شرح كتاب كشف الشبهات 28

الدرس في شرح كتاب كشف الشبهات 28، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أركان التوحيد الثلاثة وحكم من أخل بها

يستعرض المحور أركان التوحيد الصحيحة المتمثلة في إقرار القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح، مبيناً أن من اختل منه ركن لم يكن مسلماً. ويضرب الأمثلة بفرعون وإبليس الذين علموا الحق بقلوبهم وامتنعوا عن العمل استكباراً، ويحذر من الإقرار السري دون العمل العلني خوفاً على المصالح الدنيوية.

خطر النفاق وحكم المزح بكلمة الكفر وتقديم الدنيا

يبين المحور خطورة النفاق على الإسلام لظهور صاحبه بمظهر الإيمان وباطنه الكفر، ويؤكد أن المزح بكلمة الكفر يكفر صاحبه لقصده النطق بها. كما يضرب المثل بهرقل الذي عرف الحق ورفضه حفاظاً على ملكه، محذراً من تقديم مصالح الدنيا على الدين.

أحكام الإكراه على الكفر وأعذار المكره والمفرط

يشرح المحور أحكام الإكراه على النطق بالكفر وشروط العذر به كتحقق التهديد وطمأنينة القلب بالإيمان، مقابل من يرضى بالكفر استهزاءً أو طلباً للدنيا فيستحق العذاب. ويستدل بقصة الرجل من بني إسرائيل وموقف الإمام أحمد من فتنة خلق القرآن، مع ذكر أعذار الجهل والتأويل وحسن تأليف الكتاب.

تفصيل الإكراه على أفعال الكفر دون الأقوال فقط

يعرض المحور قولين للعلماء في حد الإكراه: الأول يقصره على الأقوال، والثاني يعم الأقوال والأفعال، ويرجح القول الثاني. ويقرر أن من أكره على فعل كفر كسجود أو ذبح لغير الله وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكفر.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

