كتاب الطهارة 33

كتاب الطهارة 33

الدرس في كتاب الطهارة 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مس الذكر ونقض الوضوء وتفاصيل المسألة

يتناول هذا الفصل مسألة مس الذكر وهل ينقض الوضوء أم لا، مع اختلاف العلماء في ذلك واستدلالهم بأحاديث مختلفة. يُبرز آراء مختلف الفقهاء مثل الشافعي، أبي حنيفة، ومالك في هذه المسألة.

الترجيح بين الأحاديث المختلفة حول مس الذكر

ناقش هذا الفصل تعارض حديث بسرة بنت صفوان وحديث طلق بن علي حول مس الذكر أثناء الصلاة، واستعرض آراء العلماء في الترجيح بينهما، معتبرا أن الترجيح هو الحل الأمثل لعدم وجود تعارض حقيقي بين الأحاديث.

ترجيح حديث بسرة على حديث طلق ووجوه الترجيح

تناول هذا الفصل ترجيحات العلماء لحديث بسرة على حديث طلق في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر، حيث قدمت عدة وجوه للترجيح منها أن حديث بسرة ناقل عن الأصل وأن المنطوق مقدم على المفهوم.

حكم انتقاض الوضوء بمس الذكر وآراء العلماء

اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بمس الذكر، فمنهم من قال لا ينتقض إذا كان بالظاهر، ومنهم من قال ينتقض سواء كان بالظاهر أو الباطن. يرى أكثر العلماء أنه ينتقض إذا مس الذكر بأحد الكفين.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. وبعد، قال المؤلف رحيمه الله: مس فرجه بغير اليد لا ينقض بالاتفاق، فمن مس فرجه بغير يده لا ينقض بالاتفاق، ومسه بباطن الكف ولا بأصبع ناقض عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا نقض بمسه ذكر نفسه. وقال مالك: مسه بشهوة ينقض، وإلا فلا. قال: ومس فرج غيره ناقض عند الشافعي وأحمد، سواء كان الملموس صغيرًا أو كبيرًا، حيا أو ميتًا. وقال مالك: لا نقض بمس الصغير. وقال أبو حنيفة: ينقض مسه ذكرًا منتصبًا إلى حائل. قال: وهل ينتقض وضوء الملموس أم لا؟ هذا -إن شاء الله- مسألة أخرى. مسألة مس الذكر هل هو ناقض للوضوء أو لا؟ هذا الاختلاف سببه ما جاء في الحديث من اختلاف. فعندنا في مسألة الذكر عدة أحاديث، وأهمها -أقصد التي يُستدل بها- أقوى حديث: حديث بسرة بنت صفوان، وما ظاهره معارضته هو حديث طلق بن حبيب. فحديث بسرة بنت صفوان فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من مس ذكره فليتوضأ، من مس ذكره فليتوضأ». وهذا الحديث قد خرجته الأئمة من عدة طرق، لكن كلها تدور على عروة بن الزبير. فقد جاء من طريق هشام، ومن طريق الزهري، ومن طريق عبد الرحمن بن محمد بن أبي الأسود -أو أبي الأسود- أقصد: يتيم عروة، وغيره. فجاء عن عروة أنه كان في مجلس مروان -أي: كان عند مروان بن الحكم لما كان في المدينة، وكان حاكما لعثمان في المدينة- فتذاكروا هذه المسألة، تذاكروا مس الذكر. فقال مروان: قد حدثتني عمتي بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مس ذكره فليتوضأ». ففي رواية جاء أنه قال: «إن عند بسرة بنت صفوان حديثا في هذا». فأرسل بعض الشرط، فأرسل بعض الشرط إلى بسرة بنت صفوان، وبسرة هي عمته -عمة مروان بن الحكم- أخت الحكم من العاصم. فذهب هذا الشرطي، ثم جاء ورجع وأخبرهم بهذا الحديث. وجاءت روايات أن عروة يقول: حدثتني بسرة بنت صفوان. وقد ذكر الإمام الجبل الجهبذ، الإمام الحافظ الكبير الدارقطني رحمه الله في كتاب «العلل» ذكر طرق كثيرة لهذا الحديث، لو أخرجت في جزء لكان جزءا كبيرا. وبعدما ذكر هذه الروايات الكثيرة، فقال رحمه الله: والظاهر -أو قال: والأشبه- أن عروة سمعه من مروان، وسمعه من مروان عندما أرسل الشرطي، وسمعه كذلك من بسرة نفسها. فالحديث صحيح؛ لأن بعض أهل العلم يشكك فيه، يقول: إنما أرسل مروان شرطيا مجهولا، ولا يعرف من هذا الشرطي. لكن القصة تدل على أن مروان قد سمعه من عمته، ثم حدث