الدرس في المختصر في أحكام العشر والنحر 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الأضحية شعيرة من شعائر الدين، وهي سنة مؤكدة عند جمهور أهل العلم. يجوز الاستدانة لأداء الأضحية بشرط القدرة على الوفاء.
الأضحية تكون من بهيمة الأنعام، ووقتها بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق. يختلف سن الأضحية باختلاف نوعها.
يجب أن تكون الأضحية سليمة من العيوب، وينبغي مراعاة الجنس والسن والوقت والسلامة من العيوب في الأضاحي.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن الأحكام المتعلقة بأيام العشر من ذي الحجة الحديث عن الأضحية، فهي من أعظم شعائر الله، والتي تقام في اليوم العاشر من ذي الحجة. والأضحية، إخواني في الله، مسائلها كثيرة وأحكامها عديدة، وحسبنا في هذا المقام الإشارة إلى أهم مسائل ومباحث الأضاحي، منها أن نعلم -رعاكم الله- أن الأضحية شعيرة من شعائر الدين بإجماع المسلمين، وقد حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على إهراق الدم وعلى ذبح الذبائح، بل ثبت ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنواع السنة الثلاثة، فثبت عنه من السنة القولية، ومن السنة الفعلية، ومن السنة التقريرية، كلها تواكبت وتواضبت على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على الأضاحي، بل لم يدعها، كما قال ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع الأضحية، وإنما استمر عليها حتى لقي ربه جل وعلا، وهو معظما لهذه الشعيرة، والذبح بشكل عام مما أرشد إليه ربنا وأمر به، بل عظيم مسألة الذبح قرنها ربنا جل وعلا مع الصلاة، فقال سبحانه: ﴿فَصَلِ لِرَبِكَ وَانْحَرْ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، وهذا المنسك، فقرن ربنا جل وعلا بين الذبح وبين الصلاة لعلو مقام الذبح، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أكثر الناس صلاة وذبحا، فالأرغب -يا إخواني في الله- مما جاءت به الأدلة القاضية بالحث عليها، وهل هي واجبة؟ هذا محل خلاف بين العلماء، وجمهور أهل العلم يرون الاستحباب، وأنها سنة مؤكدة، وهذا الصحيح لدلالة الأدلة، كما جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي»، قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: وهذا الحديث من أكبر الأدلة، وكما قال: بمعنى من أعظم الأدلة التي تدل على الاستحباب؛ لأن الشرع أعاد الأمر إلى أنفسنا، إذا أراد أحدكم أن يضحي، فهي سنة مؤكدة، واضب عليها نبينا صلى الله عليه وسلم. وهل يجوز لأحد أن يستدين دينا حتى يؤدي هذه الشعيرة؟ الجواب: نعم، يجوز أن تستدين دينا لأداء هذه الشعيرة، بشرط أن يكون عندك وفاء، أن يكون عندك قضاء، إذا كانت كذلك فلا بأس، تستدين ثم تضحي ثم توفي، أما إذا لم يكن عندك وفاء فلا يجوز؛ حتى لا ترهق نفسك بدين. ومن مسائل أضاحي إخواننا أشير إلى أربع مسائل، وهي مسائل الوجوب التي بها تصح الأضاحي، فمنها ما يتعلق بجنسها، ومنها ما يتعلق بوقتها، ومنها ما يتعلق بسلامتها، ومنها ما يتعلق بسنها. أما المسألة الأولى -إخواني في الله- ما يتعلق بجنس الأضحية، الأضحية التي ينبغي أن تبذل في سبيل الله ينبغي أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم فقط، هذه الأنواع الثلاثة التي يرحى بها، وما سواها وما عداها لا يجوز ولا يجزئ أنك ترحب بها، فعندك الإبل، وعندك البقر، وعندك الأغنام، والأغنام بشكل عام يدخل في ذلك الضأن، ويدخل في ذلك المعز بشتى صوره، ما يسأل به البعض عن الغنم الإسترالي يدخل، فكل ما كان من جنس الغنم فهو يدخل في الأضحية، فهذه الأجناس الثلاثة لا تخرج عنها، وما عداها فلا يجوز ولا يجزئ. أما المسألة الثانية: ما يتعلق بوقتها، متى وقت الأضحية؟ وقت الأضحية -يا عبد الله- يكون بعد صلاة العيد، وذلك لما ثبت في الصحاح بروايات عديدة، قال عليه الصلاة والسلام: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى»، هذا في حق من استعجل، بعض الناس لربما يتعجل الذبح، يبحث عن ذباحين وعن جزارين، فيخبرونه بأنه مشغول، في يوم العيد يقول ذلك في الليل، لا بأس، فيذبح، يتساهل، وما هي إلا سويعات ويدخل وقت الصلاة، لا تستعجل، يقول عليه الصلاة والسلام: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى»، وفي رواية: «من ذبح قبل الصلاة فليعد»، وفي رواية: «من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، فهو ليس من النسك في شيء»، إذا من أراد الأضحية وأجرى الأضحية، إذن عليه أن يكون وقت الذبح بعد صلاة الإمام، بعد صلاة العيد، لكن من أراد أن يذبح وهو لا يريد الأضحية أصلا، ما يريد الأضحية يريد لحما، هل له أن يذبح قبل الصلاة؟ نعم، يذبح قبل الصلاة. ويستمر الذبح -ذبح الأضحية- إلى آخر أيام التشريق، فعندك اليوم العاشر هو يوم النحر، ثم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، هذه الأيام كلها أيام ذبح، كما ثبت ذلك عن رسولنا في صحيح مسلم: «أيام التشريق أيام ذبح»، فالمسلم خلال هذه الأيام يستطيع أن يقتنم فضل الأضحية. أما المسألة الثالثة: ما يتعلق كذلك بوقتها وجنسها، ما يتعلق بسنها، السن المعتبر في هذا الباب -إخواني في الله- إذا كان في باب الأغنام، فالأغنام تنقسم إلى قسمين، عندي ضأن، وعندي معز، الضأن ظابطه هو الذي يكون على ظهره صوف، وأما المعز هو الذي يكون على ظهره شعر، ضأن شرطه في سن الذي به يكون الإجزاء لا يقل عن ستة أشهر، نصف سنة فما زاد، لك أن تضحي به، وأما المعز فأقل ما يكون في حقه سنة، أقل ما يكون في حقه سنة، وهذا كما قلنا على أرجح الأقوال، وإلا المسألة فيها خلاف بين العلماء، لكن هذا من أرجح الأقوال: أن الضأن يشرع ويجزئ في سنه ما له نصف سنة فما زاد، أي ستة أشهر فما زاد، لك أن تضحي به، فما دون ذلك لا يجوز، بعض الناس ربما يبحث عن الأصغر تارة بحجة أن اللحم أطيب، هذا ليس معيار، أو بعضهم يبحث عن الأصغر يقول: يا أخي أنا أيش أفعل بكبش كبير وأنا وأهلي، أو أنا وزوجتي ما عندنا أحد يأكله، ماذا عسى أن أكل بكبش كامل يكفينا الصغير، لا، هذا ليس الاعتبار، تروض أضحية راعي هذا السن. أما في باب المعز فلا يقل عن سنة، طبعا هذا يحتاج إلى خبرة، من كان عنده خبرة فذاك، وإلا فيكفيك أن تسأل، وعلى من كان يبيع المواشي أن يتق الله، أن يتق الله في هذه الأمانة، فالبائع مؤتمن، أمنه الناس على البيع والشراء، وللأسف نسمع عن بعض أصحاب المواشي من يمشي هذه الأغنام التي عندهم بالحلف الكاذب، الناس ما يعرفون، يا أخي كم عمر هذا؟ إذا كان باب ضأن وهو عمره خمسة أشهر، لا والله هذا سبعة أشهر، والله العظيم سبعة أشهر، ويقسم باليمين المغلظ، ويعطي أنها أربعة أو أنها خمس، وأنا ما أتمت الست، لكن يمشي ثم يبيع ويضحك على الناس، لكن هذا ليس فيه ضحك -يا عبد الله- بل هذا فيه عقاب وعذاب وسؤال وحساب، إذا أنت كنت مؤتمنا على هذه الأمانة، فكل يتق الله، فالمشتري يتق الله أن يراعي السن، والبائع يتق الله في مصداقيته في وضع السنون المعتبرة لهذه الحيوانات على واقعها. والمسألة الأخيرة -إخواني في الله- في باب الأضاحي: ما يتعلق بسلامتها من العيوب، فالأضحية لا بد أن تكون سليمة من العيوب، وأعظم السلامة أن تكون سليمة من أربعة أمور، كما جاء ذلك في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي»، فهذه العيوب الأربع مما جاءت بها السنة، فيها أن من ابتلي بها لا يجزئ بها، لا تنفع في الأضحية، عوراء بين عورها واضح جلي، ويدخل في ذلك العمياء من باب أولى، وهكذا العرجاء التي تعرج وعرجها واضح جلي، وأشد منها المقطوعة الرجل، هذه لا تجوز ولا تجزئ، وهكذا المريضة البين مرضها، كنت تقول: قعيدة، وهكذا العجفاء وهي الضعيفة الهزيلة التي لا تنقي، أي: لا نقي لها، أي: لا مخ لها، عظامها لشدة هزالها، فهذه العيوب الأربع لا تجوز أن تذبح في الأضاحي، وما عداها فالأمر في ذلك واسع، يجوز، وإن كان الأفضل والأكمل والأولى والأحسن أن تكون سليمة من كل عين، قال علي رضي الله تعالى عنه: «قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف الأذن والعين»، نستشرف: أي نفتش، عند الأضاحي نفتش فيها، أن نستشرف الأذن والعين، والحديث قواه الألباني رحمه الله تعالى بشواهده، دلالة على أن الشخص يحاول يحرص يختار ماذا؟ الذي في جسمها السمنة، وفي شكلها كذلك الجمال والحسن والبهاء. فهذه أمور أربع -إخواني في الله- ينبغي مراعاتها في الأضاحي: الجنس، والسن، والوقت، والسلامة من العيوب. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.