نختم إن شاء الله تعالى خاتمة هذا الكتاب المصنف إن شاء الله تعالى، قال المصنف رحمه الله تعالى: ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بذكر مسألة عظيمة مهمة، تفهم مما تقدم، هذه خاتمة هذا الكتاب، وهي خاتمة نافعة فيها أصل الدين، وهي من غزير علم الشيخ رحمه الله تعالى وغفر له. قال: ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بذكر مسألة عظيمة مهمة، هكذا يتناولها الشيخ، سنرى عظم هذه المسألة، تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها لأنها أصل الدين، وبها بعثت الأنبياء والمرسلين، لأنها أصل الدين، وبها بعث الله الأنبياء والمرسلين. هذا رحمه الله تعالى، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، وللكثرة الغلط فيها، فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً. وقد قدم أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، قدم المصنف رحمه الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فتبين لنا أن العبادة أربعة أنواع. فيتبين لنا مما عرفت فيه العبادة أن العبادة أربعة أنواع: عبادة ظاهرة وعبادة باطنة، والعبادة الظاهرة قسمان، والعبادة الظاهرة منها ما هو ظاهر على الجوارح، ومنها ما هو ظاهر على الجوارح، وهذه مثل الصلوات الخمس والحج والصيام ونحو ذلك، هذه تسمى عبادات ظاهرة لأنها تعمل بالجوارح الظاهرة، هذه عبادات ظاهرة، هذه عبادة الجوارح الظاهرة وهي أعمال ظاهرة، هذه تسمى أعمال ظاهرة. وهناك أعمال باطنة وهي التي تكون بالقلب، هناك أعمال باطنة تكون بالقلب كالحب والخشية والإنابة والتوكل والخضوع ونحو ذلك، هذه عبادات قلبية وهي أعمال القلب. إذن عندنا الأعمال أعمال الجوارح، وعندنا الأعمال أعمال القلوب، وعندنا أيضاً القول قول اللسان، هذه عبادة ظاهرة، أقوال اللسان تسمى أقوال اللسان كالأذكار وقراءة القرآن وتلفظ بالشهادتين ونحو ذلك، هذه عبادة قولية باللسان وهي ظاهرة أيضاً. وهناك أقوال القلوب وهي عبارة عن الصدق والإقرار، هناك أقوال القلوب وهي عبارة عن الصدق والإقرار أن يصدق ويقر، هذه عبادة قول القلب. إذن عندنا القول قولان والعمل عملان، عندنا القول قولان والعمل عملان: قول اللسان وقول القلب، وعمل الجوارح وعمل القلب، فالعبادة أربعة أنواع تكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، العبادة تكون بالقلب وباللسان وبالجوارح. فما هي العبادة التي تكون بالقلب؟ عندنا يا قول، ما هي العبادة التي تكون بالقلب عندك يا رحمة؟ ما هي العبادة التي تكون بالقلب؟ العبادة التي تكون بالقلب منها أعمال القلوب كالحب والرجاء والإنابة والخشية والتوكل والخضوع ونحو ذلك، ومنها قول القلب وهو التصديق والإقرار. وعبادة اللسان: إيش عبادة اللسان عندك؟ الله، قول اللسان مثل قول لا إله إلا الله، تسبيح، تكبير، الأذكار. وعندنا عمل الجوارح عبارة عن إيش؟ عمل الجوارح عندك: فالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك. إلا العبادة تكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، فإفراد الله بالعبادة لا بد أن يكون بالقلب، ولا بد أن يكون باللسان، ولا بد أن يكون بالجوارح. قال رحمه الله تعالى: فنقول لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً. من لم يوحد الله بقلبه فليس من المسلمين، ومن لم يوحد الله بلسانه فليس من المسلمين، ومن لم يوحد الله بجوارحه فليس من المسلمين، لأنه لم يصرف العبادة لله وحده تبارك وتعالى، فهذا من المشركين. فمن لم يوحد فقد أشرك، أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً، فمن لم يوحد الله فقد أشرك شأن إباء. قال رحمه الله: فإن اختل شيئاً من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به يعني عملاً ظاهراً، عرف التوحيد بقلبه، عرف التوحيد بقلبه لكنه لم يعمل به بجوارحه، فهذا كافر معاند. قال رحمه الله: فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما. قال سبحانه: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾، لأجل الكبر يرفض أن ينطق بلسانه بالتوحيد أو يعمل بجوارحه، فهذا معاند لأن قلبه قد تيقن الحق لكنه لم يعمل، هذا معاند، هذا كافر كفر عناد، عياذاً بالله. وإبليس قال: ﴿ رب فأنظرني ﴾، قال: ﴿ رب بما أغويتني ﴾، ليعترف بالربوبية لكنه لا يقر عملاً، لا بلسانه ولا بعمله، إبليس لم يعمل واستكبر، ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ﴾، فكفره كفر إباء واستكبار، وهذا غالب