الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الانحراف عن الصراط المستقيم يمكن أن يكون كفرًا أو فسقًا أو معصية أو خطأ، والصراط المستقيم هو الهدى بين ضلالتين: اليهود والنصارى. الصراط المستقيم يتطلب العلم والعمل.
اليهود مذمومون على حسدهم للمؤمنين على الهدى والعلم، وهذا الحسد ليس من صفات أهل الإيمان. كما أن اتباع أخلاق اليهود مذموم ويجب الحذر منه.
اليهود يتصفون بصفات مذمومة مثل البخل وكتمان العلم، وقد وردت آيات قرآنية تؤكد هذه الصفات وتوعدهم باللعنة والعذاب. كتم العلم عندهم يكون بخلاً أو طلباً للدنيا أو خوفاً من الاحتجاج عليهم به.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكر شيخ الإسلام بن قيمه رحمه الله بعض النصوص التي تنهى عن التشبه، وذكر ضلال بعض الأمم التي كانت قبلنا، ثم أيضا ذكر تشبه هذه الأمة بتلك الأمة. ثم بينا أن هذا ليس المراد به جميع الأمة، وإنما هناك متمسكون بدين الله، وهناك شعب منحرفون إلى شعبة اليهود، وشعب أيضا وطائفة منحرفون إلى شعبة النصارى. ثم قال رحمه الله: وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون للانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ، هذا كله موجود في الأدلة وكلام العلماء، فليس كل تشبه يكون كفرا، وليس كل تشبه فسقا، وليس كل تشبه معصية، وقد يكون خطأ. قالوا: هذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع، ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا. أنا كل يوم الإنسان يقول: اهدنا الصراط المستقيم، الصراط المستقيم، فلا صراط اليهود ولا صراط النصارى المعوجان. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، فلهذا فالصراط المستقيم هو هدى بين ضلالتين، هدى بين ضلالتين: ضلالة اليهود وضلالة النصارى. ضلالة اليهود أنهم عندهم علم، لكنهم لم يعملوا به، وضلالة النصارى أنهم عندهم عمل، ولكن عملوا بدون علم. أما الصراط المستقيم فهو علم وعمل. قال رحمه الله: وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتليت بها هذه الأمة؛ ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم أو الضالين. قال الله عز وجل: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾، فذم اليهود على ما حسد المؤمنين على الهدى والعلم. الآن يريد أن يمثل ببعض ما تشبه به أهل أمة اليهود والنصارى. وغالبا أن الإنسان إذا فتن بما عند هؤلاء الكفار، ولو كان في لباسهم، ولو كان في بعض العادات التي يعتادونها، فإنه بعد ذلك سيميل إليهم. ولهذا جاء في الحديث: «لا تشبه الزي بالزي حتى يشبه القلب بالقلب»، فقال: ما يتزين الإنسان بزينة هؤلاء الكفار إلا وهو يميل إليهم. قال: فذم اليهود على ما حسد المؤمنين على الهدى والعلم، هذه الآية فيها أن اليهود يحسدون أهل الإسلام، يحسدون على ماذا؟ على العلم والإيمان. ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا﴾، أن يريدون أن تكفروا، ترتدوا، حسدا من عند أنفسهم. ولهذا تجد أنهم يسعون بكل السعي، وبكل ما يستطيعون أن يجعلوا أهل الإسلام يرتدوا عن دينهم، لكن خيبهم الله، وإن نجحوا في بعض هذه الأشياء، لكن خابوا في كثير من الأشياء، فصار العكس، فصار كثير من النصارى يدخلون الإسلام، كثير من اليهود أيضا. قال: فذم اليهود على ما حسد المؤمنين على الهدى والعلم، وقد يبتلى بعض المنتسبين للعلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله بعلم نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقا. أن هذا الحسد أصلا ليس من صفات أهل الإيمان، ليس من صفات أهل الإيمان. بصحيح الشيخ الباني: «أتاكم داء الأمم: الحسد والبغضاء»، فهذا ليس داء لهذه الأمة، ولا هو من أخلاق أهل الإسلام الحسد، لكنه من أخلاق اليهود، أعظم أمة تحسد هي اليهود، فهو من أخلاقهم. فلذلك قد يبتلى بعض المنتسبين للعلم بهذا النوع، وهو في شبه من اليهود؛ أنه يحسد أهل العلم النافع والعمل الصالح. قال: وهو خلق مذموم مطلقا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم. قال الله عز وجل: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾، فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل بالمال. أنا أيضا هذه من صفات اليهود، يبخلون بالعلم، ما يعطونه أحدا إلا بمال أو بمصالحهم. وأيضا كذلك البخل بالمال، أبخل الناس بالمال هم اليهود. ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾، هذا في العمر، كذلك يدخل فيه بخل المال. فقال هنا في هذه الآية: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾، فقط لا يبخلون أنفسهم، بل يأمرون الناس بالبخل. ﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾، قال: وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر. وكذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية، أن هذا البخل بالعلم موجود عند اليهود، ولهذا وصفهم الله عز وجل في غير ما آية في هذا، مثل قول تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا﴾، وقوله: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون﴾، أن إذا حدثتموهم بما عندكم من الكتاب فهو حجة عليكم، فلا تحدثونهم. قال: فوصف الله عز وجل المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم، فوصف جل وعلا المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم تارة بخلا به، وتارة اعتياضا عن إظهاره بالدنيا؛ إذ يشترون به ثمنا قليلا، وتارة خوفا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه. قالوا: هذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به. وهذا إن شاء الله تعالى سيأتي الكلام عليه، فلعلنا نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.