الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تحريم المسكر واختلاف الفقهاء في الأشربة، حيث يختلف أهل الحديث والحنفية في تعريف الخمر. يُظهر المقطع اختلاف الآراء حول تحريم المسكر.
يتناول آراء العلماء في مسائل الصلاة مثل قراءة الفاتحة ووقت الأداء. يُظهر المقطع اختلاف المذاهب الفقهية حول هذه المسائل.
يناقش قراءة المأموم للفاتحة خلف الإمام واعتبار إتمام الركوع والسجود من أركان الصلاة. يُظهر آراء السلف والمذاهب الفقهية المختلفة.
يشير إلى اختتام الدرس مع الدعاء بالتوفيق من الله تعالى. يُعد إشارة إلى انتهاء الشرح مؤقتًا مع الثقة بعلم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال جملة من آداب أصحاب الحديث: قال يحرم أصحاب الحديث المسكرة من الأشربة المتخذة من العنب أو الزبيب أو التمر أو العسل أو الذرة أو غير ذلك مما يسكر كثيره، ويحرمون قليله وكثيره، ويجتنبونه، ويوجبون به الحد. فهذا معنى جعلها من آداب أصحاب الحديث، وهي مسائل تعتبر مسائل فقهية، لكن بعض أصحاب الحديث لأنه أخذ علم أهل الحديث وفقهم، فأحيانًا يكون خلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي في بعض المسائل، مثل هذه المسألة: مسألة الأشربة أو المسكر. فهذه المسائل اختلف فيها أهل الحديث؛ مذهب الحديث: مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك مع أبي حنيفة معنى مذهب أهل الرأي. فذكرها هنا، وإلا فليس هذه المسائل من مسائل الاعتقاد، إنما هي مسائل عمل واختلاف بين الفقهاء، لكن أدلتها واضحة، فلهذا أراد بعض أهل الحديث أو بعض أهل العلم يدخلون هذه المسائل؛ حتى يستمل أو حتى تشتمل كتبهم معنى مسائل العقدية والعملية التي يمشي عليها أهل الحديث، التي أيضًا يتميز بها أهل الحديث عن غيرهم. لكن هذه، كما قلنا، مسائل حصل فيها خلاف في المسائل العملية، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا مسائل فيها خلاف بين أهل الحديث أنفسهم، وبين المذاهب الثلاثة، فضلًا عن مذهب أهل الرأي. فهذه المسألة: مسكر من الأشربة عند أحمد، ومالك، والشافعي، وغيرهم من السلف: أن المسكر يكون من أكثر من شراب، ليس من شراب واحد. أو أقصد كل معنى قد يكون متخذًا من العنب، قد يكون من الزبيب، قد يكون من التمر أو العسل أو الذرة أو غيرها؛ لأنه قد جاءت أحاديث بأن مثلًا نبيذ الذرة يكون خمرًا، كذلك نبيذ العسل، وهو البتع. لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن البتع والمزر، فقال: «كل مسكر خمر، كل مسكر خمر». فلهذا فلا دلالة واضحة في هذا الباب، وأن كل ما خامر العقل فهو خمر، كل ما أسكر فهو خمر، وكل خمر حرام، كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. وأما قول الحنفية: أن الخمر لا يكون إلا من العنب والتمر، فهذا كلام غير صحيح، وهم يرون أيضًا أن المسكر ليس حرامًا إلا إذا أسكر. نحن نقولون: إن النبيذ أو العصير أو غيره يجوز للإنسان أن يشربه ما لم يكن مسكرًا، فلو أنه مثلًا يسكر كثيره، فلا بأس عندهم أن يشرب القليل. وهذا مخالف للعدالة؛ فقد جاء في الصحيح مسلم، عن أبي هريرة وعن غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أسكر قليله، فكثيره حرام». وجاء أيضًا عن جابر في السنن: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام». وجاء أيضًا عن غيرهم من الصحابة، فقال أيضًا: «ما أسكر منه الكف، فملء الكف منه حرام». ما أسكر منه الفرق -والفرق إناء كبير- إناء كبير يوضع فيه الماء وغيره، فقال: «ما أسكر منه الفرق»، معنى لو شرب من هذا الإناء الكبير كله سيُسكر، فقال: «فملء الكف منه حرام»، أنه لو كان شيء يسيرًا أخذه منه فهو حرام. فهذا قد جاءت به الأدلة على ذلك، وأخطأ الحنفية في هذه المسألة، وخالفوا الأدلة. قال: ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتوبات، وإقامتها في أوائل الأوقات. وهذا لا شك فيه، وإنما حصل الخلاف في وقت بني أمية؛ كانوا يؤخرون الصلاة، وإلا لا حديث يعارض فيها المسارعة، ولا حديث أيضًا فيها أداء الصلاة في أوقاتها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل؛ أي