شرح كتاب لم الدر المنثور 94

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 94، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أسباب الانحراف ومنهج الرد على أهل الأهواء بالسنة

يبيّن المقطع أن مخالطة أهل البدعة وقلة العلم من أبرز أسباب الوقوع في الانحراف، مشدداً على أن الوقاية تتم بهجر المبتدعين والرد عليهم بالسنة النبوية لا بالقرآن وحده. ويستعرض قصة ابن عباس رضي الله عنه في مناظرة الخوارج وكيف ألزمهم الحجة بالسنة بعد تمسكهم بالمتشابه من القرآن.

تعريف البدعة وأصنافها ووجوب التمسك بمنهج السلف

يعرّف النص البدعة بأنها طريقة مخترعة في الدين تضاهي الشريعة مستعرضاً تعريف الإمام الشاطبي وابن تيمية، ويذكر أصنافاً منها كبدع الخوارج والقدرية والمعتزلة والجهمية والأشاعرة والقرآنيين والقاديانية والطرق الصوفية. ويؤكد على وجوب التمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح واتباع سنة الخلفاء الراشدين مع النهي عن الجدال بالقرآن.

الفرق بين البدعة اللغوية والشرعية وأقوال العلماء المحذرين

يشرح المقطع مفهوم البدعة لغةً وشرعاً، مبيناً أن ما كان له أصل في الشريعة كصلاة التراويح وجمع القرآن ليس بدعة شرعية بل لغوية، بينما البدعة المذمومة هي ما أحدث بلا أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وينقل أقوال ابن رجب وابن القيم والشوكاني وغيرهم محذرين من الابتداع في الدين ومؤكدين أن كل محدثة لا أصل لها ضلالة.