به، وأراد أن يتأكد أو يؤكد الأمر لعروة بن الزبير. وأيضا غاية ما يدل على أن عروة أيضا ذهب إلى بسرة بنت صفوان حتى تحدثه. ولأن أيضا بعض العلم يطعن في مروان بن الحكم، يقول: إنه لا يقبل الغاية، وهو أيضا مختلف في صحبته. والصحيح أنه ليس صحابيا؛ صحيح أنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يكن في المدينة في ذلك الوقت، وإنما كان بالطائف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفي أباه إلى الطائف، فلهذا كان في الطائف، وولد في الطائف، فليس هو في المدينة. فلهذا الصحيح -كما رجحه الحافظ وغيره- أنه ليس صحابيا، لكنه تابعي. وقد أثر عنه بعض الأشياء التي قد تخرم في عدلته، لكنه كان حاكما، فلهذا بعض العلم يقبل منه مثل هذه الأشياء؛ لأن الحاكم يوضع في مكان، فحيانا تزل قدمه في شيء من الأمور يريد أن يحزمها، مثلا أو يظن أن هذا هو الحزم لها. فالمهم حصلت منه أشياء -الله يغفر له- فلهذا بعض العلم تردد في توثيقه. لكن نقول: إن عروة رحمه الله قد سمعه من بسرة نفسها، على ما قاله الإمام الدارقطني رحمه الله. فالحديث صحيح لا شك في صحته. وقد جاءت أحاديث تؤيد هذا الحديث، منها حديث أبي هريرة، ومنها أيضا حديث أم سلمة أو ميمونة، وأيضا معناه نفسه. أيضا جاء في حديث أبي هريرة: «أيما رجل مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مس فرجها فليتوضأ». فهذا الحديث هو صحيح، وهو قول أحمد والبخاري وغيرهم. على أن أصح حديث في هذه المسألة هذا الحديث. وخالفهم علي بن المديني، فقال: أصح حديث: حديث طلق، حديث طلق بن حبيب. وهو أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، قال: «إنما هو بضعة منك». هذا الحديث جاء من طريق علي بن طلق بن حبيب، وعلي مختلف فيه؛ منهم من يقول: إنه مجهول، ومن العلم من يقول: إنه ثقة، وحسن حديثه. وقال الحافظ: إنه صدوق، أي: إنه يحسن حديثه. فبهذا يحمل على أن الحديث صحيح. فالآن حصل شيء من التعارض بين ما ظاهره التعارض. والأصل أن الحديث والآيات ليس بينهما تعارض حقيقي، وإنما ظاهرهما يكون تعارض، يجمع بينه أهل العلم، أو يكون هناك نسخ، أو يكون ترجيح. فهنا هذان الحديثان من ناحية الجمع بينهما لا يمكن؛ لا يمكن الجمع بينهما إلا إن قلنا: إنه يحمل حديث طلق على أنه يمس ذكره بحجاب، لكن هذا بعيد. وقد جاء أيضا في بعض الروايات أنه قال: يفضي إلى ذكره وهو في الصلاة. وهذا أوضح، فلهذا فلا يمكن أن يوفق معنا الجمع بين هاتين الروايتين. لكن ممكن أن يكون هناك نسخ. وقد ذهب إليه بعض العلم، وقالوا: إن بسرة بنت صفوان إنما أسلمت في فتح مكة، وأما طلق بن علي فقد أسلم قديما، وجاء إلى المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يبني المسجد. جاء في صحيح ابن حبان أن رواية أن طلق بن علي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يبني المسجد. جاء من حديث أبي سعيد، لكن من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وفيه ضعف؛ دراج أبو السمح فيه ضعف. حتى ولو كانت صحيحة، النسخ الظاهر أنه بعيد؛ لماذا؟ لأنه لم يصرح أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث في ذلك الوقت، فقد يكون سمعه بعد الفتح؛ لأن بني المتفق -والذين هم منهم طلق بن حبيب- إنما جاءوا أكثرهم في السنة التاسعة، يعني بعد الفتح. ممكن أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح يتكلم بهذا الحديث، أو سأله عن هذه المسألة. فلهذا لا دليل على القول بالنسخ. ما بقي إلا الترجيح. فالترجيح من ناحية -كما قلنا- أهل الحديث اختلفوا: هل أيهما أقوى؟ هل حديث بسرة أقوى أم حديث طلق؟ وأكثرهم يرجحون حديث بسرة على حديث طلق، خلافا لإمام العلل الإمام علي بن المديني. فمن ناحية الحديث اختلف العلماء -علماء الحديث- في الترجيح، وإن كان أكثرهم يرجح حديث بسرة بنت صفوان. أيضا هناك ترجيحات أصولية، ترجيحات أصولية ممكن أن ترجح أحد الحديثين على الآخر. من هذه الترجيحات: أن حديث طلق باق على الأصل، وحديث بسرة ناقل عن الأصل. الأصل: الطهارة، وأنه لا ينقض شيء هذا الأصل. فقد يكون طلق بن حبيب سأل النبي صلى الله عليه وسلم في فترة لم يكن يحرم مس الذكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما هو بضعة منك». ثم نقل عن هذا الأصل -وهو أن من مس ذكره فليتوضأ- مس ذكره فليتوضأ. أيضا من هذا الترجيح: أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق باق على الأصل. ومن الترجيحات أيضا: أن حديث بسرة منطوق، وحديث طلق مفهوم. كيف؟ المنطوق في المسألة: «من مس ذكره فليتوضأ». حديث طلق: «إنما هو بضعة منك»، مفهومه يفهم منه أنه لا يتوضأ. والمنطوق مقدم على المفهوم؛ المنطوق مقدم على المفهوم. وأيضا غيرها من هذه الترجيحات التي ذكرها العلماء من أهل العلم. من جرب الجمع بينهما، ترجيح بالجمع، لكنه ليس جمعا، لكنه ترجيح بالجمع. منهم شيخ الإسلام رحمه الله، فحمله على التعمد، حمل حديث بسرة على المتعمد، وهو قول عند أحمد، قول جاء عند أحمد. وحمل حديث طلق على غير المتعمد. وهناك أيضا جمع آخر، جمعه شيخ الإسلام، وهو أنه يحمل حديث طلق على الاستحباب، ويحمل حديث بسرة على الوجوب، على الأمر الذي في حديث بسرة يحمل على الاستحباب. أمر استحباب. وهذه أيضا من الترجيح في الجمع، وهي ليست بعيدة، تحتملها الأحاديث. وأيضا هناك جمع المالكية، وذكره هنا المؤلف. وأيضا رجحه من المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله، فقال: معناه إذا كان بشهوة فإنه يكون ناقضا، إذا لم يكن بشهوة لا ينقض. وأخذوه من قوله: «الرجل يفضي بيده أو يمس ذكره في الصلاة»، قال: «إنما هو بضعة منك». وغالبا في الصلاة ما سيمسه إلا إذا كان غير متعمد له. وأما أنه بشهوة فهذا بعيد، هكذا قالوا. لكن الحديث ليس فيه كذلك، ليس فيه ما يدل على الشهوة. لكن هذا جمع في الترجيح. وخلاصة الأمر: أن حديث بسرة أقوى من ناحية الترجيحات، أقوى من حديث طلق. وأيضا من الترجيحات التي تقوى في هذا الباب: أن الاحتياط يقدم على الإباحة؛ أن الاحتياط يقدم على الإباحة. فلهذا فما دام أنه ناقض للوضوء، فالأفضل والأحوط للإنسان أن يتوضأ، ولا يصلي وهو بغير وضوء إذا مس ذكره. فلهذا هذه الترجيحات أكثرها تدل على أن حديث بسرة هو الراجح. فلهذا: فصحيح في هذه المسألة، وهو المشهور عن أحمد، وهو قول الشافعي رحمه الله -كما ذكر المؤلف- أن مس الذكر ناقض، مس ذكره فليتوضأ. ومس الذكر إذا كان مس ذكره. وأما إذا كان مس ذكر غيره، فكذلك المسألة فيها خلاف. وصحيح أن الحديث ليس فيها شيء من هذا؛ صحيح ليس فيها أن من مس ذكر غيره يتوضأ. ولهذا المرأة إذا مست ذكر صبيها لغسل غسلة وتغسلها، وكذا. فالصحيح أنها لا تتوضأ؛ الصحيح أن وضوءها صحيح، ولا ينتقض؛ لأنه ليس في الأحاديث ما يذكر فرج الغير. وأما ما جاء في الروايات: «من مس الفرج فليتوضأ»، فإنها ليست صحيحة؛ ليست صحيحة. هذا خلاصة ما يذكر في هاتين المسألتين. فصحيح -كما قلنا- أن مس الذكر ينقض. لكن هنا ذكر مسألة: وهي هل ينقض باليد كلها؟ أو بالكف؟ إذا مسه بالكف. أما إذا مسه مثلا من فوق، أو مسه بجنبه، أو مسه كذلك بغيرها من هذه الأماكن من غير اليد، فهذا لا ينقض اتفاقا؛ لا ينقض اتفاقا. لكن لو مسه بيده، فالإمام الشافعي يرى أنه إذا مسه باطن يده، أو بأصابعه -معنى بالباطن- فإنه ينقض، ينتقض وضوءه. وأما إذا مسه بظاهر الكف، يقول: إنه لا ينتقض. وأكثر العلم على معنى مالك والشافعي وأحمد يقولون: ينتقض إذا مسه بظاهره أو بباطنه، المهم أنه يمسه بكفه بأحدى كفيه مما اليمنى أو اليسرى.