الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 22، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن النعاس الذي غشى الصحابة في غزوة أحد كان رحمة وسكينة من الله بعد شدة الكرب، مستنداً إلى حديثي أبي طلحة والزبير بن العوام. كما يذكر قول المنافق معتب بن قشير الذي نزلت فيه تتمة الآيات مع تنبيه على تصحيح اسم راوٍ في الإسناد.
يستخلص المقطع فوائد غزوة أحد كسنة الابتلاء لتمييز الصادقين، وتقلب النصر والهزيمة، وكون المعصية سبباً للهزيمة، مع إبراز رحمة الله بالنعاس وإرسال الملائكة. كما يشير إلى أن الفتن تكشف معادن الناس بين إيمان ونفاق.
يبين المقطع كيف يميز الابتلاء بين المؤمنين الذين يزدادون إيماناً والمنافقين الذين يسوء ظنهم بالله، مستشهداً بغزوة الأحزاب، ويؤكد حتمية الموت وعظمة نعمة النوم. ثم ينصح بالاعتدال في النوم وفق لامية ابن الوردي بحيث لا يزيد عن نصف اليوم ولا يقل عن ست إلى ثماني ساعات.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا ﴾. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا عبد بن حميد، عندكم هكذا قال: حدثنا روح بن عبادة عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت لحافته من النعاس، فذلك قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا ﴾. هذا حديث حسن صحيح. ومعنى هذا: تعلمون ما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في غزوة أحد، لما التف المشركون على المؤمنين وقتلوا فيهم من قتلوا، وابتلي المؤمنون بلاء عظيما، وكسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وشج رأسه، فالله سبحانه وتعالى رحمة بالمؤمنين وبعد هذا الابتلاء وبعد ما وقع للصحابة من غم وشدة أنزل الله عليهم نعاسا، والنعاس هو النوم. وذكر ربنا عز وجل الحكمة من ذلك فقال: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً ﴾، فذكر من حكم هذا النعاس نزول الطمأنينة والسكينة في قلوب المؤمنين. وهذا أمر معلوم ومشاهد: الإنسان إذا كان في غم وهم وتفكير، فما هو الشيء الذي يريحه؟ أمن ينام؟ صح، حتى لحظات يسيرة إذا نام يقوم وهو ربما في حال آخر من الفرح والنشاط ونسيان ما كان من الهم والغم قبل النوم. فمن رحمة الله عز وجل بالمؤمنين أنزل عليهم هذا النعاس: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ إلى آخر الآية. فأبو طلحة رضي الله تعالى عنه يقول: رفعت رأسي يوم أحد، يعني صحا من نوم قبل الصحابة، فوجد القوم جميعا في سبات ونعاس، وهذا معنى قوله: فجعلت أنظر، ينظر إلى الصحابة، ﴿ وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ هنا حصر، يعني أن هذا النعاس نزل على الجميع، نزل على الجميع، ولذلك قال: ﴿ وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ مِّنْ أَحَدٍ إِلَّا يَمِيدُ ﴾، يميد يعني يذهب ذات الشمال وذات اليمين من النعاس والنوم. فذلك قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا ﴾. وفي سورة الأنفال قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ﴾، أمنة منه يعني من أجل الطمأنينة والسكينة في القلوب، في القلوب. هذا هو معنى هذه الآية وسبب نزول هذه الآية، وسيأتي زيادة بيان وتصريح لأن هذه الآية نزلت في أحد، وما من الله عز وجل به على الصحابة من النعاس. قال: ثم قال: وعليها إشارة نصفة. حدثنا عبد بن حميد، إذن صواب الأول عبد بن حميد، عندك في النسخة الحديث الأول: "عبد حميد" أو "عبد بن حميد"؟ الأول اللي قرأناه، أنا سألتك، قلت لي: "عبد حميد"، أنا قرأت "عبد حميد" لأن عندي هكذا وهو خطأ، فيكون الصواب "عبد بن حميد" في الأول وفي الثاني. قال: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا روح بن عبادة عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي الزبير مثله. قال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا أيضا في الترمذي، وهذه الطريق جاءت من طريق الزبير، أما "أبي الزبير" فسيأتي تعليق من الشيخ أن الصواب بدون "أبي". ثم عندكم "أبي" أو بدون "أبي"؟ نعم صوابه "الزبير"، ولذلك قال الشيخ هنا: قال بارك الله فيك: قوله "عن أبي الزبير" كذا في النسخة الأحمدية وهو غالط، والصحيح "عن الزبير" بحذف لفظة "أبي". فمعنى ذلك أن الحديث جاء من حديث أبي طلحة، وجاء من حديث الزبير، وجاء من حديث الزبير بن العوام. قال: وحديث الزبير أخرجه ابن راهويه كما في المطالب العالية، وهذا لفظه: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، أو وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه، أو قال: ذقنه في صدره. عندكم هكذا: أحسنت، الأول بفتح الذال والثاني كسرها: "ذقنه" و"ذقنه". قال: فما منا أحد إلا وذقنه وذقنه، أو قال: وذقنه في صدره. والذقن معروف الذي تنبت عليه اللحية. قال: يعني هكذا من شدة النوم والنعاس كل واحد رأسه إلى صدره. قال: فوالله إني لأسمعك الحلم، أو الحلم، الحلم يعني ما يراه النائم في منامه. هكذا عندك "الحلم" بالضم؟ قال: فوالله إني لأسمعك الحلم قولا معتب بن قشير، هكذا عندك "قشير"، معتب بن قشير: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، فحفظتها، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، لقول معتب بن قشير: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، قال: ﴿ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُم لَّبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. قال المعلق حبيب الرحمن الأعظمي: سكت عليه البوصيري وإسناده جيد. ومعنى هذا الحديث أيضا جاء عن الزبير، وكان معهم في أحد، أن الله عز وجل أرسل عليهم النوم، أي النعاس، ووصف حال الصحابة، إذ أن كل واحد منهم ذقنه في صدره من شدة النعاس، أو النعاس. قال: قال: فوالله إني لأسمعك الحلم، وليس بحلم بل هو حقيقة، قال هذا معتب بن قشير، وقد دخل الظن السوء في قلبه: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. فرد الله عليه بقوله: ﴿ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُم لَّبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾. فالموت لا يتحقق وينزل في الجهاد أو في أرض المعركة، قد يموت الشخص وهو على فراشه وهو بين زوجته وأولاده وهو جالس في بيته، وذاك المقاتل يخوض المعركة تلو المعركة ولا يموت إلا في بيته أو على فراشه، كما وقع ذلك لخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، قاتل في الجاهلية وفي الإسلام وخاض معارك كثيرة، ومع هذا لم يقتل إلا على فراشه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهذا الرجل قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، يعني ما جئنا وقاتلنا وحاربنا، فرد الله عليه: ﴿ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُم لَّبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، يعني وهم على فرشهم وفي بيوتهم، من كتب عليه الموت سيأتيه سواء كان في أرض معركة أو في فراش بيته. فمتى ما جاء أجل العبد داهمه على أي موضع وفي أي مكان، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد. فيقول الزبير هنا: فوالله إني لأسمعك الحلم قول معتب بن قشير: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، قال: فحفظتها، يعني حفظ قوله ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا ﴾. من يكمل الآية إلى آخرها عندك يا محمد؟ أكمل الآية إلى آخرها. أحسن: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. وهذا الحديث فيه فوائد: من فوائد هذا الحديث أن الله عز وجل يبتلي عباده المؤمنين، وأن النصر لا يكون دائما وأبدا حليفا للمؤمنين، فالحرب سجال، الحرب سجال. ما معنى سجال؟ مر لنا ومر علينا بالنسبة للنصر، ففي غزوة أحد كان النصر في أول الأمر للمسلمين، ثم بعد ذلك أصبح للمشركين كما هو معلوم من غزوة أحد. وهذا فيه هذا الأمر، وهو الابتلاء، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ﴾، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، من أجل الابتلاء والاختبار. فلا ييأس المؤمن إذا هزم أو ارتفع عليه أهل الشرك والكفر، بل يعلم أن هذا ابتلاء من الله، ولعل ذلك بسبب ذنبه وتقصيره، كما وقع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذه الغزوة، لما خالف الرماه أمر النبي صلى الله عليه وسلم القائل لهم: «لا تبرحوا من أماكنكم»، يعني لا تتحركوا، وإن رأيتمونا تتخطفنا الطير، يعني ابقوا في أماكنكم. فلما رأوا المؤمنين يجمعون الغنائم خالفوا هذا الأمر، فنزلوا من مواقعهم، فالتف العدو خلفهم، وكان ما كان من هذا الابتلاء في تلك الغزوة. وكما قال الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ﴾. واليوم ما يصيب المسلمين من ضعف وذل وهوان إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، بسبب بعدهم عن دين الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾، ويعفو عن كثير. ومن فوائد هذا الحديث أيضا رحمة الله عز وجل بالمؤمنين، إذ يؤيدهم وينصرهم ويخفف عنهم، ففي هذه الغزوة مع ما لاقى المؤمنون من ابتلاء ومن محن، إلا أن الله عز وجل خفف عليهم بمثل ذلك، بهذا الأمر وهو النعاس. بل وفي القتال يؤيدهم بالملائكة، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾، فأمد الله عز وجل للمؤمنين بالملائكة، وهذا من نصر الله عز وجل لعباده المؤمنين، لعباده المؤمنين. وهكذا من فوائد هذا الحديث أن الفتن تظهر معادن الناس، فانظر إلى هذا الرجل الذي قال بعض أهل العلم أنه من المنافقين، لما قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. فالابتلاءات والمحن تظهر معادن الرجال، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾. وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾. هذه هي الحكمة من هذه الابتلاء: الإنسان في حال الرخاء والنعمة تجده على استقامة وعلى خير، هذا في الظاهر، لكن عند الشدة يتبين الصادق من الكاذب، يتبين الصادق من الكاذب، سواء كان فتن الدين أو فتن الدنيا. فتن الدين: جهاد في سبيل الله، كذلك الثبات على السنة، على التوحيد، والبعد عن الفرق الضالة والحزبيات والتعصبات ونحو ذلك، هذا ابتلاء. تأتي فتنة: إما أن تقف مع أهل الحق وتنال ما تنال من الأذى والابتلاء، وإما أن تنجرف مع من جرف عن الجادة وتسلم لك دنياك ويسلم لك كذلك ما تريد من مطامع هذه الدنيا، فأنت بين أمرين: إما أن تؤثر الآخرة وتقدم الدين، وإما أن تؤثر الدنيا وتقدمها على غيرها. فهذا أيضا من الابتلاء، فالناس ينقسمون عند نزول البلاء ينقسمون إلى صابر وساخط، وإلى صادق وكاذب، ونحو ذلك. في غزوة الأحزاب اشتد الأمر بأهل المدينة، والمدينة كان فيها من الصحابة الصادقين ومن المنافقين، فماذا قال أهل الإيمان لما رأوا جحافل الكفر حوالي المدينة؟ لما رأوا العدد الكبير والعدة، مع ما بلغ بهم من الخوف والشدة والجوع؟ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾. هذا من أهل الإيمان، هذا أهل الإيمان، ما زادتهم هذه الفتنة وهذا البلاء إلا إيمانا وصبرا. لكن ماذا قال أهل النفاق؟ ماذا قال أهل النفاق؟ قالوا: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾، ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾. أين الوعد الذي وعد الرسول بأننا سننتصر وأننا سندحر الكفار؟ هؤلاء الكفار جاءوا بعددهم وعدتهم، والآن سيهجمون علينا ويبيدون المسلمين عن بكرة أبيهم. سوّء ظن المنافق، أساء الظن بربه سبحانه وتعالى، وأما المؤمن فيتوجه إلى الله ويلجأ إلى الله سبحانه وتعالى. سبحانه! فإذا هذا يدعونا إلى أن نكون من الصابرين، من الصابرين عند البلاء. وأيضا من فوائد هذا الحديث أن الموت إذا نزل فلا يرده شيء، سواء كان في القتال، قتال المشركين، أو كان في البيت، أينما تكون يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة. لقول الله عز وجل: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَّبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، سيأتيهم ولو كانوا على فرشهم وفي بيوتهم، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. هذه حقيقة، وهذا يجعل المؤمن يستعد دائما وأبدا للقاء الله عز وجل، إذ أن الموت لا يعرف صغيرا ولا كبيرا، ولا صحيحا ولا مريضا، ولا ذكرا ولا أنثى، ولا كذلك بعيدا ولا قريبا، فمتى ما جاء الأجل فإنه يهجم على صاحبه. ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَّبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾. وفي هذه الآية أيضا أن النوم في حق المخلوق صفة كمال، وأنه راحة لهذا الإنسان، راحة لهذا الإنسان، فالنوم سبب لهدوء الأعصاب، ولراحة الأجساد. فلذلك الشخص الذي لا ينام في الحقيقة يكون مثل المجنون ومثل المريض، وهذا أمر مشاهد وأمر معلوم. النوم والله نعمة عظيمة لا يشعر بها إلا من فقدها. وقد وقع لي أمر قبل ثلاث ليال: شعرت بصداع وآلام أسفل القدمين، وأردت أن أنام فلم أستطع طيلة الليل، ما استطعت أن أنام، الصباح قمت وأنا مثل السكران، وهكذا إرهاق وتعب، قلت: الحمد لله، يعني ما يشعر بالنعمة إلا من فقدها، ما تستطيع أن تفعل شيء، لا تعمل ولا تقرأ ولا تفعل شيء، ما تريد إلا أن تنام، هذا همك الأعظم، إلى أن والله الحمد ذهب هذا، وهذا يحصل للإنسان، والله والله إنه خير له مثل هذا الشيء، أنا استفدت منه كثيرا ولله الحمد، عرفت نعمة النوم وأنه نعمة ربما نحن مقصرون في شكرها. ثم بعد ذلك كما ذكر ابن القيم أن هذه الأمراض وهذه الأوجاع من أعظم فوائدها التجاء العبد إلى الله، لما تكون صحيحا ربما تقصر في الدعاء والإلحاح والتضرع إلى الله، كأنك ما تحتاج إلى شيء، صح، لكن إذا مرضت تعلم أنه لا أحد يشفيك من هذا المرض إلا الله، فيجعلك هذا المرض تلجأ إلى الله وتدعو الله، فهذا الدعاء بذاته عبادة، ثم كذلك افتقار إلى الله وتذلل وخضوع وخشوع، من أين استفدت هذا؟ من هذا البلاء ومن هذا المرض. فإذا ننظر إلى فوائد الابتلاء، في فوائد عظيمة: يوم أن تعلم أنك في أمر لا يفرجه إلا الله، ربما ما كنت تصلي قيام الليل، تقوم الليل وتدعو وتصلي وتلح، ربما ما كنت تدعو، فتقوم وتدعو تتضرع، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾. فإذا النوم صراحة نعمة عظيمة، وما يعرف قدرها إلا من فقدها، إذا ما نمت في يومك نوما كافيا ربما تجد الصداع ودقات القلب ترتفع عليك، وما تريد إلا أن تكون خاملا ثقيلا، فهذا يدل على هذه النعمة. ولذلك من الله عز وجل على أهل الإيمان بهذا النعاس في هذه الغزوة، بما له من فوائد عظيمة، فذكر منها أنه أمنة، يعني أمانا وسكينة وراحة للنفس، ثم يعطيك النشاط بعد أن تنام، وهذا أمر معلوم: إذا ما نمت نوما كافيا تكون مرهقا متعبا قليل العطاء، لكن إذا كنت قد نمت نوما كافيا تكون نشيطا وتعطي عطاء كافيا من العمل أو من الحفظ أو من المذاكرة والمراجعة. فلا إفراط ولا تفريط، لا تنم كثيرا ولا تنم قليلا، وسط. وأين مر بنا هذا الأمر في دروسنا؟ تكلمنا عن هذا في درس من الدروس، من يذكره؟ وحددنا ساعات النوم. نعم، نعم، في قصيدة ابن الوردي، لامية ابن الوردي، وهي آخر قصيدة أخذناها، صح، نبه على هذه المسألة، وأن الشخص يكون معتدلا في هذا الأمر، لا إفراط ولا تفريط، لا تنم أكثر من نصف يومك، ولا تنم أقل من ست أو ثمان ساعات، حاول أن تنام نوما كافيا، هذا يعينك على أداء أعمالك الدينية وكذلك الدنيوية. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله يتقبل أعمالكم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.