الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 431

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 431

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 431، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بيان الآيات المحكمات والمتشابهات في القرآن

يشرح العلامة السعدي الآيات المحكمات والمتشابهات، ويبين أن المحكم واضح ولا يحتاج تفسير بينما المتشابه يحتمل معاني متعددة. يوضح أن أهل السنة يردون المتشابه إلى المحكم.

تفسير آية آل عمران ومعنى الواو في الراسخين في العلم

يناقش تفسير آية آل عمران وتأويل المتشابه، ويبين معنى الواو في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. يشرح الفرق بين أهل العلم والذين في قلوبهم زيغ.

التحذير من اتباع الشبهات والمتشابه دون المحكم

يُنبه الشيخ على خطورة الشبهات التي يبثها أهل البدع، ويحذر من اتباع المتشابه دون الرجوع إلى المحكم. يشير إلى أهمية العلم الصحيح في التمييز بين الحق والباطل.

دعاء السلف بالثبات على الإيمان في أوقات الفتن

يذكر أن عامة السلف كانوا يدعون الله أن يثبتهم على الإيمان في أوقات الانقسام. يشير إلى أن هناك آيات أخرى ستتم مناقشتها في دروس لاحقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى عن عظمته وكمال قيومته أنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم الذي لم يوجد ولن يوجد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق. وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين الذي لا يشتبه بغيره. فقال: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أم الكتاب هي الفاتحة. وقيل: إنها سميت بأم الكتاب لأن ما فيها موجود في كل كتاب. وقيل: إن هذه سميت أم الكتاب لأنها أعظم شيء موضوع في هذا الكتاب، وهو توحيد الله الموجود في هذه السورة، فسماها الله عز وجل أم الكتاب والسبع المثاني. المثاني أي المتقابلات، كما قال الله عز وجل: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم. ومثاني ومثاني معناه يشبه أو يتقابل بعضه ببعض، مثل أخبار الجنة وأخبار النار، هذا مثاني يخبر عن الجنة ويخبر عن النار. والمحكم ما وضح معناه. فقوله: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وبعضهم يقول: آيات محكمات كما جاء عن ابن عباس، هي العشر الآيات من سورة الأنعام: ﴿عَبَدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وذكر عدة آيات، غالبها في هذا الباب في التوحيد وكذلك في الحقوق. والمعنى العام أن المحكم هو الواضح الذي لا يحتاج إلى أن يبحث عن معناه، ولا إشكال ولا لبس في معناه، هذا محكم. ولهذا جاء في الآيات أو في القرآن سمى الله عز وجل القرآن كله محكما: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، فأحكمت آياته أي آياته كلها محكمة. وهنا ذكر أن فيه آيات محكمات وآيات متشابهة. ووصف الله عز وجل أيضا في سورة الزمر القرآن بأنه متشابه. فالجمع بين هذه الآيات كما ذكر العلماء، ذكر شارح الطحاوية، وهو أيضا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، أن المحكم على معنين، وأن المتشابه على معنين. محكم عام ومتشابه عام. فالمحكم العام هو أن هذه الآيات محكمة أي متقنة، وأيضا معانيها مؤصلة لا يستطاع أن يحاكي مثل هذه الآيات. والمتشابه العام المراد به أنه يصدق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض، متشابه أي يصدق بعضه بعضا، يشبه بعضه بعضا، فليس فيه تناقض. وأيضا كذلك آياته كلها آيات عظيمة متقنة، فلهذا المحكم العام والمتشابه العام بمعنى واحد أو معنى متقارب. وفي هذه الآية ذكر الله عز وجل أن هناك آيات محكمات وآيات متشابهة. فالمراد بالمحكم الخاص هنا هو وضوح المعاني، وضوح معاني الآيات. والمتشابه الذي يشتبه ويلتبس في معناه. وهذا المتشابه إما أنه يرد إلى المحكم، وهذا يعلمه أهل الرسوخ في العلم يردونه إلى محكمه فيعرف معناه. وإما أنه لا يعرفه أو لا يعرفه إلا الله عز وجل، وهذا يرد إلى الله سبحانه وتعالى. مثل حقائق الصفات، حقائق الجنة والنار. الله عز وجل ذكر لنا نعيم في الجنة وذكر بعضه، لكن لا ندري ما هذا النعيم، فيه ما على عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فحقيقة نعيم الجنة لا نعلم، وهو يعتبر من المتشابه. وبعض ما أيضا يذكر أوائل السور أيضا هو من المتشابه، لأنه لم يعرف ما المقصود به. فهذا يعتبر من