كتاب الطلاق من صحيح البخاري 13

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 13

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة خلع امرأة ثابت بن قيس ومعنى الكفر

يروي المقطع قصة امرأة ثابت بن قيس التي طلبت الخلع خشية كفر النعمة رغم حسن دين زوجها، فأمرها النبي ﷺ برد المهر وطلقها تطليقة واحدة، مبيناً أن الكفر المذكور هو كفر نعمة لا كفر ارتداد.

أحكام الخلع: ماهيته ومهر المختلعة وعدتها

يبيّن المقطع أن المختلعة هي جميلة بنت أبي بن سلول، ويستعرض خلاف العلماء في مهر المختلعة وهل ترد المهر فقط أم يجوز الزيادة، ويقرر أن عدة المختلعة حيضة واحدة عند الجمهور، وأن الخلع فسخ للنكاح وليس طلاقاً كما قال عثمان وابن عباس وابن تيمية مستدلين بآيات البقرة.

أحكام الرجعة والنكاح بعقد جديد بعد الخلع

إذا أراد الرجل أن يتزوج مطلقته مرة أخرى بعد الخلع أو الطلاق، يجب عليه عقد جديد ومهر جديد، ولا تحل له بالرجعة لأن الخلع فسخ لا طلاق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، قال: حدثنا قراد أبو نوح، وهو قراد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا جرير بن حازم أبو النضر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» فقالت: نعم. فردت عليه، وأمره ففارقها. قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، أن جميلة بنت سلول، عن بنت أبي بن سلول، أخت عبد الله بن أبي رأس المنافقين. قال: فذكر الحديث، ثم ساق حديث خالد عن عكرمة عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس لا أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. ومعنى «أكره الكفر في الإسلام»: أي أني أكره أن يأمرني بأمر فلا أطيعه، وهذا سماه الشرع كفرًا. وهنا الكفر ليس الكفر الذي يخرجه من الملة، وإنما كفر النعمة. فلذلك قالت: «ولكني أكره الكفر في الإسلام». ومثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فقلن: فبم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير». فقالت إحداهن: أيكفرن بالله؟ قال: «لا، يكفرن العشير». فهذا الذي خشيت منه هذه المرأة، فلا تريد أن تعاشر هذا الرجل مع خلقه ودينه. فقال: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة». ولا يتابع في ابن عباس، ولا يتابع ابن عباس، أي أن الصحيح قوله: «وطلقها تطليقة». هذا مرسل عن عكرمة. وقال: وقال إبراهيم طهمان، عن خالد، عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وطلقها تطليقة». فهذا الحديث فيه كما ذكرنا الخلع، واختلفوا في المرأة هذه التي استخلعت. منهم من قال: إنها جميلة، ومنهم من قال: معنى جميلة بنت سلول، ومنهم من قال: إنها حبيبة بنت سهل، ومنهم من قال: إنها حبيبة، لكن ليست بنت سهل. لكن الصحيح أنها هذه جميلة بنت أبي بن سلول، أخت عبد الله بن أبي. لكن جاءت بعض الأحاديث تبين أن هناك نساء أيضًا اختلعن من أزواجهن، منهن الربيع بنت المعوذ في عهد عثمان، فقالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألته: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة. وقال: «إنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه». وصحيح أنها جميلة، وقد يكون هذه النساء اختلعن أيضًا، لكن التي جاء في حديث ابن عباس هي جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول. ففي هذا الحديث عدة مسائل: من هذه المسائل ذكرنا أن أكثر أهل العلم يقولون: إنها تعطى مهرها الذي أمهرها إياه، تعطى مهرها الذي أمهرها إياه. وهذا قول جماعة من السلف. وقالت طائفة: إنه يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وهذا قول مالك والشافعي. وأيضًا جاء عن عثمان بن عفان، وهو الصحيح: أنه يجوز أن تعطيه أكثر مما أعطاها، لكن ليس بواجب. معنى لا يجب أنها تعطيه أكثر مما أعطاها، لكن لو مثلًا قالت: سأعطيه مثل ما أعطاني وزيادة، فهذا لها. أو هو قال: أريد زيادة، أريد مثلًا أحيانًا يتزوج بمهر في ذلك الزمان كان له شأن، مثلًا يقول: تزوجت بأربعمائة في ذلك الزمان الذي تكون فيه الأربعمائة ثمانية آلاف مثلًا سعود، والآن أصبحت ألفًا وحدًا، فيقول: أريد أكثر من هذا السعر الذي دفعته. فهنا لا بأس أن تعطيه أكثر مما أعطاها، لأن الذي أعطاها في ذلك الوقت لا يستقيم مع هذا الذي في هذا الوقت. كذلك ذكر أيضًا مما ذكرنا: أنه أجاز عمر الخلع دون السلطان. وأيضًا من هذه المسائل التي ذكرت في هذا الباب: أن الخلع، أو عدة المختلعة، الصحيح الذي جاء في الأحاديث وجاء عن السلف: أنها عدتها حيضة واحدة. عدة المختلعة حيضة واحدة. والصحيح أن الخلع ليس بطلاق، وهذا قول عثمان رضي الله عنه: أن الخلع ليس طلاقًا. وجاء أيضًا عن ابن عباس، وعن غيره من الصحابة، ومن التابعين، وهو قول أحمد بن حنبل. وأما الشافعي ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: إنه يعتبر طلاقًا، يعتبر طلاقًا. والصحيح أنه ليس طلاقًا، وإنما هو فسخ. ولهذا صارت العدة، ولهذا صارت عدة المختلعة حيضة واحدة. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذا كما جاء عن ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل للمختلعة حيضة واحدة. لهذا فالصحيح أنها لها حيضة واحدة، إذا انتهت حيضتها انتهت عدتها. وهل للزوج له شيء مثلًا أنه يرجعها؟ لا، صحيح أيضًا كذلك، وهو قول أكثر العلماء: أنه ليس له حق الرجوع، أنه إذا اختلعت منه فهو ليس طلاقًا، ولهذا الله عز وجل لما ذكر قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229]. ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. فلم يعتبر الله عز وجل الخلع من الطلقات، لم يعتبر الخلع من الطلقات، فدل على أن الخلع فسخ. ولا يجوز للرجل أن يرجع المرأة التي اختلعت، لأنها اختلعت منه وانفك هذا العقد، فلا يجوز له أن يرجع هذه المرأة، أو له حق الرجوع، ليس له حق الرجوع. فلذلك أيضًا جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذ منها الذي لها، وخل سبيلها، وخل سبيلها». وجاء في حديث ابن عباس: قال: «نعم، فأمرها تتربص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها». وقال أيضًا كذلك يخبر ابن سعيد: قال: فأخبرت بذلك ابن عمر، فقال: «عثمان أخبرنا وأعلمنا، أن عثمان حكم عليها أن تعتد بحيضة واحدة». أنا ربيع، كنتم معود. فلذلك أخذ بها إمام أحمد وغيره، أنها تكون لها حيضة واحدة. وجاء أيضًا كذلك عند عبد الرزاق أن عكرمة ذكر أنه قال: اختلعت امرأة ثابت، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها عدتها حيضة. فتبين من هذا أن الخلع ليس طلاقًا، وإنما هو فسخ يفسخ النكاح. فإذا أرجعها أو تزوجها مرة أخرى، وقد طلقها مثلًا مرة أو مرتين، فتحسب عليه. إذا أرجعها، إذا أراد أن يتزوجها مرة أخرى، يتزوج بعقد جديد ومهر جديد. إذا أراد أن يتزوجها مرة أخرى، فهذه بعض المسائل في هذا الباب، فنكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.