كفر الكافرين، غالب كفر الكافرين كفر إباء وعناد واستكبار. قال ابن القيم: فالكفر ليس سوى العناد. قال ابن القيم رحمه الله: فالكفر ليس سوى العناد، ورد ما جاء الرسول به لقول فلان، فكفرهم كفر عناد استكبار إباء، هذا نوع من أنواع الكفر، به كفر كثير من الكافرين من اليهود ومن فرعون وإبليس. قال: وأمثاله من اليهود. قال رحمه الله: وهذا يغلط به كثير من الناس، يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق، ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار، يعني لا يعملون بالتوحيد، لا يفردون الله بالعبادة بالتوحيد، وهم يشاركون المشركين مماشاة معهم على شركهم خوفاً على دنياهم، خوفاً على دنياهم، أتراهم يجاملون الكافرين؟ فإذا قلت لهم قالوا: نحن نقر أن هذا باطل ونؤمن أن هذا حق، لكن لا نقدر أن نفعله لأجل تعطل مصالحنا الدنيوية، ولكن لا نقدر أن نفعله يعني لأجل دنيانا ومصالحنا فنخاف عليها، كما قال الله بمن يتولى اليهود: ﴿ فترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا ﴾ إلى أن قال: ﴿ يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾، فهم يخافون أن يحاط بهم فيحرموا دنياهم، فلأجل هذا يجاملون على حساب التوحيد، فهل هؤلاء من المسلمين؟ وإن الجواب: هم من الكافرين، من المشركين. فإن قال: فإنهم يقرون بالتوحيد بقلوبهم، إلا التوحيد قول القلب، التوحيد لا بد أن يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح. قال رحمه الله تعالى: ولم يعرف المسكين، ولم يعرف المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، يعني التي لا تكون أعذاراً عند الله، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار التي لا يعذرون بها عند الله، وأصل عذرهم خوفهم على دنياهم، سواء كان في مال أو في جاه أو في منصب أو في ولد أو في عشيرة أو نحو ذلك، مآل أمرهم الخوف على دنياهم. قال رحمه الله: ولم يعرف المسكين، هذا مسكين يظن أنه يوافق الكافرين ظاهراً وباطنه مع الموحدين، فيظن أنه بهذا من الناجين ومن المرضي عليهم عند الفريقين، هذا مسكين، هو منهم، وإن أقر بقلبه بالتوحيد ما لم يعمل به. قال رحمه الله تعالى: ولم يعرف المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: ﴿ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ﴾، يعني أمرهم أمر دنيا، قال: وغير ذلك من الآيات، ﴿ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴾، ثم يتفرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويجحدون بألسنتهم نهىً وبأعمالهم دينهم، فهؤلاء من الكافرين، هؤلاء يعتبرون من الكافرين. قال: فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق. فهذا يظهر هذا الصنف عند اشتداد شوكة التوحيد، يظهر صنف المنافقين عند قيام دولة التوحيد وظهور التوحيد، وعند قوة التوحيد يظهر هذا الصنف من الناس، باطنهم الكفر وظاهرهم الإسلام، باطنهم الكفر وظاهرهم التوحيد، فهم لا يعتقدون بقلوبهم التوحيد، وهؤلاء إذا ماتوا كما في حديث البراء بن عازب وغيره، إذا ماتوا تأتيهم الملائكة الملكان فيسألانهم ويقولان لهم: من ربك وما دينك؟ فيقولوا: هه هه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت، فيقالوا: لا دريت ولا تليت، في بعض ألفاظ الحديث. فأما الكافر أو المنافق والمرتاب، فهذا لم يقر الإيمان بقلبه، ولم يقر التوحيد بقلبه، فهذا أي من كافر، لأن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح. قال: وهو شر من الكافر الخالص، معظم نكاية هؤلاء في الدين، فكم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن قد خربوه بعد أن كان مشيداً، يظهرون عداوة الدين في قلب محبته، ويظهرون النصحة والصلاحة وهم أهل الخيانة والفساد، ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ﴾، ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ﴾، ﴿ الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾، ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾، الشاهد من هذا: هذا حال المنافقين، بلية الإسلام بالمنافقين شديدة لأنهم يظهرون أنهم منهم وأنهم له ناصحون وأنهم فيه مخلصون وهم منافقون، شر من الكافرين، فهؤلاء خطرهم عظيم، ولهذا وجب جهادهم: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾، فبلية الإسلام بهم عظيمة. قالوا: وهو شر من الكافر الخالص، كما قال تعالى: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾، وهذا لعظم