كتاب الطلاق من صحيح البخاري 12

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 12

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الطلاق في حالات الخطأ والنسيان والإغلاق والإكراه

يستعرض المقطع تفصيل أقوال العلماء حول وقوع الطلاق عند سبق اللسان أو النسيان أو الإغلاق الذهني أو الإكراه. يُبين مذهب الشافعي بعدم وقوعه مع التزام الورع، بينما يرى مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والكوفيون وقوعه كطلاق صحيح.

أحكام الطلاق في حالات الخطأ والشك والكتابة

يوضح المقطع أن الطلاق لا يقع مع الخطأ أو النسيان استناداً لآيات رفع الإثم عن اللغو في الأيمان وضرورة عقد القلب. يناقش حكم الشك في وقوع الطلاق مرجحاً قول الجمهور بعدم وقوعه، ويختم بمسألة الطلاق بالكتابة معتبراً إياه واقعاً إذا تحققت نسبة الكتابة للزوج وقصده.

حكم الطلاق بالكتابة والرسائل الإلكترونية واشتراط القصد والوصول

يبين المقطع أن الطلاق بالكتابة أو الرسالة لا يقع إلا بعد التثبت من صدورها عن الزوج وقصده، مع اختلاف العلماء في اشتراط وصول المكتوب إلى الزوجة. الراجح وقوعه بمجرد الكتابة مع الإشهاد أو الإخبار، ويُستثنى الطلاق الصادر عن خطأ أو وهم فيعتبر لغواً لا يقع.

