الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، ويبين أن كمال الإيمان يتطلب محبة المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه. يُفسر الحديث بأن نفي الإيمان يعني نفي كمال الإيمان.
ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه من الخير، سواء كان ذلك في أمور الدين أو الدنيا. الخير نوعان: مطلق يتعلق بالأمور الدينية، ومقيد يتعلق بالأمور الدنيوية.
يجب على المسلم أن يحب الخير لإخوانه كما يحبه لنفسه إذا كان خيرا مطلقا، مع مراعاة حال المستفيد من هذا الخير. يُشرح كيفية التعامل مع الخير المقيد بحسب ما يظهر له في أخيه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية: الحديث الثالث عشر، عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». رواه البخاري ومسلم. قال الشارح وفقه الله: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم كما ذكر المصنف، فهو من المتفق عليه إذا أخرج البخاري ومسلم الحديث عن صحابي واحد والمتن واحدا أو متقاربا، يعني في اللفظة والمعنى، فيسمى متفق عليه، أو يطلق على هذا الحديث وقال متفق عليه، بمعنى اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما. قال: واللفظ للبخاري، أي لفظ الحديث للإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. ومعنى قوله: «لا يؤمن أحدكم»، أي لا يكمل إيمانه. فإن نفي الإيمان له مرتبتان: الأولى نفي أصله، وبه يخرج العبد من الإيمان، والثانية نفي كماله، وبه لا يخرج العبد من الإيمان. ويعرف هل المراد نفي أصل الإيمان أو نفي كماله بالنظر إلى هذا المنفي، إن كان هذا المنفي شيء يتعلق بأصل الإيمان أو بشرطه، فهنا يكون النفي لأصل الإيمان ويخرج به العبد من الإيمان. وأما إن كان النفي يتعلق بشيء لا يتعلق بأصل الإيمان أو بشرطه، فيكون النفي للكمال، أي لا يكمل إيمانه إلا بتحقيق هذا الواجب. قال: والمراد منهما في الحديث يرجع إلى المرتبة الثانية، يعني نفي الكمال، «لا يؤمن أحدكم»، أي الإيمان الكامل. وليس معنى «لا يؤمن» بمعنى أنه كافر، ليس معنى ذلك أنه كافر، وإنما المراد نفي كمال الإيمان، «لا يؤمن أحدكم»، أي لا يكمل إيمانه. فالمنفي هنا عن العبد هو كمال إيمانه، فمحبة المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه هي من كمال الإيمان. وحكمهما الفرض والإيجاب، لأن كل بناء جاء في الحديث النبوي متضمنا نفي الإيمان عن العبد، فإن المذكور بعده يكون واجباً. صرح به ابن تيمية الحفيد في كتاب الإيمان، أي شيخ الإسلام ابن تيمية، وأبو الفرج ابن رجب في فتح الباري، يعني صرح بأن إذا جاء في الشرع ذكر نفي الإيمان والمراد به نفي الكمال، فإن المذكور، أي هذا المذكور الذي نفي كمال الإيمان بسببه يكون تحقيقه واجباً. مثلاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». لا يؤمن، أي لا يكمل إيمانه الذي لا يبعد أذيته عن جاره، هذا ناقص الإيمان، هو ضعيف الإيمان. فإذا أراد أن يكمل إيمانه فلابد أن يحسن إلى جاره وأن يبعد أذيته عن جاره. إذا نفي الإيمان هنا بسبب أذية المؤمن لجاره يدل على أنه يجب عليه أن يبعد أذيته حتى يتحقق له كمال الإيمان. وقوله: «لأخيه»، أي للمسلم، لأن عقد الأخوة الدينية الإيمانية كائن معه دون غيره، ليس المراد بالأخوة هنا أخوة النسب، بل أخوة الدين. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه»، أي أخوه المؤمن، يعني أخاه المؤمن الذي يلتقي معه في الدين والإسلام والإيمان. والذي يحبه العبد لنفسه هو الخير. ووقع التصريح عند النسائي وابن حبان في الحديث عندهما: «ما يحب لنفسه من الخير». «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، أي من الخير الذي تحبه لنفسك من الخير. فينبغي أن تحبه لأخيك المسلم إذا أردت أن يكمل إيمانك. الله عز وجل من عليك بحفظ القرآن، هذا خير عظيم، فمن كمال إيمانك أن تحب ذلك لأخيك أن يسأل الله عز وجل وحفظ القرآن كذلك. فتح الله عليك بباب العلم واتفقه في الدين، فكذلك تحب لأخيك المسلم أن يكون كذلك أن يفتح الله عليه وأن يفقه في الدين. وهكذا أيضا، يعني قس على ذلك بسائر العبادات والطاعات والقربات. كذلك أيضا في الأمور الدنيوية كما سيأتي، مما تحبه لنفسك ولا مضرة عليك في ذلك. وهكذا أيضا لا مضرة على أخيك إن فتح الله عز وجل عليه أو من عليه بهذه النعم الدنيوية، فإنك تحبها له كما تحبها لنفسك، سواء كان من زوجة أو ولد أو مسكن أو مركب أو صناعة أو عمل أو غير ذلك من أمور الدنيا. قال: وهو يستلزم أن يكره لأخيه ما يكره لنفسه من الشر. وترك ذكر ذلك في الحديث اكتفاء، بأن حب الشيء يستلزم كره ضده. يعني إذا كان لا يؤمن العبد كمال الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، فكذلك أيضا لا يكمل إيمانه حتى يكره لأخيه المسلم ما يكره لنفسه من الشر، أي تكره لنفسك من الشر، سواء كان مما يتعلق بالدين أو يتعلق بالدنيا، فكذلك تكره ذلك لأخيك المسلم أن يصيبه هذا الشر والسوء. قال: والخير اسم لكل ما يرغب فيه شرعا، وهو نوعان: أحدهما الخير المطلق، وهو المرغب فيه شرعا من كل وجه. قال: ومحله الأمور الدينية، الأمور الدينية ما يتعلق بالعلم، ما يتعلق بالصلاة، بالصيام، بالصدقة، قراءة القرآن، ذكر الله جل وعلا، وغير ذلك، يعني من أمور العبادات والطاعات والقربات التي رغبت فيها الشريعة ترغيبا مطلقا. قال: والخيرية فيه ترجع إلى أصله، ومنه طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، يعني أصل هذه الأعمال مرغوب فيها ومطلوب فعلها، جاءت الشريعة بالأمر به والحث عليه وترغيب فيه. قال: والآخر الخير المقيد، وهو المرغب فيه شرعا من وجه دون وجه، ومحله الأمور الدنيوية، والخيرية فيه ترجع إلى قصده لا إلى أصله، كالمال والولد. يعني إذا قصده الإنسان، يعني بالسبل المشروعة والطرق المباحة، كان ذلك محمودا. كان يطلب الإنسان المال بالعمل المباح، فهذا يعني شيء يرجع فيه الخير إلى قصد تحصيل هذا المال، لا أن أصل المال يعني أمرا يكون من أمور الخير المطلقة. لا يكون خيرا إذا طلبه الإنسان بطرق غير شرعية، بالعمل المباح، أما إذا قصد المال بالوسائل المحرمة كالغش والخداع والسرقة والرشوة والغصب والتزوير ونحو ذلك، لم يكن هذا من الخير، بل هذا من الشر. قال: فما كان من الخير المطلق، وجب على العبد أن يحبه لأخيه كما يحبه لنفسه. ما كان من الخير المطلق يجب على العبد أن يحبه لأخيه المسلم كما يحبه لنفسه، هذا شيء واجب. أنت تحب لنفسك أن تكون محافظا على الصلوات الخمس في أوقاتها في جماعة، تحب هذا لأخيك. تحب لنفسك أن تكون حافظا، أن تكون عالما، أن تكون فقيها، أن تكون حريصا على طلب العلم، على مجالس العلم، تحب هذا لأخيك. تحب أن تقرأ القرآن، أو كذلك تحب أن تتصدق، إلى آخر ذلك من أبواب الخير، فيجب عليك أن تحب هذا الخير لأخيك المسلم كما تحبه لنفسك إذا أردت أن يكمل إيمانك. أما أن تحب هذا لنفسك فقط، ثم لا تحب أن ينافسك إخوانك الآخرون في هذا الخير، هذا من ضعف الإيمان. تكره أن يحفظ أخوك القرآن أو أن يتفقه في الدين أو أن يفتح الله عليه في باب من أبواب العلم، وفي فن من فنون العلم، لا تحب ذلك، تبغض ذلك وتكره ذلك، هذا من ضعف الإيمان. من كان كذلك يعلم أن إيمانه ناقص، وأن إيمانه ضعيف. قال: وأما ما كان من الخير المقيد، فباعتبار ما يظهر له في أخيه، فإن علم أو غلب على ظنه أنه يكون خيرا له، وجب عليه أن يحبه له. وما علم أو غلب على ظنه أنه يكون شرا عليه، لم يجب أن يحبه له. قال: مثلا رجل من الصالحين عنده ثروة، فنما لعلمه أن أحد إخوانه ممن هو مستور الحال وصل إليه مال كثير. فحكم محبته هذا الخير الذي وصل إلى أخيه، لا يتحقق فيه الوجوب في كل حال، بل إذا غلب على ظنه أن أخاه ينتفع بالمال في الخير، فيزداد من البر والإحسان، وجب عليه أن يحبه له كما يحبه لنفسه. وإن غلب على ظنه، أو علم أن هذا المال يكون فتنة لأخيه وشرا عليه، فلا يجب عليه أن يحبه لأخيه كما يحبه لنفسه. يعني يريد في هذا المثل أن يكون رجل من أهل الصلاح عنده مال، عنده مال كثير، وآخر من إخوانه من أهل الصلاح مستور الحال، ليس من الأغنياء، ليس عنده أموال كثيرة، فوصل إلى هذا المستور الحال شيء من المال الكثير. فهل يجب عليه أن يحب أن يكون لهذا الأخ المستور الحال مالا كثيرا كما أن عنده مال كثير؟ هذا ينظر إلى ما يعلم أو يغلب على ظنه. فإن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن هذا المال الكثير لا يفتنه، ولا يصده عن الخير وعن طاعة الله وعن عبادة الله، فمثل هذا الحال يعني يجب عليه أن يحب ذلك له كما يحبه لنفسه، ما دام أنه لا يفتن بهذا المال، ولا يكون المال شرا عليه. وأما إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه إن حصل على مال كثير، أن ذلك سيكون فتنة له ومضر عليه في دينه، وفي استقامته، وفي صلاحه، إلى آخر ذلك، فهنا لا يجب عليه أن يحب له ما يحبه لنفسه من حصول على المال الكثير. هكذا يريد بقوله في ذكر هذا المثال. ثم يقاس على ذلك ما كان مثله من أمور الدنيا، من أمور دنيوية. وما كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه خير له إن حصل عليه، وجب عليه أن يحب ذلك له. وما كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه فتنة له وأنه شر له، فلا يجب عليه أن يحب أن يتحصل على ذلك الأمر كما يحبه لنفسه. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.