التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 24

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

نداء الإمام ابن القيم وشرح معنى الفتنة والأماني

شرح الشيخ ابن عثيمين لبيتين من قصيدة الإمام ابن القيم، حيث نادى الإمام من كان غافلا عن طاعة الله، وبيّن أن الفتنة تكون بسبب الجهل أو الهوى. وتناول معنى كلمة "صريع الأماني" وأوضح أن الأماني قد تكون محمودة أو مذمومة حسب السياق والأسباب.

الأماني وأحكامها في أمور الدين والدنيا

الأماني بدون عمل تُعد مذمومة في أمور الدين، أما في أمور الدنيا فتختلف بحسب القصد منها، فإذا كانت للاستعانة على طاعة الله فهي ممدوحة، وإلا فهي مذمومة. الرسول صلى الله عليه وسلم وصف العاجز بأنه من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني دون الأخذ بأسباب النجاة.

الموت والاستعداد للآخرة والتحذير من الغفلة

يُنبه إلى أهمية الاستعداد للموت والآخرة، ويحذر من الغفلة والانهماك في الدنيا، مشيرًا إلى أن الجنة أو النار قريبة من الإنسان ولا يفصل بينه وبينهما إلا الموت. ويحث على اليقظة والتحرك قبل فوات الأوان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: قوله «فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى» هذا نداء ينادي به المؤلف رحمه الله ساهيا غير معين، ولهذا نصبه؛ أي ليكون نكرة غير معروف، فكل من كان موصوفا بهذا الوصف، وهو الغفلة والسهو والانهماك في الدنيا والتعلق بها، والبعد عن طاعة الله جل وعلا، والاستعداد للآخرة، فهو يخاطبه بهذا الخطاب. قال: وهو ينادي به كل من كان ساهيا في هاتين الغمرتين: غمرة الجهل، وغمرة الجهل التي ترفع بالعلم، وغمرة الهوى التي ترفع بتقوى الله جل وعلا. قال: وعليهما تدور الفتنة؛ لأن الفتنة إما أن تكون فتنة شبهة، منشأها الجهل، وإما أن تكون فتنة شهوة، منشأها الهوى. فإن الإنسان قد يكون جاهلا فيضل، وقد يكون عالما ولكنه لا يريد الحق فيضل أيضا، فيكون سبب ضلاله إما بسبب شهوة وإما بسبب شبهة. قال: وقوله «صريع الأماني» أي مصروع الأماني؛ يعني الذي صرعته الأماني. والأماني هي أن يمني الإنسان نفسه ما يشتهي مع عدم فعل الأسباب. فيقول مثلا: سيكون لي كذا، وسيغفر الله لي، وما أشبه ذلك. وأما الأماني مع فعل الأسباب فإنها من حسن الظن بالله، وحسن الظن بالله واجب. فمراده رحمه الله أن الأماني منها ما هو ممدوح، ومنها ما هو مذموم. فإن كانت هذه الأماني في أمور تتعلق بالدين - تتعلق بالدين مع الأخذ بالأسباب - بفعل الطاعات والقربات، واجتناب المعاصي والمحرمات، فهو يتمنى أن يقبل منه الأعمال، وأن تغفر له الذنوب، وأن ترفع له الدرجات، فهذا محمود. وأما إن كانت الأماني في مثل هذه الأمور الدينية من غير أخذ بأسبابها، والسلوك للوصول إلى نيل مقاصدها، فهذا مذموم. وهكذا إذا كانت الأماني في أمور دنيوية؛ إذا كانت الأماني في أمور دنيوية، كنيل مال، أو أماني في عمارة بيت، أو نحو ذلك من أمور الدنيا، ففيها التفصيل. إذا كان ذلك مما يستعين به على طاعة الله - مما يتمناه ليستعين به على طاعة الله - فهذا أمر ممدوح. وأما إن كانت أماني لنيل شهوات الدنيا ولذاتها من غير قصد حسن للاستعانة به على طاعة الله، فهذا هو المذموم. قال: وكما قالت العامة: «الأماني رأس مال المفاليس»؛ أي الذين ليس عندهم شيء يتمنون ولا يعملون. إذا كان هذا في أمور الدين وأمور الخير يتمنى مغفرة الله ورحمة الله وعفو الله، ومنهمك في الذنوب والمعاصي، هذا لا شك أنه غرور وجهل. أو كذلك يتمنى - يعني ما يتمنى - من أمور الدنيا ونيل لذاتها والتوسع في مباحاتها، فهذا كذلك أمر مذموم. قال: ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد بمسنده، والترمذي من طريقه. والحديث فيه ضعف. وبسنده أبو بكر، وهو واهن، قد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في «الضعيفة». لكن معناه صحيح؛ معناه صحيح. أن العاجز من أتبع نفسه هواها، أعطى نفسه كل ما أرادت من شهوات الدنيا ولذاتها، وتمنى على الله الأماني: أن الله يغفر له، وأن الله يرحمه، وأن الله يعفو عنه، وأن الله ينجيه من النار، وهو لم يأخذ بأسباب النجاة. ترجو السلامة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس. هذا يعني لا شك أنه يعتبر غرور أن الإنسان يتمنى شيئا لم يأخذ بأسبابه ولم يعمل بأسبابه، يريد النجاة من النار وهو يعمل بأسباب دخول النار، وهو يعمل بأسباب دخول النار. فكيف ترجو السلامة التي لم تأخذ بأسبابها؟ نعم، الذي يأخذ بالأسباب ويعمل الطاعات ويترك المحرمات، ويرجو السلام والنجاة، هذا يرجى له ذلك؛ لأنه أخذ بأسباب السلام والنجاح. قال رحمه الله: أفق قد ندن الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم قال: يعني رحمه الله بذلك الموت؛ فإنه وإن بعد فهو قريب، كما قال الله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا﴾. وقال تعالى: ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾. ومن الأمثال السائرة: «كل آت قريب». فالوقت الذي ليس بعده إلا الجنة أو النار هو قريب من كل أحد. فعليك أن تحرص على مبادرة الزمن؛ فهو ينادي هذا الغافل الساهي في شهوات الدنيا وملذاتها أن يفيق من غفلته قبل أن يفوت الأوان، ولا ينفع إذن الندم. «أفق قد ندن الوقت الذي ليس بعده»؛ أي الموت إذا حصل ووقع، ليس بعد الموت إلا الجنة أو نار «سوى جنة أو حر نار تضرم»؛ يعني تشتعل وتلتهب. وليس بين المرء وبين دخول الجنة أو النار إلا أن يموت. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»؛ يعني أن الجنة والنار قريبة من الإنسان، ليس بينه وبينهما إلا أن يموت؛ إلا أن يموت. فإما أن يكون من أهل الجنة، وإما أن يكون من أهل النار. فإذا كان الإنسان في غفلة وفي سهو، وانهماك في الدنيا وبعد عن طاعة الله، وانهماك في شهوات وملذات هذه الحياة الفانية، فمتى يفيق إذا نزل به الموت؟ حالا بينه وبين التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. فلهذا هو يناديه أن يفيق من غفلته، وأن يتدارك الأمر قبل فوات الأوان. طيب، نقف هنا إن شاء الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.