في أول الوقت، ولا يستحب تأخير صلاة إلا صلاة العشاء، وصلاة الظهر عند اشتداد الحر. قال: ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتوبات، وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود -أي العمل أفضل الصلاة- قال: «الصلاة على وقتها». وجاء في رواية الحاكم: «الصلاة في أول وقتها». وفيها خلاف بين العلماء -أي في صحتها- قال: أفضل من تأخيرها إلى آخر وقتها حرازًا للأجور، قال: حرازًا للأجور الحميلة بها والمثوبات -معنى التي يحملها الظهر- هكذا كان يحملها. كانت كلمة أخرى، الله أعلم -معنى التي يحملها من هذه الأعمال الصالحة. قالوا: يوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام. والظاهر أنه يشير إلى قول -معنى أكثر أهل الحديث- على أنه تقرأ الفاتحة مع الإمام، تقرأ الفاتحة مع الإمام في السرية. أنا معروف مذاهب العلماء في هذه المسألة؛ فالحنفية يقولون: أنها لا تقرأ مع الإمام، سواء كان في السرية أو في الجهرية. والحنابلة يقولون: أنها تقرأ في السرية، ولا تقرأ في الجهرية. ومالك والشافعي يقولون: أنها تقرأ في الجهرية والسرية. وأكثر مذهب السلف أنها لا تقرأ في الجهرية، وإنما تقرأ في السرية؛ جاء عن كثير من الصحابة، وكذلك عن بعض التابعين أنها لا تقرأ في الجهرية. وأما قراءة الإمام قراءة لمن خلفه، فهو حديث مرسل لا يصح. فهذه مسألة حصل فيها الخلاف بين أهل السنة أنفسهم، بين أهل الحديث. فهذا أحمد -إمام أهل الحديث والفقه- يقول بعدم القراءة في الجهرية. أنا لا تقرأ الفاتحة في الجهرية، وقد قال به أيضًا جماعة من السلف، كما قلنا، وجاء أيضًا عن جماعة من السلف؛ كأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. بعضهم ينسبه أيضًا إلى زيد بن ثابت: أن المأموم يقرأ الفاتحة مع الإمام، سواء كان في جهرية أو في سرية؛ لحديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهذا القول هو أحوط. هذا القول أحوط. ألف الإمام البخاري جزءًا في القراءة خلف الإمام، ورجح هذا القول، رجح قول الشافعي. وكذلك أيضًا ألف البيهقي جزءًا في هذه المسألة في قراءة المأموم خلف الإمام. قالوا: يأمرون بإتمام الركوع والسجود حتمًا واجبًا -أنا حتمًا واجبًا- أي ركنًا من أركان الصلاة. إتمام الركوع والسجود خلافًا للحنفية الذين يقولون: بأن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست ركنًا، وأن الانحناء يعتبر ركوعًا عندهم، بخلاف أهل السنة -أو أقصد أهل المذاهب الأخرى- يرون أن الركوع إتمامه أن يصل بيديه إلى ركبتيه، ومنهم من جعله أنه يساوي أو أنه يكون ركوعه أكثر من الانحناء؛ حتى يسمى ركوعًا. وأكتفى الحنفية بالانحناء يجعلونه ركوعًا، وكذلك يقولون بعدم الطمأنينة. فلهذا عندهم الصلاة إذا صلى مثلًا هكذا ورفع، عندهم صلاة صحيحة. لكن هذا لا دليل دلت على وجوب الطمأنينة في الصلاة. وكذلك أيضًا الركوع لا بد أن يكون إلى الركبتين، كما جاء في حديث المسيء في الطمأنينة: «حتى تطمئن راكعًا». وكذلك جاءت في تمكين اليدين بالركبتين يتمكين اليدين من الركبتين، وغيرها. وجاء أيضًا كذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يضع يديه على ركبتيه إذا صلى. وأخذ معنى كيفية الركوع والسجود من فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو المبين للقرآن. قال: ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه، والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود والجلوس بين السجدتين مطمئنًا فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها. وهذا كما قلنا جاء في حديث المسيء في الصلاة: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي». ثم قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». فهذه بعض الآداب التي ذكرها، أو المسائل العملية التي قد يكون فيها خلاف بين المذاهب الثلاثة مع الحنفية. وتجد أن بعض أهل الحديث يجعلون هذا من أمور الاعتقاد؛ لأنهم يرون أن أهل الرأي مخالفين للعقيدة، ومخالفين لطريقة أهل الحديث، وفقهم مخالف لفقه أهل الحديث. طيب إن شاء الله تعالى نكمل بهذا، والله تعالى أعلم.