شأنهم وضررهم. قالوا: هذه مسألة طويلة تتبين لك إذا تعلمتها في ألسنة النار، يعني أن التوحيد يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح. قالوا: وهذه مسألة طويلة تتبين لك إذا تعلمتها في ألسنة النار، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنياه أو جاهه أو ملكه، وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه. ولكن عليك بفهم آيته من كتاب الله، أولهما ما تقدم، قوله تعالى: ﴿ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول صلى الله عليه وسلم كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح أو الهزل، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص دنياه، من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها. تقدم الكلام على هذا، وأن هؤلاء فيهم خلاف: هل كانوا منافقين أم هم من المؤمنين؟ وظاهر الآية أنهم من المؤمنين، وأنهم كفروا بسبب كلمة قالوها، اعتذروا عنها بأنهم لم يقصدوها، ومع هذا كفرهم الله سبحانه: ﴿ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾، وهم كانوا غزاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلن ينفعهم غزوهم ولا مجالستهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم. وفي هذا أن المزح لا يُعذر به، من مزح أو هزل، فليس المزح ونحو ذلك من أعذار الكفر، ليس المزح ولا غير ذلك من أعذار الكفر، لأن صاحبها مريد للتلفظ بكلمة الكفر، لأن صاحبها مريد قاصد للتلفظ بكلمة الكفر، فمثل هذا لا يُعذر بها، والمزاح لا يُنافي الكفر، المزاح لا يُنافي الكفر، المزاح والضحكة لا يُنافي الكفر، فإنه قصد أن ينزح بالدين، وقصد أن يهزأ بشيء من الدين، فهذا قاصد لقوله، وهذا كاف في تكفيره، وإن زعم أنه لم يُرِد الاستهانة، وإن زعم أنه لم يُرِد الاستهانة، فقصد الفعل كاف في تكفيره، قصد الفعل كاف في تكفيره، بخلاف المكره فلم يقصد الفعل، فالقصد قصدان: قصد فعل، وقصد ما يتضمنه الفعل، فمن قصد الفعل جرى عليه حكمه، وإن زعم أنه لم يقصد الاستهانة والاستخفاف. فهذا رحمه الله تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها. ومن هذا كفر هرقل كما في الصحيح، فإنه جمع الروم وغلق الأبواب ودعاهم إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فحاصوا حيصة الحمر، فخاف على جاهه وملكه، ثم قال لهم: إنما فعلت ذلك لأختبر بصائركم على دينكم، أو كما قال، فهذا كفر، وبقي على كفره لأنه خاف على ملكه وجاهه. قال رحمه الله: أو مداراة لأحد، وهذا فيه عبرة عظيمة، أن يغضب الرب سبحانه بالشرك ليرضي فلاناً وفلاناً حتى لا يؤذوه في عرضه أو في ماله أو في جاهه، يداريهم مداراة، وهل مثل هؤلاء يسلمون منهم؟ الجواب: لا يسلمون، بخلاف من توكل على الله فإنه يسلم، واعتصم بالله فإنه ينجو، واستعاذ بالله فإنه يكفى، كما قال ربنا سبحانه: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ﴾، فلو أنهم لم يتبعوا دين الله سبحانه لكان الكافرون، لكان الكفار قد تسلطوا عليهم، وهذا من سنة الله سبحانه، أن من أرضى الله بسخط الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سبحانه رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، فرضاء الناس غاية لا تُدرك، فكلهم ليسوا راضين عنه، فأرض ربك سبحانه فإنه إذا رضي عنك كفاك سبحانه ووقاك سبحانه. قال رحمه الله تعالى: أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها، هذا لأنه يقصد فعلاً ذلك الأمر، ولا يعتذر، هذا قصد أرضى الكافرين بسخط رب العالمين، أما أولئك فإنهم يقولون: نحن لم نقصد سخط الله ولا سخط رسوله، إنما كنا نخوض ونلعب ونقطع عناء الطريق، هكذا يقولون، هكذا يقولون، أما هذا فإنه يرضيهم فيعبد غير الله سبحانه، يعبد غير الله سبحانه لأجل أن يداري فلاناً وفلاناً حتى لا يمسه أحد بسوء، فهو يقصد غضب الرب. قال رحمه الله تعالى: والثانية: قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ﴾، تصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بشيء بالاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له بذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾، ولكن ﴿ من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ﴾، شاهد أن الإكراه يُعذر به، الإكراه يُعذر به، وكذلك يُعذر أيضاً بالإكراه إذا كان عن طمأنينة القلب، يُعذر بالإكراه إذا كان عن طمأنينة القلب، لأن الله قال: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾، يعني