآن باللغة العربية. وهذا معنى قوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي القرآن. فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن وما فيه من الفصاحة والبلاغة، وما فيه من المعاني التامة الكاملة، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ هل يعقل هذا؟ هذا الذي جاء بالقرآن العربي المبين، كيف يتعلم من غلامين أعجميين؟ إذا تعلم منهما ما سيفهم، لأنه عربي وهما أعجميان. فكيف يقولون: إنه يعلمه هذان الغلامان؟ هذا من أبطل الباطل، وهذا لا يقول به إلا المجانين. هل العاقل يقول بهذا؟ أن من أتى بالقرآن العربي المبين يتعلم من هذا الأعجمي؟ على سبيل المثال: لو أردت شخصاً أن يتعلم اللغة العربية وما يجيدها، مثلاً يجيد اللغة الإنجليزية، تريد أن يتعلم اللغة العربية، خليه جالس من أن... يمكن تذهب به عند مثلاً الفرنسيين أو عند الإندونيسيين يتعلم اللغة العربية؟ تذهب به عند العرب ومن يجيد اللغة العربية، أليس كذلك؟ بلى. فكيف هؤلاء يقولون: إنما يعلمه بشر، وهذان الذي يجلس إليهما من العجم؟ ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾، الذي يقولون أنه يتعلم منه أعجمي، وهذا القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن العربي المبين من الأعجمي؟ هذا لا يعقل، ولا يقول به إلا من فقد عقله، والعياذ بالله. هذا هو المعنى المراد من هذه الآية، وذكر الشيخ للحديث شاهداً. وفيه ألفاظ لم تذكر في الحديث الأول، فنقرأه: قال: أيضاً الحديث شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الحاكم رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسدي بهمدان، قال: حدثنا إبراهيم بن حسين، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى... أو في قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. قالوا: إنما يعلم محمداً عبد... أو عبد بن الحضرمي، وهو... وهو صاحب الكتب، يعني يحمل على أنه أحد هذين الغلامين، فذكروه بالتعبيد، وهو صاحب الكتب، يعني صاحب كتاب التوراة. فقال الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ الآية. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرج... ولم يخرج. وفي هذا الحديث، ومع ما قبله، من الفوائد: أن أهل الباطل يأتون بالشبه الواهية الضعيفة التي لا تمر إلا على من فقد عقله، كهذه الشبهة وغيرها، وغيرها من الشبه في ردهم للحق. وكما تقدم: تارة يقولون: ساحر، وتارة يقولون: كاهن، وتارة يقولون: أساطير الأولين اكتتبها، مع أنه لا يقرأ ولا يكتب عليه الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. ومع هذا يتهمون النبي عليه الصلاة والسلام بهذه التهمة، ويضعون هذه الشبهة. وفي هذا الحديث أيضاً وسبب النزول: أن الشبه لا بد أن يرد عليها، فالله عز وجل رد عليهم هذه الشبهة، وبين بطلانها. فهكذا المبطل إذا جاء بشبهة، أهل الحق ينبرون ويبينون زيفاً هذه الشبهة، حتى لا يقتر بها مغتر، ولا تنطلي على جاهل، فيبينون زيفاً وبطلان هذه الشبهة. وهذا في القرآن كثير: الله عز وجل يذكر شبه المشركين والمعاندين، ويبين الرد عليها، كهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.