تطبيق قاعدة البدعة اللغوية على صلاة التراويح

يوضح النص أن ما له أصل في الشريعة لا يُعد بدعة شرعية حتى لو سُمّي بدعة، بل هو بدعة لغوية فقط، مستشهداً بموقف عمر رضي الله عنه في جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح. ويختتم المقطع بدعاء الاستغفار والتوبة من كل بدعة وضلالة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما هي أسباب سقوط الرجل في البدعة؟ المجالسة والمخالطة والتأثر، وقلة العلم في ذلك. للمجالسة والمخالطة والتأثر دور في سقوط الرجل في البدعة مع قلة علمه. ما هي طرق الوقاية؟ السكوت، وعدم مجالسة أهل الأهواء والبدعة، ومناظرتهم. قال في الباب الرابع والأربعين: قال الإمام للدر المأثور من القول المأثور: الرد على أهل الأهواء والبدع بالسنن. يعني: إذا أردنا أن نرد عليهم فبماذا نرد عليهم؟ إذا لزم الأمر نرد عليهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن السنة مبينة للقرآن وموضحة له. وقد تكون هناك آية من المتشابهات، شبهات القرآن، يستدل بها أهل البدع على بدعهم، وعلى أهوائهم، والمعنى المتشابه الذي له عدة وجوه فيستدلوا به ربما أهل البدع على بدعهم، كما قال الله عز وجل في الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]. فلذلك نردهم إلى السنة، ونرد عليهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سيأتي الناس قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم، فجادلوهم بالسنة، فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله عز وجل. وهذا الأثر صحيح عن عمر رضي الله عنه. مجادلتهم بماذا؟ والرد عليهم بماذا؟ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن أتوا بمتشابه من القرآن رددنا عليهم بالسنة، أو كذلك نرد المتشابه إلى المحكمة. فابن عباس فعل هذا، وفعل هذا لأن ابن عباس أعلم بالتأويل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد دعا له وقال: «اللهم علمه التأويل»، وكان من العلماء الراسخين في كتاب الله عز وجل. وجاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله، أي مثل قول عمر: أنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنة، فأصحاب السنة أعلم بكتاب الله عز وجل. قال عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه الله: أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أرسله إلى الخوارج، فقال: اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تهاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة. وقال: وأخرج من وجه آخر: قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، فأنا أعلم بكتاب الله منه، وأعلم بالتأويل. أعلم بالقرآن، ما من آية إلا ويعلم تفسيرها وتأويلها، في بيوتنا نزل، أي القرآن، فأنا أستطيع أن أرد شبههم بالقرآن. قال: صدقت، ولكن القرآن حمّال ذو وجوه، أن يحتمل، تحتمل بعض الآيات عدة وجوه، نقول ويقولون، أي نحن نقول بالقرآن وهم يقولون كذلك، ولكن حاجهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً. فخرج إليهم فحاجهم بالسنن، فلم يبق بأيديهم حجة عن السنن. مع القرآن لأنه سيكون أعلم، هم عندهم آيات يستدلون بها، وليس عندهم شيء من السنة، والسنة هي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالسنة نزلت عند الصحابة رضي الله عنهم، وهم أعلم بكتاب الله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينزل عليه القرآن ويتلو عليهم القرآن ويفسر لهم الآية تطبيقاً عملياً. أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، والذي ليس عنده سنة أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عنده علم بكتاب الله عز وجل. لهذا لما كانت عندهم تلك الشبهات، ابن عباس حاجهم وخصمهم وغلبهم، فقال: ماذا تنقمون؟ قال لهم: أنتم ليس فيكم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نزل فيهم القرآن، كلهم أحداث أسنان، يعني كانوا صغاراً في السن، شباباً. فقال: أنتم لستم كأولئك الصحابة رضي الله عنهم نزل فيهم القرآن، وأنتم ليس فيكم أحد من الصحابة، فماذا تنقمون على أمير المؤمنين؟ قالوا: حكم الرجال، حكم الرجال، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40، 67]. وقد استدلوا بآية: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وهناك آيات فيها تحكيم الرجال، لكن ما انتصفتوا إليها. قالوا: إن الحكم إلا لله، وهو حكم من؟ حكم الرجال، يعني جعل حكم من أصحابه معاوية، وحكم من أصحابه أبو موسى، وعمرو بن العاص من جهة معاوية، فاحتكما. أن الخصمين، الخصمين في الفتنة التي دارت بين الصحابة رضي الله عنهم، ويقولون: حكم الرجال، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ويقولون: قاتل ولم يسب ولم يغل. فإن حل قتالهم لقد حل سبيهم. هكذا الشبهة تأتي إلى هؤلاء. وقالوا أيضاً: محا نفسه من أمير المؤمنين في الصلح، محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميراً للمؤمنين فهو أمير للكافرين. قال: عندكم غير هذا؟ قالوا: ما عندنا إلا هذا، هذا ما نقموه على علي رضي الله عنه. فقال: لو احتكمتم إلى حكم الرجال، الله سبحانه وتعالى حكم الرجال في بضع امرأة، بضع امرأة يعني في فرج امرأة، حكم الرجال. قالوا: إن يريد إصلاحاً يوفق الله بينهما، بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها. هذا الخصام بين أهل المرأة وأهل الرجل في ماذا؟ في بضع امرأة. فقال لهم الله: حكم الرجال في بضع امرأة. أخرجتم من هذا؟ قالوا: خرجنا، خرجنا من هذه. مادام أن الله حكم من الرجال في بضع امرأة، قالوا: أفحكم أمير المؤمنين تحكيم الرجال في حقن الدماء أولى أم في بضع امرأة؟ قالوا: بل في حقن الدماء. قالوا: إذن خرجتم من هذا. قالوا: خرجنا. وقالوا: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغل، قال: أفتسبون أمكم عائشة رضي الله عنها؟ فإن قلتم: ليست في أمنا فقد كفرتم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وإن قلتم: نستحل منها ما نستحل من نسائنا، كفرتم، كفرتم. فأنتم بين هذه. أخرجتم من هذا؟ قالوا: خرجنا. وأما قولكم: أنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فقد محا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية، إذا قال سهيل بن عمرو: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. وقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، ما قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله. لا، سهيل بن عمرو قال: امحها يا علي. والله إني لرسوله. أفتمحوه من الكتاب؟ يمحوه من الرسالة؟ قالوا: لا. فإذا كان محا نفسه من أمير المؤمنين يعني أنه محا نفسه من الواقع، من أمير المؤمنين. فانظروا كيف لما تكون الشبهات ليست ثابتة ولا ناصبة على علم، وانظروا أهل الرسول، ابن عباس رضي الله عنه حاججهم بالكتاب والسنة، فردهم لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى المحكم من كتاب الله عز وجل. ثم قال سفيان رحمه الله: حدثنا حميد الأعمش، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعبد الله بن الزبير يصاحب بابنه وهو يكلم الأشتر، مالك بن الحارث، وكان من شيعة علي، الأشتر النخعي، وكان رجلاً شجاعاً عنده من الشر. قال: باختلاف الناس. فقال الزبير لابنه: لا تحاجه بالقرآن، وحاجه بالسنة. وأخرجه الخطيب بسنده. قال رب: لا تجادل الناس في القرآن فإنك لا تستطيعهم، ولكن عليكم السنة. وأيضاً هناك فرقة يقال لها القرآنية، فأنكرت هذه الفرقة، فلا يؤمنون إلا بما في القرآن، وينكرون السنة. وهذا يحتم على المسلم أن يتضلع من علم الكتاب والسنة، أن يتفقه في دين الله عز وجل، ويحفظ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال الهيثم جميل: قلت لمالك بن أنس: لا أبا عبد الله، الرجل يكون عالماً في السنة يجادل عنها؟ قال: لا، يعني لا يكون ذو خُصُومة ومجادلة، يريد أن يكون ماذا بين الناس؟ مشهوراً بالقوة في المناظرة، ونحو ذلك. قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه وإلا سكت. هكذا العلماء وفرهم الله يوصون تلاميذهم بأنهم يحفظون السنة ويخبرون بها الناس، إن قبلوا فذلك، وإن لم يقبلوا فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. أخبر بالسنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. إذا قلت: تحدث الناس، فلا تجعل ذلك من باب المراء، من باب المراء أو من باب الجدال، فإن هذا مذموم. السنة هو الذي يعمل بالسنة ويخبر بها، يخبر بها فقط، يبلغ كما بلغ أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال ابن رجب رحمه الله: ليكن ما ترشد به وتقف عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة، من الصحابة والتابعين. إذا: كتاب وسنة على فهم من السلف الصالح، من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. هذا الذي ينبغي. يقول ابن رجب: يكون أمرك أنك ترشد الناس وتوقفهم على الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة. هذا الذي ينبغي. انتهى هذا الباب. الباب الذي بعده: ما هي البدعة؟ ما تعريف البدعة؟ البدعة: ما حدث على غير مثال سابق. قالوا: بدعة لغة. وأما في الشريعة: طريقة مخترعة تضاهي الشرعية. كما قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى حيث قال في كتاب الاعتصام: البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، أي هذه الطريقة تضاهي ما جاء في الشرع، يقصد بالسلوك عليها السلوك، يعني عملها والمسير عليها، المبالغة بالتعبد لله سبحانه، أو ما يقصد الطريقة الشرعية. إذن هذا تعريف البدعة، وهو تعريف جامع كما ذكره رحمه الله، من أحسن التعريفات، تعريف الإمام الشاطبي رحمه الله: طريقة في الدين مخترعة، يأتي إلى أمر من الأمور ويخترعه ويحدث في دين الله عز وجل، مضاهية في الشريعة. قال ابن تيمية رحمه الله: والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء، اشتهر عند أهل السنة مخالفتها للكتاب والسنة. إذا اشتهر عند العلماء، علماء الكتاب والسنة، أن هذه الطريقة التي يمشي عليها الرجل مخالفة للكتاب والسنة، ولتلك الأصول، فإنها تعتبر بدعة، ويبدع الرجل عليها، ويقال له مبتدع، ويقال له كذلك من أهل الأهواء. فإذا اشتهر عند أهل السنة أن هذه طريقة مخالفة للكتاب والسنة، وسار الرجل عليها، فإنه يقال له مبتدع، لأنه ابتدع شيئاً ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأجناس البدعة كبيرة: فبدعة الخوارج من البدعة، بدعة القدرية من البدعة، بدعة المعتزلة من البدعة، بدعة الجهمية من البدعة، بدعة كذلك الأشاعرة من البدعة، وبدعة كذلك أنواع المسلمين في هذا الزمان من البدعة: القرآنيون أيضاً الذين اخترعوا ذلك، الشيخ من أهل الأهواء والبدعة، القاديانية كذلك من أهل الأهواء والبدعة، الطريقة الصوفية: الطريقة القادرية، الشاذلية، النقشبندية، وأسماؤها كثيرة، وأجناس كثيرة، كل يخترع له شيئاً ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال العلماء: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، و«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». بخلاف ما كان عن الخلفاء الأربعة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حث الناس