الدرس في كتاب الطهارة 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التيمم بديل عن الوضوء عند عدم وجود الماء أو تعذر استعماله، وهناك خلاف حول ما إذا كان يرفع الحدث أم لا. يرى أكثر العلماء أنه لا يرفع الحدث.
استدل الفقهاء بحديث أبي هريرة على أن التيمم لا يرفع الحدث، بينما استدل داود بحديث عمران بن حصين على أنه يرفع الحدث. اختلف الفقهاء فيما يبيحه التيمم.
يرى القول الثالث أن التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا حتى ينتهي العذر، ثم يعود للوضوء أو الغسل عند انتهاء العذر. هناك اختلاف حول مدة رفع التيمم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب التيمم. قال: لا يرفع التيمم الحدث بالاتفاق، وقال داود: يرفعه. هذا الآن باب التيمم، المراد أو معنى التيمم كما ذكرنا في البخاري: التيمم هو القصد، ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ أي قصدوا الصعيد، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، أي لا تقصدوا الخبيث منه تنفقون. وقال: «يممت وجهي إلى بيت الله الحرام» قصدت وجهي إلى بيت الله الحرام، فالتيمم هو القصد. وأما شرعا فهو القصد إلى الصعيد للتيمم عند عدم وجود الماء أو تعذر استعماله. وبعضهم يضيف: باستباحة الصلاة، ومنهم من يقول: لرفع الحدث، لكن لأجل أن هذه المسألة فيها نزاع، فالأولى أن لا تدخل في التعريف. قال المؤلف: لا يرفع التيمم الحدث بالاتفاق، وقال داود: يرفعه. الآن التيمم هو بدل الوضوء، بدل الوضوء إذا كان الإنسان جنبا أو محدثا حدثا أصغر. كما هو معلوم أن الحدث أكبر وهو الجنابة، وحدث أصغر الذي يوجب الوضوء. فإذا كان الشخص محدثا ولم يجد ماء ثم تيمم، هل التيمم هذا يرفع حدثه؟ هل التيمم يرفع الحدث؟ معنى ذلك أنه ولو وجد ماء فصلاته صحيحة. وأيضا معنى ذلك أنه انتهى حدث، أن رفع الحدث أي حدثه انتهى، ليس في حدث، وله أن يصلي ما شاء بهذا التيمم. فهذا معنى التيمم رافع للحدث. فقال هنا: قال لا يرفع التيمم الحدث بالاتفاق، أي اتفاق أكثر أهل العلم على أن الحدث أو التيمم لا يرفع الحدث، وإنما استباحوا به الصلاة، استباحوا به الصلاة. وقال داود: يرفعه. لكن في كلام مؤلف فيه جمال في القول الأول، لأنه ليس كلهم يقولون أنه لا يرفع التيمم لا يرفع الحدث، بل هناك وجه عند الشافعية، وهو أيضا قول عند أحمد، ورواية وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقول بعض الحنفية، قالوا بأنه يرفعه رفعا مؤقتا، بأن التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا. فإذا وجد الماء فإنه يغتسل بهذا الماء، يغتسل بهذا الماء. فهذه المسألة استدل الذين يقولون بأنه لا يرفع الحدث بحديث أبي ذر، وجاء أيضا عن أبي هريرة مثله، وإن كان حديث أبي ذر مرسلا وفيه عمر بن بجدان مختلف في عدالته، منهم من يقول مجهول، ومن يقول يقبل حديثه، على أنه حديث أبي هريرة شاهد، وهو أنه قال: «أن الصعيد أو أن الصعيد يكفيه لمدة عشر سنين»، وقال: «ولو لمدة عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرة»، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرة. قالوا: هنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل الصعيد كافيا، وإذا وجد الماء لابد أنه يغتسل إذا وجد الماء، إذا كان جنبا يجب عليه أن يغتسل. فقالوا: فمعنى هذا أن الحدث لم يرتفع، بقي الحدث عليه، فلهذا فهذا التيمم إنما هو مبيح للصلاة، يبيح لك فقط أنك تصلي. واختلفوا بعد ذلك فيما يبيحه التيمم، هل يبيح الفرائض مع السنن كلها؟ وهذا قول أكثرهم، ومنهم من قال: أنه لا يبيح إلا صلاة، فإذا انتهت الصلاة صلى أخرى. فالمهم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن التيمم ليس رافعا للحدث، وإنما الحدث باق في الإنسان حتى يجد الماء فيغتسل فيرتفع عنه حدثه. وقال داود: أنه يرفعه، أنه يرفعه، واستدل داود أيضا بحديث عمران بن حصين الذي في الصحيحين، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وجد رجلا معتزلا عن الناس، أي لم يصل، فقال له: «ما لك لم تصلي؟» فقال: يا رسول الله أجنبت ولا ما، قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». قوله: «يكفيك» هنا استدل بها داود وغيره من الحزم على أنه يكفيك، يكفيك عن الوضوء، كافيك عن الوضوء. وأيضا استدل بهذا الحديث الذي جاء حديث عائشة وغيره في نزول آية التيمم، فلم يكن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الحدث لم يرتفع أو كذا. والقول الثالث استدلوا بالأمرين معا، القول الثالث استدلوا بالأحاديث وجمعوا بين الأحاديث، فقالوا: أن التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا، رفعا مؤقتا، فهو مثل الوضوء ما لم ينته عذره، هو مثل الوضوء ما لم ينته العذر، يعني إذا كان لم يجد الماء، فإذا وجد الماء انتهى عذره، ولابد أنه يغتسل لأجل يرفع الحدث، أو يتوضأ لأجل يرفع حدثه إذا كان حدثا أصغر. وهذا القول لعله أجمع للأحاديث، فهذا يعتبر رفعا مؤقتا، يقوم مقام الوضوء ويقوم مقام الغسل، يقوم مقام الوضوء أو مقام الغسل ما لم يجد الماء أو ينتهي عذره، إذا كان مريضا، إذا كان مريضا منعه الطبيب مثلا من استعمال الماء، يكون فيه جرح وكذا سيتضرر إذا أدخل الماء، فهنا يقوم ويمتنع عن الماء ويتيمم، فهذا التيمم يكون له رافعا للحدث مؤقتا. فإذا انتهى جرح وبرئ فإنه يغتسل إذا كان قد أحدث حدثا أكبر، يغتسل إذا كان أحدث حدثا أصغر فإنه يتوضأ. فهذا معنى رفع مؤقت. فقالوا: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك»، أن يكفيك عن الوضوء ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قال في حديث أبي ذر: «فليتق الله وليمسه بشرته»، فليتق الله وليمسه بشرته. فبهذا فالقول الصحيح في هذه المسألة أن الرفع يكون مؤقتا. بعض العلماء يقول: أن قول الجمهور يقولون أن التيمم مبيح، وقول من يقول: أنه يرفعه رفعا مؤقتا، يقولون: أن الخلاف بينهم لفظي، يقولون: والظاهر أن المؤلف كأنه رأى ذلك، ولهذا جعل الرفع باتفاقهم، أنه أقصد أنه لا يرفع باتفاقه، فجعل هذا القول في هذا القول. لكن الصحيح أن بينهما فروقا معنا، وليس الخلاف لفظيا، بل هناك مسائل تفترق، يفترق هذا القول بهذا القول، منها المسألة التي ستأتي بعدها، وهو هل يتيمم لفرضين أو ثلاثة أم يكفي واحدة؟ فالذين يقولون: أنه يستباح به الصلاة، يقولون: يكفي لصلاة واحدة فقط وتوابعها، فيكفي لصلاة واحدة. والذين قالوا: أنه رافع مؤقتا، يقولون: أنه يكفي لصلاة وثلاثة أو أكثر ما لم يحدث، ما لم يحدث، معناه يقوم مقام الوضوء ما لم ينته سبب التيمم. فهذا أيضا يدل على أن فيه اختلاف، وهناك أيضا مسائل أخرى ستأتي، ستأتي إن شاء الله، وفيها الفرق بين قولنا: يرفع، وبين قولنا: يستبيح الصلاة، أو حتى القول بالرفع المؤقت. والله تعالى أعلم.