التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 3

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 3

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

لقاء عدي بن حاتم بالنبي وصفاته

يشرح المقطع كيف أسلم عدي بن حاتم واستقبله النبي صلى الله عليه وسلم وأكرمه، ويذكر صفات النبي في قضاء حوائج الناس وكرمه. كما يشير إلى أهمية قول لا إله إلا الله وهداية الله للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

دلالات حديث عدي بن حاتم على غضب الله على اليهود والنصارى

المقطع يبين دلالات حديث عدي بن حاتم على غضب الله على اليهود وضلال النصارى، ويستشهد بآيات قرآنية تؤكد هذه الدلالات، ويشرح معنى ارتباط عز اليهود والنصارى بحكمة الله وولاء الناس لهم.

أسباب ضلال اليهود والنصارى ونتائج أفعالهم

المقطع يشرح ضلال النصارى بسبب الغلو في دينهم، ويقارن بين تقصير اليهود وغلو النصارى، ويذكر أن كلا الطرفين لم يتبع الحق، ويشير إلى أن شيخ الإسلام قدم أدلة على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: بعدما ذكر ما حصل أو ما كانت الحالة قبل الإسلام وحال الناس، وأنهم كانوا أكثرهم على ضلالة مقتهم الله عز وجل، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم جميعًا، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب". ثم قال: ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها. ثم إنه سبحانه بعثه بدين الإسلام، أي بعث النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفرض على الخلق أن يسألوا هدايته كل يوم في صلاتهم، أي هدايتهم إلى الصراط المستقيم. قال: وصفه بأنه صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال عدي بن حاتم، وهو عدي بن حاتم الطائي، وكان مقدم قومه وتنصر فترة من الزمن، ويقال إن أخته، ويقال إنها عمته، لما أطلقها النبي عليه الصلاة والسلام، ذهبت إليه إلى الشام وأخبرته ونصحته أن يأتي ويسلم، فكان أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه، وله أثر عظيم في حروب الردة. قال عدي بن حاتم رضي الله عنه، وأبوه الذي اشتهر بالكرم حاتم الطائي: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ولا كتاب. فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: "إني لأرجو أن يجعل الله يده بيدي". قال: فلقيته امرأة وصبي معها، فقال: "إن لنا إليك حاجة"، أي النبي عليه الصلاة والسلام، فقام معهما حتى قضى حاجتهما؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام كذلك في قضاء حوائج الناس، صلوات الله وسلامه عليه. قال: ثم أخذ بيدي حتى أتى بي إلى داره، فألقت له المرأة وسادة، فجلس عليها وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما يفرك أن تقول: لا إله إلا الله؟ وهل تعلم من إله غير الله؟" قال: قلت: لا. قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: "وإنما يفرك أن تقول: الله أكبر، وتعلم شيئًا أكبر من الله؟" قال: قلت: لا. قال: "فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضلال". قال: فقلت: إني حنيف مسلم. قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحًا. وذكر حديثًا طويلًا رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وهذا الحديث فيه ضعف في إسناده؛ ولهذا ضعفه بعض العلماء، ولكن له شواهد لبعضه، خاصة تسمية اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال، قد ثبت في عدة أحاديث، قد ذكر الحافظ ابن كثير عدة أحاديث عند تفسير سورة الفاتحة، وهي صحيحة. وإسلام عدي رضي الله عنه قد ثبت من عدة طرق؛ ولهذا حسن الشيخ الباني رحمه الله هذا الحديث لأجل هذه الطرق، وإلا فالحديث بإسناده فيه ضعف؛ لأن سماك بن حرب اضطرب فيه. قال: وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، والضمير عائد إلى اليهود، هؤلاء الذين غضب الله عز وجل عليهم، اليهود، وجعل منهم القردة والخنازير. وهذا فعله الله عز وجل باليهود. قال: والضمير عائد لليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام. وبدأ شيخ الإسلام رحمه الله في الآيات التي تذم اليهود والنصارى؛ لأنه أراد أن يبين أن هؤلاء كفار ضلال يبغضهم الله عز وجل، بل سماهم مغضوب عليهم، غضب الله عز وجل عليهم. وأيضًا النصارى أهل الضلال؛ فلهذا أراد أن يبين أن هؤلاء لا يجوز للمسلم أن يتولاهم أو أن يركن إليهم أو أن يتشبه بهم؛ فإن هؤلاء طريقتهم طريقة ضالة، غضب الله عز وجل على اليهود، وبين أن النصارى ضلال. قال: وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وهذا بيان أن اليهود مغضوب عليهم، وهذا يبين أيضًا أن اليهود ضربت عليهم الذلة أينما توقفوا، أينما كانوا وأينما وجدوا، لكن يخرجهم من ذلك: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. ومعنى إذا أراد الله عز وجل أن يخرجهم من هذا الذل بحكمة منه سبحانه وتعالى أخرجهم، وحبل من الناس: أي أن الناس يلينون لهم، وأيضًا كذلك يتولونهم من أهل الإسلام أو من هو من أهل الإسلام، فيحصل هذا الأمر العظيم وهو أنهم يعزون، وأنهم كذلك أيضًا تكون لهم السطوة كما هو الآن موجود ومعروف. قال: وقال في النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ إِلَى قَوْلِهِ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق؛ ولهذا نهاهم عن الغلو في دينهم، قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، معنى ذكر الضلال فيهم ثلاث مرات. قال: وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق؛ ولهذا نهاهم عن الغلو وهو مجاوزة الحد، كما نهاهم عنه في قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وهذا الذي أوقع النصارى في هذا الضلال وهو الغلو، ظنوا أنهم على شيء، وهم بغلوهم هذا صاروا من الضالين. قال: واليهود مقصرون عن الحق، تجد أن اليهود يبتعدون عن الحق، وأيضًا يعارضون الحق ويعاندونه، واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه؛ لأنهم أهل عبادة وطاعة، فتجدهم يعملون ويكدون، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، أنت تتعب وتكد، لكن هذا التعب كله لا ينفعهم بشيء؛ لأنهم لم يتبعوا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعثه الله عز وجل بعد نبي الله عيسى. قال: فأما وصف اليهود بالغضب، وأن النصارى بالضلال، فله أسباب ظاهرة وباطنة، ليس هذا موضعها. فهذا معنى يقول: إن ضلال النصارى وغضب الله عز وجل على اليهود له دلائل كثيرة، وقد دلل أيضًا شيخ الإسلام هنا بأشياء كثيرة، لكن له أسباب أيضًا ظاهرة، وهي من الكفر الذي عند هؤلاء، سواء كان اليهود أو النصارى، وسيأتي إن شاء الله أيضًا ما يبين هذا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.