فتلفظ بكلمة الكفر، سب الدين أو نحو ذلك، فلا بد من تحقق الضرر، وأن يكون الضرر ضرراً يُعذر بارتكاب كلمة الكفر فيه، أما الضرر الخفيف الذي يتحمل فيصبر ولا ينطق بكلمة الكفر بذلك، فلا بد أن يكون الضرر متحققاً، وأن يكون الضرر مما يُعذر به، كأن يُهدد بالقتل فيعصم نفسه ويعطيهم كلمة حتى يُطلقوه ويتركوه، هذا ضرر متحقق، فمثل هذا يُعذر، أما بعض الناس فإنه يتوسع في باب الضرر، ويتوسع في دعوة الإكراه حباً للترخص، فمن أكره إكراهاً يُعذر به على قول كلمة الكفر، وأن جاء إلى ذلك إلجاءً أن يُعذر به، فنطق بكلمة الكفر، فإنه إذا كان عن طمأنينة القلب بالإسلام والإيمان يُعذر بما تلفظ به، ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾، أما من شرح صدره بكلمة الكفر فهذا لا يُعذر، من شرح صدره بكلمة الكفر لا يُعذر. ومثال ذلك قصة ما ذكره طارق بن شهاب في قصة الرجل الذي كان في بني إسرائيل، قيل له: قرب شيئاً، فرفض، فقتل، وقيل للآخر: قرب ولو ذباباً، فقرب، فقال: أيش؟ قال: وأيش ذباب؟ كما هو في لفظ ابن أبي شيبة في المصنف، قال: وأيش ذباب؟ يعني استهان به وشرح صدره به بالتقرب إلى غير الله، وانفتح لذلك قلبه، فقرب ذباباً فدخل النار، لأنه شرح بالكفر صدره، قال: وأيش ذباب؟ استهزاء به، فأبد غير الله شارحاً صدره بالكفر، فمثال هذا لا يُعذر، ولهذا فهو في النار، عياذاً بالله. أما المكره الذي يُلجأ إلى الإكراه فالأولى له أن يصبر، فإن لم يصبر فيجوز له أن يقول كلمة الكفر إذا كان التحقق فيه الإكراه والإلجاء المُعذر، وليس بمجرد الشيء اليسير ينطر، فلهذا أنكر الإمام أحمد رحمه الله في فتنة خلق القرآن وهجر بعض أكابر العلماء، قال: هؤلاء لم يكرهوا، يعني أنهم لم يصل بهم الأمر إلى أن يكونوا مكرهين، فهجرهم الإمام أحمد رحمه الله، ورحمة الله عليهم جميعاً. وكذلك أيضاً هناك أعذار أخرى للتكفير: منها الجهل، ومنها التأويل، ومنها الخطأ، فليس كل من وقع في الكفر كان كافراً حتى تقام عليه الحجة الرسالية ويبلغه الدين، فإن بلغه الدين والقرآن فقد قامت عليه الحجة، ولا يشترط أن يفهم فهماً أبي بكر وعمر، فمن ذبح لغير الله كفر، ومن سجد لغير الله كفر، ومن استغاث بغير الله كفر، يكفره بعينه إذا بلغه القرآن ودين الله سبحانه، إذا سمع بالدين يكفر بعينه، ثم ينصح، ينصح ويبين له، فإن رجع فعلى خير هو، وإن لم يرجع فهذا كافر كفراً أكبر، كافر كفراً أكبر، والكلام على موانع التكفير وتفصيل الكلام فيها يكون في نواقض الإسلام إن شاء الله تعالى، وإنما الشيخ تعرض للإكراه ليبين الفرق بين المكره الذي يُعذر، وبين المفرط الذي يحب الدنيا والجاه والمنصب فيداري بكفر القلائص، أن هذا من توفيق الله سبحانه للشيخ، فإن أول مسألة بدأ بها هذا الكتاب هي عين المسألة التي ختم بها الكتاب. قال في أول الكتاب: اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وقال: ولنختم الكلام إن شاء الله بذكر مسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها وللكثرة الغلط فيها، فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، وهذا عين قوله فيما تقدم: اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، لأن العبادة تكون بالقلب وباللسان وبالعمل، فهذا من حسن تصنيفه رحمه الله، حتى يكون على ذكر من الموحد أن التوحيد هو المقصود من هذه الرسالة، وأن تقريره هو المراد، فيبدأ المصنف رسالته بمسألة يخدم بها نفس الرسالة، هذا من توفيق الله سبحانه له بهذا الكتاب، وهذا الكتاب معقد، لعله أقوى كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، كتاب عجيب وهو غزير المادة العلمية، كما يعرفه من تأمل في ألفاظه ومعانيه. وبقي مسألة أخرى: وهي هل الإكراه يكون بالقول وبالفعل، أم الإكراه خاص بالأقوال؟ فيها قولان لأهل العلم، ولأئمة الدعوة أيضاً قولان. القول الأول: أن الإكراه لا يكون إلا بالأقوال، فمن أكره على فعل فعمل الكفر بفعله فهذا لا يعذر بكفره، لا يعذر بكفره، لأن الإكراه خاص بالأقوال. والقول الآخر: أن الإكراه يكون على الأقوال والأفعال، فمن وصل إلى حد الإكراه المعذر والإلجاء المعذر فسجد لغير الله لا يكفر، فسجد لغير الله لا يكفر، أو ذبح لغير الله لا يكفر، إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، وهذا هو الراجح بهذه المسألة. ماذا هو الراجح بهذه المسألة؟ أن الإكراه يكون بالأقوال وبالأفعال، ومن أئمة الدعوة من يرى أن الإكراه لا يكون إلا بالأقوال