المتشابه خاص، إما يرد إلى محكمه، وإما أنه إذا لم يعلم له محكم فيكل علمه إلى الله. فالمتشابه يرد إلى المحكم، ومن رد المحكم إلى المتشابه ضل. ومن رد المحكم إلى المتشابه لا شك في ضلاله. الآن عندك الخوارج تركوا المحكم، بل ردوا المحكم إلى المتشابه. مثل المحكم مثلا في القتل قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ قُتِلَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فسماهم مؤمنين، معنى ذلك بينهم قتال. وقال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فسماهم أخا له، معنى ذلك قتل. وأيضا المحكم العام أو المحكم أيضا في هذا الأمر قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. لكن هؤلاء تركوا هذا المحكم وأخذوا بالمتشابه. تلقوا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، فأخذوا بهذه الآية وقالوا: إن القاتل يعتبر كافرا. وقالوا أيضا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، أي أنه كل من عصى فهو كافر. هذا تركوا آيات المحكمات وأخذوا بالمتشابه، فضلوا. فجعلوا المحكم يرد إلى المتشابه. وأما أهل السنة فردوا المتشابه إلى المحكم. المتشابه إلى المحكم. طيب، فقال المؤلف رحمه الله: ﴿وَمِنْهُ آيَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، تحتمل بعض المعاني ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم، أنه يحمل هذا المتشابه إلى المحكم. فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه. وهنا المتشابه الخاص ما المراد به الذي يرد إلى المحكم. فمن العلماء من قال: المراد به العام والخاص والمطلق والمقيد، هذه الأشياء لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، كما جاء ذلك عن ابن عباس وغيره. وجاء عن بعضهم أن المراد أن العلماء لا يعلمون المتشابه وإنما يكلون علمه إلى الله. وهذا في اختلافهم في الواو قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، هنا الواو هل هي استئنافية أو أنها عاطفة؟ فأقصد والراسخون في العلم في قوله: الواو التي قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، فهل الراسخون يعلمون المتشابه لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ وهنا اختلفوا في الوقف في الواو أيضا اختلاف عند السلف، وأيضا كذلك في تفسيرها. وعلى كل القولين سواء كان في الوقف أو عدم الوقف، فهي على قولين. الواو معناها الغالبا الذين قالوا بالوقف يقولون: الواو هنا استئنافية، والراسخون في العلم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِنَا﴾. ومنهم من قال: أنها عاطفة على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، والراسخون أيضا يعلمون تأويل المتشابه. وهذا قول أكثر السلف، جعل ابن عباس ومجاهد وغيره على أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه، يعلمون تأويل المتشابه. وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. أولئك الذين في قلوبهم زيغ فهم الذين يأولون يتمسكون بالمتشابه، فيتبعون ما تشابه منه، تمسكون بالمتشابه ويتركون المحكم، يأخذون بالمتشابه. وقال كما قال بعض السلف: يهلكون عند متشابهه، يهلكون عند متشابه، يتبعون المتشابه كما جاء في حديث عائشة في البخاري: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم»، أولئك الذين سمى الله. لأنهم يتبعون المتشابه ويتركون المحكم. وأما أهل العلم وأهل الرسوخ فهم يردون هذا المتشابه إلى محكمه حتى يعلم معناه. قال: وأما أهل العلم الراسخون فيه الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف. فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأنه كله حق، محكمه ومتشابه، محكمه ومتشابه. وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف. فلعلم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون. لناقص العلم من لم يكن عنده رسوخ في العلم تحصل له الحيرة. إما أنه لا يعرف أن يرد هذا المتشابه. وإن كان في قلبه زيغ فيتبع هذا المتشابه ويترك المحكم. ولهذا الشبه خطافه. ولهذا الإنسان حينما يأخذ الشبهة وتقع في قلبه. فتجد أن المحكمات كثيرة، لكنه لا ينظر إلى هذه المحكمات. مثلا على سبيل المثال الآن: دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذه محكمة في القرآن، قد دلت عليها آيات كثيرة جدا. ما تجد سورة إلا وذكر الله عز وجل فيها شيء من هذا. مع هذا الإحكام كله، إلا أنك تجد ناسا يسبون الإسلام ويقولون بجواز الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، الاستعان به، وكذلك الدعاء لغير الله. وتمسكوا بأشياء قصص أن فلان ذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فلان فعل كذا، قصص بعضها كذب، بعضها أيضا من أناس ليسوا من أهل العلم فعلوا ذلك أو اشتباه في بعض الأحاديث. فتجد أنهم تمسكوا بهذا وتركوا المحكم، تركوا هذه الآيات كلها. طيب كيف نفعل بهذه الآيات؟ فهم قالوا: هذا على عبادة الأصنام، وأنا أرادوا أن يخرجوا من هذا الذي دخلوا فيه من الشرك. قالوا: هذا المراد به عبادة الأصنام، دعاء الأصنام، وليس دعاء الصالحين. لكن الآيات لم تفرق، بل فيها كلها عموم، كل من دون الله عز وجل. ومن يدعو مع الله إلها آخر. وقال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَدْعُو الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، ليس هناك استثناء من الله عز وجل. لكن هؤلاء لجأوا إلى هذا الأمر مع أنه مخالف لقواعد اللغة ومخالف للشرع. لجأوا إليه لأنهم قالوا بهذا القول، وهو الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأرادوا أن يبرروا لأنفسهم. فتجد مثل هؤلاء تمسكوا بالمتشابه وتركوا المحكم، وهذا جهل. وهؤلاء الذين عناهم الله عز وجل في هذه الآيات: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، بسبب الزيغ الذي في قلوبهم تمسكوا بالمتشابه. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، فتنهم الله عز وجل بهذا المتشابه. وإلا لو كانوا مثلا ليس في قلوبهم زيغ لما تمسكوا بهذا المتشابه وردوا إلى المحكم. لكن الله عز وجل يعمي أبصارهم. فلهذا تجد بعض الناس مثلا إذا دخلت فيه شبهة مثلا أخذ أو قرأ قصة من هذه القصص. فتجد تدخل في قلبه شبهة: كيف هذا؟ الله عز وجل مثلا استجاب لهذا؟ هذا الرجل الذي جاء إلى القبر وقال: يا أكرم الخلق، يا أكرم الخلق، ما لي من أعود به سواك عند حلول الحادث العمامي؟ أو كذا أو قال هذا مثل قصة العتبي هذا. وأنه جاء إلى القبر، ثم إنه رأى عمر بن الخطاب أو رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أدرك عمر وقل له كذا وكذا. المهم أن هذه قصة حصلت. وأيضا فيها منام فيها كذا. فتجد بعضهم إذا قرأ مثل هذه القصة ظن أن هؤلاء قبورية على حق، وأنهم معهم دليل ومعهم كذا. معنى ذلك: أولا غير صحيحة. وإن صحت فهي ليس فيها دليل، لأنها منام. وإن صحت أيضا فهي من المتشابه الذي لا بد أن يرد إلى المحكم. فلهذا لا بد للمسلم أن يكون عنده يقينيات، عنده محكمات يتمسك بها، لا تدخل كل شبهة في نفسه. لهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال له: إذا جاءتك الشبهة لا تدخلها إلى قلبك، اجعل قلبك مثل الزجاجة، ولا تجعله مثل الإسفنجة. الإسفنجة إذا وضعتها في الماء تشرب الماء كله. قال: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة، بل اجعله مثل الزجاجة. أولا يعرض عليها معنى، تعرض هذه الفتنة على أو هذا الأمر على الزجاج قبل أن يدخل فيها. فهكذا قال له: اجعل قلبك كالزجاج، أولا تعرض عليه الفتنة. إن كانت هذه شبهة صحيحة أو تناقض الأدلة المحكمة، خلاص تخرج. وإن لم تناقض، وإنما تكون هذه مثل ما هو موجود في المحكم، فمثل هذا تأخذ به. فينتبه الإنسان لمثل هذه الشبهة، سواء كانت شبه أهل الشرك أو أهل البدع أو شبه الحزبيين التكفيريين. فإنها أيضا أكثر، لأنهم يستدلون بالكتاب والسنة. فلهذا الإنسان لا يكون يأخذ شبه هؤلاء. بعض الناس مثلا يدخل إلى مواقع في تيليجرام وفي غيره للتكفيريين، ويجد بعض الشبه لا يستطيع أن يردها لأنه علمه ناقص، علمه ناقص فيتأثر به. كم من إنسان تأثر وهو مثلا طالب علم تأثر بهؤلاء التكفيريين، سواء كان السرورية القطبية أو كذلك أهل الهجرة والتكفير أو غيره من هؤلاء الذين شغبوا على أهل السنة وأتوا بهذا المذهب التكفيري: تكفير المجتمعات، مذهب سيد قطب أو غيره. فهذا المذهب انطوى على كثير من الناس ظنوا أنه حق، وأخذوا بمتشابه القرآن. فقالوا: من لم يحكم بما أنزل الله، قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فعمموا هذا الحكم. ويا ليتهم عمموا على كل أحد، وإنما جعلوه خاصة في الحكام. وهذه الآية لم تنزل خاصة في الحكام، وإنما نزلت عامة بكل من لم يحكم بما أنزل الله. فلهذا لو عممت هذه الآية لكان الناس كلهم كفارا، لأنه كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر. ولهذا