على التمسك بسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وقال عليهم عليه الصلاة والسلام: إنهم راشدون وأنهم مهديون. قال: «تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». وما كان من أبي بكر وعمر، وكذلك عثمان وعلي، ما صدر عنهم يعتبر من السنة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حث الناس على التمسك أيضاً بما عليه كل إمام راشد، وأجمع عليه الصحابة، حقاً أنه لم يكن تغيير من الصحابة رضي الله عنهم، فما فعلوا في أزمانهم يعتبر من السنة، ينبغي الأخذ به. بخلاف من جاء بعده ممن اخترع في دين الله. فانظروا: الكرك من العراق، مثلاً لما دخل ابن مسعود الكوفة، وجد أولئك الذين يسبحون بالحصى، يسبحون، يكبرون، يهللون، يعلون ذلك في خلق، فأنكر عليهم، وقال: ما أسرع هلكتكم يا أمة محمد! هذا رسول الله بين أظهركم لم تبلَ ثيابه، لم تبلَ إناءكم، أفتفتون باب ضلالة، أو أنكم أهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ما أردنا إلا الخير. هكذا يقولون. قال: وكم من مريد للخير لم يصبه. فإذا هؤلاء اخترعوا أشياء بعهد الصحابة، فأنكروا عليهم، أن هذا من البدع والمحدثات. يحدث الناس أشياء يظنون أنها تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويسيرون عليها، فقد وجدت البدع في عهد الصحابة وأنكروها إنكاراً شديداً، وردوها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال أيضاً: كل من أحدث شيئاً. قال ابن رجب رحمه الله: البدعة ما انصرف مما لا أصل له بالشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة. لكن صلاة التراويح أن عمر سماها بدعة، والمراد بدعة لغوية، لأن عمر رضي الله عنه أحدثها بعد ما قد كانت هذه السنة، وهي صلاة التراويح في عهد أبي بكر قد نسيت، لأن أبا بكر قد اشتغل بالجهاد وحروب أهل الردة، فكان زمنه لم تصل صلاة التراويح. ففي عهد عمر لما تمكن من كثير من الأمور واستتب لهم الأمر، عمر رضي الله عنه جمع الناس على قارئ، فأصلها موجود، لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى التراويح، صلى التراويح به، خرج ليلة وثنتين وثلاث، فما عدا ذلك لم يخرج عليه الصلاة والسلام خوفاً أن تفرض، ثم في عهد أبي بكر لم تصل صلاة التراويح، وعمر بعد ذلك قام من جديد، وأوحد الصحابة عليها، وقاموا على قارئ، فأصلها موجود. يقول: ما كان أصله موجوداً فإنه لا يسمى بدعة شرعاً، لأن أصله موجود، أصله هذا الشيء موجود. وفي ذلك ما يقال منه: المصالح المرسلة. المصالح المرسلة تدخل في هذا الباب، لأن أصلها موجود، مثل ما فعل الصحابة في جمع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومثل الأذان الأول، مصلحة الأذان له الذي كذلك جاء في عهد عثمان رضي الله عنه. وكثير مما فعله الصحابة. كتاب في هذا هو كتاب الاعتصام للشاطبي رحمه الله تعالى. وقال أيضاً: كل من أحدث شيئاً نسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين ينسب إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه. وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، كل هذا لا يقفل، يعني يدخل في البدع: الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة. لهذا ينبغي أن نحذر من هذا الأمر، لهذا يكون عندنا أصل نرجع إليه. روى الحافظ الضياء المقدسي رحمه الله بإسناد عن إبراهيم النخعي قال: سمعت الشعبي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، يعني مما له أصل، وما خالف السنة فهو مذموم، فيكون بدعة ضلالة. كما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتج بقول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه، والمراد البدعة اللفظية اللغوية، وهو ما أحدث على غير مثال سابق، ليست الشرعية. قال ابن رجب رحمه الله: ومراد الشافعي رحمه الله أن أصل البدعة المذمومة ما لا أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعاً، لموافقتها السنة، تسمى بدعة من باب اللغة لا من باب الشرع. والصوفية أخذوا القول على إطلاقه، فقالوا: كل البدعة محمودة، وليس هناك شيء مذموم. وقال ابن رجب رحمه الله: فقد روي عن الشعبي كلام آخر، فسروا هذا، فقال: المحدثات ضربان: ما أحدث مما خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً، فهذه بدعة ضلالة، وما أحدث فيه من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة. وعلى كل، أصاب الشرعي أم أخطأ الشرعي رحمه الله تعالى في تقسيم هذا. بعض مقسم مثل العز بن عبد السلام، قسموا البدعة إلى خمسة: حسنة، فهذا كله نمرجع به إلى الأصل، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وأما من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه. المهم أن يكون هناك أصل، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله أو قاله. قال ابن القيم رحمه الله: صاحب البدعة يتقرب إلى الله بما لم يأمر به ولم يشرعه ولا أحبه. وقال الشوكاني رحمه الله: البدعة هي الحدث في الدين بعد الإكمال، وما حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء والأعمال. وقال أيضاً: قيل هي ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعل ديناً قيماً وصراطاً مستقيماً. أقوال العلماء في تعريف البدعة كلها متقاربة، متقاربة: ما أحدث على غير ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أي بعده، من الأقوال والأعمال وكذلك الاعتقادات، يبقى في هذا فإنها من البدعة المذمومة. وما كان له أصل في الشريعة فهو إن سمي بدعة فليس بدعة شرعاً، وإنما هو بدعة لغة، كما قال عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.