الدرس في أعمال أهل الجنة - التوحيد 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الخطيب على أهمية التوحيد كأساس لدخول الجنة، مشيرًا إلى أن نطق شهادة التوحيد والإتيان بمقتضياتها من الأعمال التي تدخل الجنة. يستشهد بالأحاديث النبوية التي تؤكد ذلك.
يشرح المقطع شروط تحقيق التوحيد وانتفاع العبد بكلمة لا إله إلا الله، وهي العلم بها والإخلاص والصدق وعدم الشرك بالله، ويستدل على ذلك بالأحاديث النبوية الصحيحة. يشدد على أهمية تحقيق هذه الشروط لينتفع العبد بتوحيده ويدخل الجنة.
الشرك بالله يأتي من اعتقاد أن هناك من يعلم الغيب غير الله أو من خلال تعظيم الأموات والأولياء، التوحيد الخالص هو السبيل لدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إن من أعظم ما تعلقت به قلوب العباد من أهل الإسلام والإيمان، من سائر الملل والأديان، على مدى العصور والأزمان، ما كان من تعلقهم بسعة رحمة الرحمن، في أن الله جل وعلا يتغمدهم برحمته، ويجعلهم من أهل الجنان. الجنة يا عبد الله هي دار القرار، دار المتقين الأبرار، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب إنسان. تلكم الدار التي جعل الله جل وعلا فيها من الجنات والأنهار، ومن الفواكه والثمار، وأعد فيها من الدور والقصور، ومن الحور العين، وما لذ وطاب من طعام وشراب. إخواني في الله، إن الوصول إلى هذه الدار ليس بالأمر المحال، وإن الوصول إليها يمكن أن يكون لأي إنسان، لكن ليس عن طريق الأماني والأمنيات، وإنما يكون بالإقبال على الله بالأعمال الصالحات. قال جل في علاه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. العمل بالعمل يا عبد الله تصل إلى هذه الدار، ولا شك أن العمل يحتاج إلى صبر ومصابرة. ولهذا قال الله جل وعلا عن الملائكة عند دخولهم لأهل الجنة، وهم يبشرونهم بهذه المنزلة، قائلين لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. الصبر على الأعمال يا عبد الله هو الذي يوصلك إلى هذا المقام من الإنزال إلى المنازل العالية الشريفة المنيفة. وإنني في هذا المقام، إخواني في الله، في مثل هذه الأوقات، لا أستعرض وإياكم أهم الأعمال والأقوال والأفعال والأحوال التي دلت الأدلة الشرعية على أنها من عظيم ما يدخل الناس إلى الجنان، وذلك حتى نهتم بها ونراعيها ونقبل عليها. وإن من أهم هذه الأعمال، الإخواني في الله، وهو الأساس في عمل كل إنسان، أن تأتي بالتوحيد. التوحيد أولا، كن يا عبد الله موحدا ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، في أقوالك وأحوالك، وفي أفعالك وأعمالك. التوحيد يا عبد الله هو من أعظم ما يدخل الناس الله جل وعلا به الجنان. سبحانه، بدءا بالنطق بها، نطقك بشهادة التوحيد من أعمال دخول الجنة. قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث زيد بن خالد الجهني، قال: «بشر الناس أنه من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة». وجاء كذلك من حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر، بشر الناس أنه من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». وجاء من حديث معاذ بن جبل، كما في مسند الإمام أحمد وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. على أن نطقك وتلفظك يا عبد الله بكلمة التوحيد من الأعمال التي تدخل الناس الجنان، لكن مما ينبغي أن ننوه عليه أن هذه الكلمة ليست فقط بحروفها تدخلك الجنة، إذ أن هذه الحروف وهذه المباني تحتاج إلى معاني. إذ أن كلمة لا إله إلا الله لها حقوق ولها مقتضيات. فإن أتيت بمقتضياتها مع القول بها، حينها تسعفك هذه الكلمة بأن تدخلك الجنة. ومما يدل على هذا القيد وعلى هذا الشرط، وأن كلمة لا إله إلا الله ينبغي أن تأتي بها مع مقتضاها، ما جاءت بها الأدلة الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. من ذلك مثلا أن تقول لا إله إلا الله وأنت تعلم معناها، هذا لا بد منه. كيف تفيدك هذه الكلمة بفائدة بأن تدخلك الجنة وأنت لا تعلم معانيها ولا تفهم مراميها؟ ومن هنا ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة». هذا قيد العلم، العلم بمعنى هذه الكلمة. كذلك من مقتضيات هذه الكلمة أن تأتي بها مخلصاً بها، لا تريد بهذه الكلمة رياءً ولا سمعة ولا تزلفًا، وإنما تريد بها وجه الله. ولهذا ثبت عن جمعٍ من الصحابة، من حديث جابر وأبي سعيد وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها دخل الجنة». الإخلاص، الإخلاص، الإخلاص بهذه الكلمة حينها تفيدك وتسعفك بأن تجعلك من أهل الجنان. زد على ذلك أيضاً أن تكون صادقاً، صادقاً حين تلفظك بهذه الكلمة، صادقاً بأن الله لا إله إلا هو، هو الواحد الأحد الفرد الصمد في ألوهيته، في ربوبيته، في أسمائه وصفاته. لا يكن حالك كحال أهل النفاق ممن هم لربما يعيشون بين أوساط المسلمين، وربما ينطقون بلا إله إلا الله ليل نهار، صباح مساء، لكن في قرارة أنفسهم مكذبين، مكذبين للا إله إلا الله، عندهم شائبة الإلحاد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري، قال عليه الصلاة والسلام: «أبشروا وبشروا من وراءكم، من قال لا إله إلا الله صادقاً بها دخل الجنة». من قال لا إله إلا الله صادقاً بها دخل الجنة، ما عندك تكذيب ولا تردد ولا تشكيك بوحدانية الله جل في علاه. ومن هنا، إخواني، فلا ستلاحظون مع هذه الضوابط والقيود التي نبه عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، ستفهم أن نطقك بالتوحيد لابد أن يكون مرتبطاً بهذه القيود، من العلم والإخلاص والصدق، إلى غير ذلك من القيود التي سطرها العلماء في كتب التوحيد. وإن من مقتضيات هذه الكلمة يا عبد الله، حتى تنتفع بتوحيدك، أن تكون يا عبد الله موحداً بمعنى لا تجعل لله شريك. وهذه من أعظم مقتضيات كلمة التوحيد، أن لا تجعل لله ندا، لا تجعل لله شريكا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من مات من أمتي وهو لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». هذا الذي ينتفع بتوحيده، تنتفع بلا إله إلا الله بأن تحقق ذلك في أرض الواقع، بأن لا تجعل لله شريكا. من مات من أمتي وهو لا يشرك بالله شيئا، شيئا نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فلا تجعل مع الله شريك، لا ملكاً مقربا ولا نبياً مرسلا، لا تعتقد بصنم ولا بوثن ولا بشجر ولا بحجر، لا تعتقد بنبي ولا بصالح ولي ولا تعتقد بكاهن ولا بساحر شقي، لا تعلق القلوب بالتمائم والصروف والحروز، فكل ما سوى الله باطل. فكونك يا عبد الله تعتقد أن الله هو الضار النافع جل في علاه، وتجعل أن مع الله شريك، هذا من الشرك. كونك تعتقد بأن الله جل وعلا يغفر الذنوب، وهناك من عباد الله من يغفر الذنب، هذا من الشرك. كونك تعلم وتعتقد بأن الله علام الغيوب، ثم تقر في نفسك بأن فلاناً وفلاناً مما يعلم الغيب، هذا من الشرك، هذا من البلاء العظيم. أن تجد أن أناساً يرون أنفسهم من أهل التوحيد، وهم في واقعهم يجعلون لله أنداداً، ليس من شرط الندية أن تتخذ صنماً أو وثناً، بل يكفي من الندية أنك تجعل ربما نبياً وصالحاً تعتقد فيهم ما تعتقده في ربك، هذا هو الشرك. وللأسف، إخواني في الله، ما نراه من كثير من المسلمين، ما يفعلونه من اعتقاد بالأموات أو ما يسمون بالأولياء. انظر إلى بلادنا، بالأمس كنا في رمضان، كل شمر عن ساعد الجد بفعل الطاعات والقربات والنوافل والعبادات، ثم بعد رمضان يهرع ويسافر إلى شد الرحال إلى قرع تلكم الزيارات والانبطاح والانطراح عند السدنة، ممن هم يقومون على عتبات الأموات. فتجد الناس يتحركون أفراداً ووحداناً، جماعات إلى تلكم العتبات، ذاك من الذي يطلب المدد، وذلك الذي يطلب الولد، وذاك الذي يستغيث، وذاك الذي يلتجئ بمن؟ بأموات؟ أين الله؟ أيها الموحد، جل في علاه. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾. هذا يجده في بلادنا، لا نذهب بعيداً، كيف التوحيد يا عبد؟ هذا توحيد لله جل وعلا الذي أمرك أن تتوجه إليه. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. هذا ربك يحضك إلى أن تتوجه إليه بقلبك وقالبك، ثم بعد ذلك تنأى عن الله وتذهب إلى الأموات، فهذا إخواني في الله مما يقضح في توحيد العبد. من مات من أمتي وهو لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. الجنة يا عبد الله تحتاج إلى صراحة وصرامة في التوحيد. ثم اعلموا إخواني في الله أخيراً أن العبد كلما عظم توحيده، فإن الجنة أقرب إليه. إذا أردت المنافسة والمزاحمة على الجنة، احرص يا عبد الله على تقوية توحيدك. ولها ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا من غير حساب ولا عذاب». سبحان الله، حتى لا أقول لا عذاب، بل حتى الحساب ليس عليه حساب، لا يحاسبهم الله. إذا أوقف الخلق للحساب يوم المعاد، يحاسبهم ربنا على الأفعال والأعمال، فتجد أن أقواماً يذهب بهم إلى الجنة مباشرة، ما حساب عليهم. كيف وصلوا إلى هذه الحال؟ بتوحيدهم، بقوة صلتهم بربهم. قال عليه الصلاة والسلام: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا من غير حساب ولا عذاب، هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». لو تأملت في هذه الخصال الأربع، تجد أنها في أناس عظموا علاقتهم بربهم، فما التفتوا لا إلى الأشخاص ولا إلى أسباب، لا يتشاؤمون، لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون. فالعبد كلما قوي توحيده، بعظيم صلته بربه، فإن الله جل وعلا يرفع قدره ويعلي من شأنه، بأن يدخله الجنة من غير حساب ولا عذاب. إخواني في الله، فهذه هي الخصلة الأولى التي نذكرها في هذا المقام، وهي من الخصال العظيمة التي بها يا عبد الله يدخل الله سبحانه وتعالى العباد الجنة، أن نكون إخواني في الله موحدين، تأتي بتوحيد الله صدقا وحقا، قلبا وقالبا، ظاهرا وباطنا. وإن شاء الله في دروس قادمة نذكر كذلك غيرها من الأسباب، من الأقوال والأحوال التي تسعف الناس إلى دخول الجنة من أوسع الأبواب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.