السلف رحمه الله عرفوا معنى هذه الآية. فمنهم من قال: إن المراد بهذه الآية كفر دون كفر، ليس الكفر الذي يخرج من الملة. ومنهم من قال: إن هذه الآية إنما نزلت في الكفار. وإذا كانت في المسلمين فهي تعتبر تشبها بهم، أي صفة من صفات الكفر، وليست من صفات الإسلام. وغير ذلك من التأويلات التي جاءت عن السلف رحمهم الله، لأنهم يفهمون معنى هذه الآية. أما الخوارج فأخذوا هذه الآية ونزلوها على المسلمين. كما جاء في صحيح البخاري عن نافع: لما سئل عن قول عبد الله بن عمر في الخوارج، قال: «أخذوا آيات نزلت في الكفار فحملوها على المسلمين»، أخذوا آيات نزلت في الكفار فحملوها على المسلمين. فالشبه لا بد أن ينتبه لها الإنسان. الآن بعض أيضا هؤلاء الروافض الأنجاس المجوس، تجد أنهم بثوا كثيرا من القنوات في الدش هذا أو في أيضا تيليجرام أو في مواقع التواصل. فتجدهم يأتون بشبه لأهل السنة. وتجد بعض الناس يقرأ في هذه المواقع أو يطلع عليها بسبب قصور علمه أحيانا يتأثر. أنه تأثر كثير من الناس بسبب هذه المواقع، لأنه ما عنده علم، يظن أن هذه الشبهة التي جاءوا بها صحيحة. وأن الذي استنتج من هذا أو من هذه الشبهة صحيح. فيدرك أو تجد أنه يجعل ويأخذ هذا بما عنده من قصور العلم، فيظن أنه حق، فيظن أنه حق وهو باطل. فلهذا ينتبه الإنسان، وخاصة إذا كان قد اطلع على شيء من هذه القنوات التي يبث فيها مثل هذه الأشياء. والأصل أن الإنسان يبتعد، الواجب أنه يبتعد. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم»، المراد احذروهم، يبتعدوا عنه، ابتعدوا عن كل ما يقربكم إليهم، احذروهم، أولئك الذين سمى الله. قال: يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه للمحكم، فيعود كله محكما. ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِنَا﴾. وما يذكر أي للأمور النافعة والعلوم الصائبة. وهنا المؤلف رحمه الله حمله على القول المشهور أن الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم. والمراد هنا المتشابه قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، أن يعلمون تأويل المتشابه. ولكن كما قلنا: لا بد أن يعرف أن المتشابه على نوعين، منه ما إذا رد إلى المحكم علم، ومنه ما لا يعلم، فيرده أمره إلى الله، وعلمه إلى الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أي أهل العقول الرزينة. ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولو الألباب. وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الأراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة. حتى إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه، لكنه لأجل اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وأيضا عقله وذكاءه هو الذي يجعله يتبع هؤلاء الذين رسخوا في العلم، والذين عرفوا هذا لا يتبع كل ناعق، ولا أيضا يتبع هؤلاء البدع. قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور وما تنتهي وتؤول إليه، تعين الوقوف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، لأن التأويل يأتي بمعنين أو قل ثلاثة. نرى معنى جاء في الشرع، التأويل بثلاثة معاني: معنى التفسير، ومعنى العاقبة والمآل، ومعنى حقيقة الأمر. جاء القرآن بهذه الثلاثة معاني، إما بمعنى التفسير، وإما بمعنى الحقيقة الأمر، وهذا قد يصرف حقيقة الأمر إلى التفسير. أو المعنى الثالث: ما يؤول إليه الكلام وما يؤول إليه الأمر. فقال المؤلف هنا: إذا أريد بالتأويل هنا عاقبة الأمور أو ما تنتهي وتؤول إليه، فإنه يقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، لأن عاقبة الأمور تعتبر من علم الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وإن كان هنا المراد بالتأويل التفسير، فهذا لا بأس أنه لا يقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى. وإن أريد بالتأويل معنى التفسير، معنى الكلام، كان العطف أو لا. أي في الواو: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، أي أن الواو هنا عاطفة. قال: فيكون هذا مدخلا للراسخين في العلم أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكما ومتشابهها، أو محكمها ومتشابهها. وقلنا: إن هذا قول عامة السلف أو أكثر السلف، قالوا: لما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين، دعوا الله أن يثبتهم على الإيمان. طيب، إن شاء الله تعالى، الآية الأخرى نتركها في درس آخر.