الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أهمية رسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب الموسومة بفضل الإسلام، ويشرح معنى عنوان الرسالة وأنه يدل على تعدد فضائل الإسلام. كما يبرز المقطع بعض هذه الفضائل من خلال مقارنة الإسلام بالأديان الأخرى.
الإسلام أعطى أهله فضلاً كبيرًا في جميع نواحي الحياة، حيث شرع أحكامًا شاملة وتنظيمًا دقيقًا للحياة الدنيا والدينية، كما منحهم مواسم للعبادة والأجر المضاعف، وأعد لهم جزاءً عظيمًا في الآخرة.
الإسلام له فضيلة على أهله حيث هم أول من تنشق عنهم الأرض وأول من يدخل الجنة، كما أن له فضيلة على الكفار حيث يحفظ لهم حقوقهم ويمنع ظلمهم، ويعتبر وجود المسلمين سببًا لتأخير قيام الساعة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان حديثنا في الأمس، إخواني في الله، أول مقدمة مهمة تتعلق بأهمية هذه الرسالة التي بين أيدينا، والموسومة لفضل الإسلام، وعلمنا أهمية هذه الرسالة من عدة أنحاء. وفي هذا اليوم، بإذن الله، في هذا المجلس، الشروع في هذه الرسالة، بدءًا بعنوانها. فالمؤلف، وهو الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، سمى رسالته بفضل الإسلام، وهذا العنوان مفاده أن للإسلام فضيلة، وليست فضيلة واحدة، بل له عدة فضائل. والقاعدة عند أهل الأصول، وفي اللغة، على أن المفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم، فضل الإسلام بمعنى فضائل الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أي نِعَمَ اللَّهِ، ففضل الإسلام أي فضائل الإسلام. فالإسلام له فضائل كثيرة وكثيرة جدًا، وفضائل الإسلام، إخواني في الله، لها عدة اتجاهات، تارة نجد أن فضيلة الإسلام في نفسه، في نفسه، من خلال ما أوضعه الله جل وعلا فيه من أحكام وشرائع وعقائد وأخلاق وسلوكيات. ويظهر ذلك جليًا إذا قمت بمقارنة دين الإسلام بغيرهم من الأديان والملل والنحل، فما هناك دين يوازي أو يساوي دين الإسلام أبدًا، لن تجد ذلك أبدًا. الإسلام، إخواني في الله، تميز بمزايا، ففيه من اليسر، وفيه من السهولة، ومن السماحة، ما لا تجده في غيره. الإسلام فيه من البعد عن التقعر والتعقيد الذي حل في الأديان السابقة. انظر مثلًا عند النصارى من أوائل عقائدهم التثليث، سل النصارى عن التثليث، ما هو؟ لا أقول أن هذا الأمر يشكل عند عوامهم، بل حتى عند كبرائهم، عند قسيسيهم، سلهم عن التثليث، ما هو التثليث عندكم؟ يقولون: ثلاثة في واحد، ثلاثة أقانيم في واحد، ثلاثة معبودات في واحد، ثلاثة آلهة في واحد، ما الذي تعنون؟ ما يستطيعون أن يجدوا جوابًا قائمًا على فلسفة غامضة. هم فهموها، فهموها، لكن تعال إلى دين الله، العقيدة الواضحة التي يفهمها لا أقل الكبير، بل حتى الصغير، «قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد». وقس على ذلك سائر أبواب الدين، فما تجد، يا عبد الله، دينًا يزاحم دين الإسلام لا في يسره، ولا في سهولته، ولا حتى في العوامل الموجودة فيه التي تجتمع عليه الناس، قرآن واحد، رسول واحد، كتاب واحد، قبلة واحدة. لكن انظر إلى غيرهم، انظر إلى غيرنا، انظر إلى النصارى، كم كتاب عندهم؟ أربعة أناجيل، أربعة أناجيل: مرقص، ويوحنا، وإنجيل برنابا، وعندهم ثلاثة كنائس: أرثوذكس، والكاثوليك، شتتت هذه أديانهم على هذا. ما بني على باطل فهو باطل. فالإسلام، إخواني في الله، له فضائل في نفسه، بما أودعه الله جل وعلا فيه من أحكام وشرائع. كذلك جهة أخرى، أن تجد، وأن ترى فضيلة الإسلام في أهله، في الذي ينتمي إليه، ممن اعتنق دين الإسلام. فإن المسلم لا يجد أثر الإسلام فيه، وهذا كذلك قد يقسم إلى عدة جهات. يجد المسلم أثر الإسلام فيه في الدنيا، فيه في دينه، أو في الآخرة. في الآخرة، في دينه مثلًا، أن يجد ما أمر الله به، وما شرعه له من أشياء تنظم حياته الخاصة، في مطعمه، في مشربه، في مأكله، في ملبسه، في بيعه، في شرائه، في نومه، في مرقده. انظر إلى باب الأطعمة، انظر إلى أكل أهل الإسلام، شرع الله لنا أفضل الأكلات، ليس فيها سموم، ولا فيها أضرار، ولا فيها نجاسات، ليس عندنا خمور، ولا عندنا خنازير، هذا عند غيرنا. لكن أعطى الله فضل أهل الإسلام، ربنا جل حتى في أكلهم، أعطاك الله جل أحكامًا تتعلق حتى في زواجك ونكاحك، حتى في طلاقك، في مواريثك، عندك موسوعة ضخمة في الإسلام. من الطريف ما يذكر أن النصارى في باب الأحكام الشخصية، ما ظفروا بعيسى عليه السلام، وهو نبيهم المرسل إليهم، ما ظفروا إلا بحكم واحد، بمسألة واحدة، هي مسألة الطلاق، وبينهم وبين عيسى ثلاثون رجلًا، الله أعلم بعدالتهم ونزاهتهم، حكم ما ظفروا به. ولم كم حكم معنا في دين الإسلام، في القرآن والسنة، مئات الأحكام، مئات الأحكام، حتى الإسلام شرع لنا ما يتعلق بقضاء الحاجة، فضيلة عظيمة، ما نحتاج بعد ذلك إلى أمر آخر، حتى نستكمل عليه في تسيير أمورنا، الإسلام قد كفانا ذلك. هذا في حياتنا، في دنيانا. وكذلك في ديننا، الإسلام له فضيلة حتى في باب الدين، أعطانا ربنا جل وعلا المواسم تلو المواسم، ما يأتي موسم بالأمس كان رمضان، وكان فصلًا، وشهرًا، تضاعف فيه الأجور، كما لا يخفى على أحد من أهل الإسلام، وبعد ذلك جاء صيام ست من شوال، ثم جاءت الأشهر الحرم التي فيها فضيلة وخصيصة، ثم جاء بعد ذلك ذي الحجة، وما فيها من الأعمال الصالحة، الأجر فيها يضاعف، وهنا نحن في شهر الله المحرم، هكذا مواسم تلو مواسم، فتحت على أهل الإسلام، هذا فضل عظيم، ما يعرفه النصارى، ولا يعرف اليهود، هذه المواسم، خصها الله لأهل الإسلام. ففضيلة الإسلام حتى في باب الدين، مضاعفة الأجور، الأجور تضاعف في دين المرء، يقول عليه الصلاة والسلام: «من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نورًا يوم القيامة»، وفي رواية: «كتبت له حسنة»، حسنة شيبة، شيبة، لأنه عمر في الإسلام، فكان الجزاء من جنس العمل، ثبات على هذا الدين، هذه شيبة حسنة، الواحد منها ربما الشعر الأبيض في شعر رأسي، وشعر لحيته، كم على الحسنات ستجنيها من شعرات؟ أو لربما حتى كما يجنيها سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، حتى الشوك يشاكها، يكتب لك أجر شوكة، فما ظنك بما أبعد من هذا؟ فما ظنك بعمل صالح؟ كم عسى الأجر يناله عبد الله؟ هذا ما يكون إلا للمسلم فقط. دليل ما جاء في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مثلكم، مثل أهل الكتاب، إلا كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من بعد صلاة الغداة إلى الظهر، على قيراط، قيراط؟ فعملت اليهود من بعد الغداة إلى الظهر، على قيراط، قيراط، أجراء». ثم قال: «فمن يعمل لي من بعد الظهر إلى العصر، على قيراط، قيراط؟ فعملت النصارى من بعد الظهر إلى العصر، على قيراط، قيراط». ثم قال: «فمن يعمل لي من بعد العصر إلى المغرب، على قيراطين، قيراطين؟ فعمل المسلمون من بعد العصر إلى المغرب، على قيراطين، قيراطين». فغضبت اليهود، وغضب النصارى، قالوا: عملنا كثيرًا، وأجرنا قليلًا، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: «فذلك فضلي، أوتيه من أشاء». فربنا جعل الفضيلة لهذه الأمة، عمل يسير تعمله، تنال به الأجر الكثير، يا عبد الله، هذا ما يكون إلا للمسلم، فهذه فضيلة الإسلام على أهله في باب الدين. وذكرنا في الدنيا، وأيضًا كذلك فضيلة الإسلام على المسلمين حتى في الآخرة. نعم، هناك من يكون من أتبع عيسى، يكون من أهل الجنة، وهناك من أتبع موسى، من هم من أهل الجنة، هناك من أتبع إبراهيم، هم من أهل الجنة، لكن هل هم بمثل ما عليه أهل الإسلام من الحفاوة يوم الحشر؟ لا والله، ما هناك أحد أصلًا يزاحم أهل الإسلام أبدًا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. فأمة محمد أول من تنشق عنهم الأرض، أمة الإسلام أول من يحاسب، أمة الإسلام أول من يدخل الجنة، أمة الإسلام أكثر من يدخل الجنة، وهذا الإسلام هذا فخر واعتزاز، يا عبد الله، فانظر، يا حفيظك الله، إلى فضيلة الإسلام على أهله في الدنيا، وفي الدين، وفي الآخرة. وأيضًا، إخواني في الله، من تلكم الجهات، أن فضيلة الإسلام ليس فقط تنحصر على أهله، بل حتى تبتدئ وتشمل الكفار، الكافر وهو كافر، يجد أن الإسلام عليه فضيلة، فضل عليه. والكافر إذا نظر وتأمل الشرائع التي يأمر فيها ربنا جل وعلا أهل الإسلام في معاملة الكفار، لن يدهش، أشدد المعاملة، المسلم لا يجد أن يخون، ولو كان الكافر كافرًا، أو يغدر بكافر، ما يجوز، بل حتى لا يجوز أن يأكل ماله، أو أن يسفك دمه، ولو كان كافرًا. قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدًا، لم يجد رائحة الجنة»، ومن المعاهد: كافر، كافر، لكن بيننا وبينه عهد، إذا ما يقتل هذا، ما يجوز قتله، بل يؤثم على قتله، وكافر. فالكافر الزمني، والمستأمن، والمعاهد، هذا ما يجوز قتله، لا أخذ ماله، ولا سفك دمه، ولا بغدر الحرب. من أين سيجد الكافر مثل هذه الشرائع التي تحفظ دينه، تحفظ ماله ونفسه وحياته؟ في أي دين سأل، يا عبد الله، عن الفتوحات الإسلامية؟ عن الفتوحات الإسلامية؟ كيف كان أهل الإسلام إذا استولوا على أرض من أرض الإفرنج، في بلاد الهند، أو السند، أو في بلاد الصين، أو في بلاد الغرب والكفر؟ كان يحكمون بشرع الله، ما وجد الكفار حينها الأمن والأمان إلا في رحاب ذائرة الإسلام. بل كان المسلمون لربما إذا أرادوا أن يخرجوا ويسلموا الأراضي إلى أهلها، لبكى أهل الأرض، بكى الكفار، يعلمون أن المسلمين عاملوهم بمعاملة لن يجدوها في أصحابهم، أصحابهم سيرهقونهم بجباية الأموال، وبالتعذيب والتنكيل والقتل والسجن، لكن هذا في ظل الإسلام، ما يجدوا هذا، يجدوا الرحمة والسماحة، والحشر على الله سبحانه وتعالى، هذا فضيلة الإسلام على الكافر. زد على ذلك، يا عبد الله، من فضيلة الإسلام على الكافر، أن الإسلام لو فُرض على الكافر، لو دخل بالإسلام، ما الذي سيجد أمامه؟ يجد أن الله يعفو عنه ما قد مضى، الإسلام يجب ما قبله، ولو فعلت ما فعلت، ولو فعلت ما فعلت، «أرجع إلينا مذلل البقية»، نعم ترجع إلينا مذلل بقيتنا، لا نفرق بين أحد، كنت بالأمس كافرًا زنديقًا رعديدًا، فعلت وفعلت، عبدت الأصنام والأوثان، لكنك أسلمت، حيها لنا في ديننا، أنا وياك سوى، «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم»، نحن وياكم سواسية. لكن هذا موجود عند اليهود، سأل اليهود عن التمييز العنصري بين يهود عبري أصلي وبين يهود عربي، يهود العرب لهم مذلة هناك، وهم يهود، لكن تمييز عندهم، لكن هل هذا عند أهل الإسلام؟ لا والله، يتنزل بروسي، روسي، رجل ملحد، أسلم، أنا وياك في الصف واحد، يعطيه ربنا الأجل كما يعطيني، ما هناك فرق في دين الله. هذه فضيلة، إخواني، بين الكافر والمسلم. ومن أعظم فضائل الإسلام على الكفار إطلاقًا، أن الله جل وعلا ما حفظ الأرض من أن تقوم القيامة إلا بالإسلام، لوجود الإسلام فقط، هو الذي يحبس قيام الساعة، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله»، ومن الذي يقول: الله، اللهم؟ أهل الإسلام، بما أن الأرض تنطق فيها هذه الكلمة، وحدانية الله وألوهية الله، الله، الله، ساعة لن تقوم. لكن لو انعدم ذلك، انعدام هذه الكلمة، بمعنى ليس هناك مسلم على وجه الأرض، ما الذي يأتي حينها؟ ستقوم الساعة على جميع الكفار. فالمسلم لو عرف هذا، لحمد الله على وجود أهل الإسلام، فالإسلام له فضل حتى على الكفار. فالإسلام، إخواني في الله، لفضائله كثيرة وكثيرة جدًا، ولهذا المؤلف، رحمه الله تعالى، سمى هذه الرسالة بهذا العنوان العظيم: فضل الإسلام. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.