حكم الطلاق المعلق واعتباره طلاقاً صحيحاً

يرى أكثر أهل العلم أن الطلاق المعلق بشرط يُعتبر طلاقاً صحيحاً ولا يُعد لغواً، لأن تحقّق الشرط يجعله نافذاً. بذلك يُصنّف ضمن الطلاق المعلق الذي تترتب عليه آثار الطلاق المعتادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب الذي بوّب عليه رحمه الله: «باب النكاح أو الطلاق بالإغلاق»، وذكر المكره والستران والمجنون. وذكرنا أحكام طلاق هؤلاء، والغلط والنسيان في الطلاق. إذا غلط فطلق، أو حلف على شيء ثم أخطأ؛ فالخطأ هنا عدم تعمُّد الفعل، والنسيان: أي أنه علمه ثم نسيه. مثلًا: من يحلف على يمين أن لا يفعله، ففعله ناسِيًا، أو قال: «إن فعلت كذا فامرأتي طالق»، ثم فعل هذا الفعل نسيانًا. هنا: هل يعتبر طلاقًا أو لا يعتبر؟ عند كثير من العلماء أنه لا يعتبر، وهو قول الشافعي رحمه الله، وقال به عطاء وإسحاق بن إبراهيم. وكذلك إذا كان حصل غلط، هو لا يريد الطلاق لكن سبق لسانه، فهذا قال عطاء وغيره: «يدين الله» أو «يدين فيما بينه وبين الله»، وهذا مذهب الشافعي. معناه: أنه إذا قال: «أنا غلط، ما أردت الطلاق، خرجت من لساني هكذا دون أن أتعمدها»، فقال الشافعي رحمه الله: إن طلاقه بمعنى لا يقع، لكن بينه وبين الله: إن كذب فهو يكذب على الله، وأيضًا يجترئ على أمر حرمه الله. إن كانت هذه الطلقة الثالثة، فهو لا يحل له أن يأتي هذه المرأة، وإن أتاها وهو يعلم أنه طلقها فيعتبر زانيًا. لكن يقول للمفتي أو يقول للقاضي: «أنا أخطأت ولم أرد الطلاق». ومثل ما ذكرنا أيضًا: الطلاق في الإغلاق. إذا أغلق عليه عقله أو أكره فطلق، فليس كل غضب كما قلنا، وإنما إذا أغلق عليه عقله حتى أنه ما درى ما يقول. وإنما يقال له: «قد طلقت»، فيقول: «أنا ما طلقت»، فيقال له: «نعم قد طلقت». فمثل هذا يُعذر. أو كذلك إذا أغلق عليه الأمر، وكان في خصومة مثلًا مع زوجته، فهنا أيضًا يُغلق عليه العقل فيطلق. وهذا أيضًا من سبق لسانه، أو نسى: سبق لسانه الطلاق ولم يكن متعمدًا، أو كما قلنا: نسى، قال: «فعلت كذا فامرأتي طالق»، ثم فعل نسيانًا، فهو لا يقع. وذهب جماعة من أهل العلم فأوجبوا عليه الطلاق. وكذلك اليمين: إذا حلف، يعني إذا حلف فقال: «والله لا أفعل كذا»، وقال أنه أخطأ في كلام، أو طلق فقال: «المرأة أنت طالق»، فقال: «إنما سبقت لساني، ما كنت أريد الطلاق، إنما لساني سبق ولم أتعمد هذا». فذهب جماعة من أهل العلم على أنه يعتبر طلاقًا، وهو مذهب مالك رحمه الله، وأيضًا مذهب الكوفيين: مذهب أبي حنيفة والثوري، وهو مذهب الأوزاعي وغيره. وقالوا: ما دام أنه تلفظ بهذا الذي تلفظ به من الطلاق واليمين، فلا عذر له، فلا عذر له بعد تلفظه. وصحيح أن الله عز وجل قد رفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة. صحيح أنه رفع الإثم الذي بينه وبين الله، لكن كذلك الحكم على الشيء: فهو هنا لم يتعمد الطلاق. ويدخل في ذلك أيضًا أنه يدخل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال أيضًا: ﴿إِلَّا مَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: ما أرادت قلوبكم ونوت ذلك. وقال أيضًا: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. فلا بد أن تعقد هذه الأيمان، أما إذا كان خطأ أو نسيان فإنه يعفى عنه. وهذا ظاهر الآية، والله أعلم. أيضًا هناك مسألة الشك في الطلاق: إذا شك هل طلق أو لم يطلق، فهناك من العلماء: كمالك والأوزاعي، قالوا: إنه يقع. قال: «ما أدري هل طلقت امرأتي أو لم أطلق»، ما لم يكن موسوسًا كما تقدم. أما إذا كان موسوسًا فهو لا يقع باتفاق. وأكثر العلماء: كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، قالوا: إنه لا يطلق، أو لا يكون هذا طلاقًا. لماذا؟ قالوا: لأن الأصل عدم الوقوع، الأصل عدم الوقوع. ولأن أيضًا من شك يأخذ باليقين. من شك يأخذ باليقين، فهو ما يقول: «ما أدري هل طلقت أو لا»، فهذا أولى من صاحب اللّغَم. هذا أولى من صاحب اللّغَم. فلهذا فهذه المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، ذكرنا حكمها. وهناك مسألة مهمة جدًا، وهي مسألة الطلاق بالكتابة، وهي انتشرت الآن، وأيضًا الطلاق بالهاتف. فالطلاق بالكتابة: الصحيح في هذه المسألة أن من يتحقق أن هذا كتابته فيعتبر طلاقًا. أن إنسانًا كتب إلى امرأته: «أنك طالق»، إذا كان فيه مكتوب، وعبر رسالة جوال، وهو لم يكلمها بذلك ولم يتلفظ بهذا، وإنما كتب لها رسالة، فلا بد من التأكد منه؛ لأنه قد يكون أحد أخذ هاتفه وكتب هذه الرسالة، فلا يؤخذ بذلك حكم. لكن إذا كتب في ورقة، كتب ما يريد أن يواجه امرأته بهذا، قام كتبها في ورقة وقال لها: «اقرئي الورقة»، أو جاء لها بورقة رسمية من المحكمة أنها طالق، مثل ما يفعل كثير من الناس، فهذا يعتبر. ما دام أنه الذي جاء بها، أو أنه أخبرهم أنه قد كتب ورقة في الطلاق، فهذا يعتبر. وأما كما قلنا: إذا كتبها بالرسالة مثلًا في الهاتف، فهنا لا بد من التثبّت، لا يعتبر طلاقًا إلا إذا تأكد أن هذا من عنده. يتصل عليه، تجعل المرأة أحدًا يتصل به، لم تستطع أن تتصل به، تقول: «هل هذه الرسالة منك؟»؛ لأنه كما قلنا: قد يكون هناك من أخذ جواله وكتب هذه الرسالة، كتب هذه الرسالة إما مثلًا من أصحابه، أو زوجة له أخرى، أو غير ذلك. فلذا لا يؤخذ بذلك. ولكن اختلف العلماء: هل العبرة بالكتابة أو بوصولها إلى هذه المرأة؟ إن كان تلفظ فهذا لا إشكال فيه، ما تقدم. إن كان تلفظ قال مثلًا وهو يكتب: «أنت طالق»، وهو يكتب ويتلفظ، فهذا لا إشكال أنه طلاق. لكن إذا لم يتلفظ، وكتب: «أنت طالق» أو «طلقتك» أو كذا، وأشهد على هذا الكتاب أنه منه، أو أخبرها أن هذا الكتاب منه، أو هذه الرسالة منه، فهل يعتبر طلاقًا، أم أن الطلاق لا يعتبر إلا إذا قرأته المرأة؟ فهذا أيضًا محل خلاف. والصحيح: أنه متى ما طلق حتى لو كتب، فيعتبر طلاقًا، فيعتبر طلاقًا. لكن هنا من العلماء: مالك والأوزاعي وغيرهم، قالوا: إنه لا يعتبر طلاقًا إلا إذا وصل إليها الكتاب. يعني: ممكن أنه يتراجع، ممكن أنه يتراجع في كلام، خلاص يمسح هذا الذي كتبه، ولا يعتبر هذا ما لم يلفظ بالطلاق. أما إذا لفظ بالطلاق فيعتبر. وهنا ذكر أثر ابن عباس، البخاري في قوله: «الطلاق عن وطر، والعتق مما يراد به وجه الله». فقوله: «الطلاق عن وطر»، أي: عن حاجة. الطلاق ما يقع ما يقع هكذا إلا غالبًا عن غضب أو عن غيره. فلذا قال ابن عباس: «الطلاق عن وطر». والمراد: أن الإنسان لا يطلق إلا إذا تعمد هذا الطلاق لأجل حاجته ونيته. وأما إذا حصل خطأ، أو حصل نسيان، أو حصل شيء من الغلط، مثلًا: كما قلنا، قال مثلًا: «هذا فلان»، عن رجل مقبل، قال: «هذا فلان»، قالوا له: «لا، هذا ليس فلان، هذا آخر»، قال: «لا، فامرأتي طالق». لم يكن هذا فلان. فهنا: هل يكون هذا الطلاق؟ فكثير من العلماء جعلوه على اليمين. اليمين هنا: الصحيح وهو قول الجمهور أن هذا يعتبر من اللغو. أن يظن الشيء ثم يطلع خلافه، يظن شيئًا ثم يطلع خلافه. فهنا جعله كثير من العلماء: كمالك وأبي حنيفة، أنه من اللغو. وأيضًا حتى مذهب أحمد، وذكره شيخ الإسلام. فأما الطلاق: فأكثر أهل العلم أنه يعتبر طلاقًا، لا يعتبر لغوًا، لا يعتبر لغوًا في الطلاق، بل يعتبر طلاقًا؛ لأنه علق الطلاق بهذا، ويعتبر من الطلاق المعلق، يعتبر من الطلاق المعلق. طيب، هذه بعض المسائل في هذه المسألة. إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر