شرح رسالة فضل الإسلام 62

شرح رسالة فضل الإسلام 62

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 62، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث الحوض وعقيدة أهل السنة

شرح حديث "أنا فارطكم على الحوض" ومعنى الحوض وعقيدة أهل السنة فيه. يعتقدون أنه حوض عظيم يوم القيامة يرد عليه الناس.

تفسير منع بعض أصحابه من حوضه

تفسير حديث نبوي يصف منع بعض أصحابه من الوصول إلى حوضه يوم القيامة، حيث هؤلاء إما منافقون أو مرتدون بعد وفاته.

تفسير حديث أصحابه وأهل الحوض

يفسر حديث النبي حول أصحابه وأهل الحوض، ويبين أن المقصود بأصحاب النبي هم أمة النبي وليس فقط من كانوا معه في حياته.

خاتمة وطلب الدعاء

يشير إلى نهاية الحديث حول مسائل فقهية متعلقة بحديث معين، مع طلب الدعاء من الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" رحمه الله تعالى: ولهما، أي في البخاري ومسلم، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا فارطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث بهذا الباب الذي يتعلق بفضل الإسلام، وفيه إشارة إلى فضيلة من كان متبعًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه ممن يرد الحوض عليه صلوات ربي وسلامه عليه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أنا فارطكم على الحوض»، والفرض بفتح الفاء والراء، قال علماء اللغة: هو الذي يتقدم القوم لكي يهيئ لهم أمورهم، وخاصة في مسألة المياه. يسمى فارطًا أو فارطًا فيقول عليه الصلاة والسلام عن نفسه: «أنا فارطكم على الحوض»، أي أنا أتقدمكم، والمقصود بقوله عليه الصلاة والسلام «على الحوض»: الحوض في لغة العرب هو مجمع الماء، يقال: استحوض الماء إذا اجتمع. المقصود هنا بقوله «الحوض»: حوضه عليه الصلاة والسلام، إذ أن مما يعتقده أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى جعل حوضًا يوم القيامة يرد عليه الناس. وهذه من عقيدة أهل السنة والجماعة، بخلاف عقائد المخالفين من أهل البدع والضلال ممن أنكر قضية الحوض، وممن أولها. وجاءت أحاديث الحوض عن ثلاثين صحابيًا، بل جعل العلماء مسائل الحوض من الأحاديث المتواترة. ومما تواتر حديث: من كذب، ومن بنى لله بيتًا، واحتسب، ورؤية، وشفاعة، وحوض، ومسح خفين. فالحوض من الأدلة المتواترة. وقد جاءت أدلة كثيرة كذلك تبين ما هو هذا الحوض، فهو حوض كبير، جاء في بعض روايات: أن عرضه وطوله مسيرة شهر، وأن هذا الحوض موجود الآن، فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأرى الحوض الآن». وهذا الحوض، إخواني في الله، من صفته أنه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، كما جاء في الصحيح. وهذا الحوض كذلك له آنية من ذهب وفضة، من شرب من آنيته، وآنيته كما جاء في الصحيح أيضًا: أنها عدد نجوم السماء، الله أعلم بكثرتها. كذلك هذه الأواني معدة عند الحوض، من جاء أخذ من هذه الآنية وشرب من هذا الحوض المورود. ومن مناقب ومآثر هذا الحوض: أنه من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا، حتى جعل شرب الحوض من الأمان، أنك تأمن وأنك بإذن الله ستكون من أهل الجنة. فهذا مما يذكر إخواني في الله في صفات الحوض. وهذا الحوض أصله من الكوثر، فقد جاء في الصحيح: أن هناك ميزابان من الكوثر يصبان إلى داخل هذا الحوض، فهو حوض عظيم، حوض كريم جليل. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ترد علي أمتي الحوض»، الأمة كلها تجتمع عند حوض الرسول الله عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك، هل هناك عدة أحواض أم أنه حوض واحد؟ على قولين من أهل العلم، من يرى أنه ما هناك إلا حوض واحد، وهو حوض الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الأمم ستجتمع عنده. ومن أهل العلم من يرى أن هناك عدة أحواض، وذلك لما رواه الترمذي في سننه: أن النبي قال: «لكل نبي حوض»، أي هناك حوض لهذا النبي يأتي أتباعه ومن آمن به، وهناك حوض لنبي آخر. وحوض كل أمة تتبع نبيها فتشرب من حوضه. فالأحد يزاحمه بكثرته ووفرته وعظمته صلاة ربي وسلام عليه، فهذا الذي عناه نبينا بقوله: «أنا فارطكم على الحوض». ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أن أناسًا يختلجون، أي يمنعون من حوضه، وجاء في رواية مسلم: «ألا ليذادن أقوام عن حوضي»، أناس يمنعون من حوضه عليه الصلاة والسلام. قال: «فأقول: أي رب أصحابي، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». أحب في هذا المقام إخواني في الله أن أنبه على هذه المسألة، وعلى هذه الرواية. يقول نبينا لما يرى أقوامًا من الناس: «أصحابي، أصحابي، فيقال: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». قال: هذا الذي نخبركم به يا أهل السنة: أن الصحابة غيروا، الصحابة بدلوا. وهذه الشبهة إخواني في الله تعتبر من أقوى شبه الروافض في الطعن في أصحاب رسول الله. حتى أن من العلماء من يذكر الشبه التي يدندن بها الروافض، يبدأون بهذه الشبهة. وهذا تعرض من أقوى وأعظم وأروح شبههم. وإذا أرادوا أن يدلسوا على أحد من أهل السنة، آتوا لهم بهذا الحديث. فانتبه يا عبد الله إلى الرد، وعليك أن تعلم قبل الرد: أن مقام الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقام منيف، لا أحد يستطيع أن يتكلم فيهم أو يطعن عليهم بمغمز أو مطعن أو مقدح، ما يجوز. ولهذا اتفق العلماء على عدالتهم جميعًا، كلهم عدول بالإجماع. بل من أهل العلم من ذكر الإجماع على أنهم جميعهم من أهل الجنة. وكلاً وعد الله الحسنى، أي وعد الصحابة الحسنى. وما هي الحسنى؟ فسرت بالجنة. فالصحابة إخواني في الله ما غبار في دينهم ولا في عقائدهم ولا في أعمالهم، رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه. لكن نأتي إلى هذه الشبهة حتى نفهم معناها وفحواها. النبي نعم قال: «أصحابي، أصحابي». ناداهم بالصحبة. قال علماء: يحمل هذا على عدة أمور. الأمر الأول: أن هؤلاء من أهل النفاق، نعم كانوا في زمنه وكانوا معه، بل ربما كانوا يصلون في مسجده، بل يخرجون في غزوات، وهم يضمرون النفاق. فالرسول ما يعرف ما في الضمائر، صلوات ربي وسلامه عليه، يراهم أنهم من صحبه الكرام. فمات عنهم وهو على هذا الظن، فيوم ما يأتي يوم القيامة يرى هؤلاء الذين عرفهم فيناديهم: «أصحابي، أصحابي»، فأخبره ربه سبحانه وتعالى أن هؤلاء ما كانوا على الصحبة الصحيحة. والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يتعرف أو ما عرف جميع المنافقين، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: «ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم». فهؤلاء إذا جاء يوم القيامة وجاء بالحوض فيراهم نبينا يظنهم على ما كان الظن الأول بهم، فينجلي عنه صلوات ربي والسلام عليه حقيقة أمرهم، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، أي أظهروا ما كان في بواطنهم. هذا الوجه الأول وهو السديد. الوجه الثاني: قال علماء: يحمل هذا على من ارتد من أهل الجزيرة، دخل فيها الكثير في الإسلام في عهد رسول الله من القبائل والأرياف ومن البوادي والأعراب إلى أن توفي صلوات ربي وسلامه عليه. تغيرت المجاري، تغير المجرى، مجرى الحياة، إذ ظهر من يدعي النبوة كمسيلمة، وظهر مانع الزكاة، فحصلت ردة عظيمة. وأنتم تعلمون حروب الردة التي وقعت في زمن رسول الله، كانت على بعد موت رسول الله عليه الصلاة والسلام. فارتد أناس، فهؤلاء قبل الردة كانوا في عهد يعلمهم من الأعراب من الأرياف، هؤلاء كانوا على الإسلام، فلما وقعت حادثة واقعة الردة ارتد الكثير. ومنهم من كان على الأمر الأول، فلما مات نبينا هؤلاء ارتدوا ولا زالوا مرتدين. فلما يجيء نبينا يوم القيامة فيرى هؤلاء الذين كانوا على الإسلام فيظنهم أنهم لا زالوا فيقول: «أصحابي، أصحابي»، فيخبر بأنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية الصحيح مسلم: أن النبي قال: «فأقول: أصحابي، أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم». فدل على أنهم وقعوا في الردة، فهو كان يحسبهم من صحبه على ما كانوا في حياته، وما درى ما الذي جرى بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. فهذا الوجه الثاني وهو كذلك صواب. المحمل الثالث: أن يكون المعنى في قوله: «أصحابي، أصحابي»، الصحبة بمعناها اللغوي، ليس الصحبة بمعناها الاصطلاحي شرعي، وهو كل من لقي رسول الله وآمن به. هذا معنى الصحابي شرعًا وإصطلاحًا. لكن أحيانًا الصاحب في اللغة بمعنى من جارك، ومن ماشاك، ومن عاشرك، ومن ساكنك، ومن سافر معك، هذا صاحب. فعنى نبينا الأصحاب هنا ليس الصحب بمعناه الاصطلاحي. وهذا موجود بل في لغة رسول الله، أنه أحيانًا يعبر عن أصحاب، عن الأصحاب بمعنى من كان معه ولو لم يكن مؤمنًا به. دليل لذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى أن يأمره بضرب رأس النفاق عبد الله بن أبي رأس النفاق، والنبي يعرف أن هذا من أهل النفاق، منعه، قال: «دعه لا تضرب عنقه»، لماذا؟ قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، مع أن رسول الله يعلم أن هذا ليس بصاحب له، ليس بصحابي، لأنه غير مؤمن أصلا ورأس النفاق قد أضمر الكفر والبغض. لكن سمانه صاحبًا بمعنى ماذا؟ بمعنى معه يسير معه. لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. فهذا المعنى الثالث. المعنى الرابع والأخير كذلك قال العلماء: يحمل قوله عليه الصلاة وسم «أصحابي، أصحابي»، أي من كان على طريقتي وعلى ملتي. فلا يتعلق هذا الحديث بالصحبة الذين كانوا في زمنه، بل هو أوسع من هذا. فكل من كان من أمته فيعتبر من أصحابه عليه الصلاة والسلام. ويدل على هذا المعنى ما جاء في بعض الروايات الصحيحة: قال: «فأقول: أمتي، أمتي». فإذا معنى الصحابي هنا أي أمته. فكل من صحبه حسيًا أو معنى بمعنى لازم منهجه ولو كان في آخر من يأتي في آخر الزمان، فهو يعتبر صاحبًا لرسول الله، إذ أنه صاحب منهجه وصار على دربه. ولهذا ابن أبي مليكة رحمه الله، وهو من التابعين، وهو راوي هذا الحديث، لما ذكر هذا الحديث ماذا قال في ختامه؟ قال: «اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا». فهو أقحم نفسه في هذا الحديث، وسأل ربه العوذ أن لا أكون من أمثال هؤلاء. فيقال لهذا التابعي: يا رجل، النبي يتحدث عن أصحابه؟ يقول: لا، ليس المقصود الصحبة، بل المقصود ما هو أعم من الصحبة، وهي الأمة، وهي الأمة، بدليل ما قلنا في تلك الرواية: «أمتي، أمتي، أمتي، أمتي». فهذا المحامل الأربع الذي ينبغي أن تكون في بال كل أحد إن سمعت مبتدعًا رافضيًا ممن يخوض ويلغ في عرض أصحاب رسول الله، ويرميهم بالكفر أو الرجس، مستدلًا بهذا الحديث. فعليك بهذا الرد. فقوله: «أصحاب»، إما على ما كان يظنه نبينا وهم في حقيقة أمرهم من المنافقين، فحين يعلم حالهم. أو أنهم أصحاب لما كانوا في زمنه، وما درى أنه بعد وفاته ارتدوا. والثالث: يحمل الصحبة بالمعنى اللغوي، وهو كل من ماشاه. وهذا الذي ظنه فيهم. والرابع: المقصود بأمتي، أمتي، أصحابي، أصحابي، أي هم أمته عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا نعلم أن أناسًا من أمته يمنعون من الحوض، «ألا ليذادن أقوام عن حوضي». وما الذي منعهم من الحوض؟ هنا الفائدة، وهو الابتداء والإحداث في الدين. فأقول: «أمتي، أمتي، فيقال لي: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا». فيذكر علماء السنة: أن من العواقب الوخيمة التي ينالها المبتدع في الحكم الأخروي: أنه لن يرد الحوض، لأنه غير وبدل في شريعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من هذا الحديث: أن يبين أن من أخذ بالإسلام، عليك أن تأخذ به كما جاء به نبيك صلوات ربي وسلام عليه، لا تغير منه شيئًا. فهذا إخواني في الله ما يذكر من مسائل وأحكام حول فقه هذا الحديث. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.