كتاب الوصية 1

الدرس في كتاب الوصية 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الوصية وتعريفها

الوصية تجب على من له ما يوصي فيه، وتكون واجبة إذا كان فيها حق أو لتوجيه الورثة لأمور دينهم. الوصية أمر مشروع في الإسلام.

شروط وأحكام الوصية

الوصية لا تصح إذا كانت تضر بالورثة أو لوارث، ويجب أن تكون خالية من المعصية. إذا كانت الوصية لوارث محجوب، فلا بأس بها، ولكنها تلغى إذا أصبح وارثا.

أحكام الوصية والدين في التركة وتقديم الدين على الوصية

الوصية تكون من الثلث ولا يجوز تجاوز ذلك إلا بإجازة الورثة، ويجب تقديم قضاء الدين على الوصية لأن الدين حق واجب في المال. هذا يضمن حقوق الدائنين أولاً.

توجيهات الوصية بتقوى الله واتباع النبي

الوصية بتقوى الله واتباع النبي عليه الصلاة والسلام أمر عظيم. يعتبر هذا توجيهًا للأهل لاتباع السلوك القويم وتقوية إيمانهم.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام الشوكاني رحمه الله: كتاب الوصية تجب على من له ما يوصي فيه، ولا تصح ضرارًا، ولا لوارث، ولا في معصية، وهي في القرب من الثلث، ويجب تقديم قضاء الدين، ومن لم يترك ما يقضي دينه قضاه السلطان من بيت المال. قال رحمه الله: أقول: أما وجوب طيب وجوب الوصية أو الوصية، فهو أن يوصي قبل أن يموت ويجعلها بعد الموت. معنى الوصية هو نوع من أنواع العطية، فإن كانت قبل الموت فهي عطية. إذا أخرجها قبل الموت يسمى عطية، وإذا كان في الحياة تسمى هبة أو هدية أو صدقة. إذا كانت للفقراء والمساكين تكون صدقة، أو إذا صدقة جارية أو وقف، هذه كلها مسائل تكون لفظها واحد، لكن تختلف في زمنها. أنا وإلا فاللفظ واحد، مثلا ممكن أن يقول: يا فلان، خذ هذا. فهذا خذ هذا مثلا. أما أن تكون صدقة إذا كان لفقير أو مسكين، وإذا كان لصديق وهو ليس فقيرا تكون هدية، وإذا كان لغير صديق لرجل من الناس فتكون هبة. والهبة أفضل من الهدية كما تقدم معنا، لأن الهبة تكون لمودة ولغير مودة، بخلاف الهدية تكون لمودة. فإن كان في مرض موته وأعطى فهذه تعتبر عطية تسمى عطية، وإن كان جعلها بعد موته فهي وصية. إذا كان هذا بعد موته مثلا قال: اعطوا فلانا كذا وكذا بعد موتي، هذه تعتبر وصية. أو يقول: إذا مت فأعطوا فلانا كذا من المال، أو أعطوا فلانا الشيء الفلاني أو الكتب التي لي أعطوها لفلان، هذه كلها وصية. هذا وصية بالمال. أو يوصي مثلا بالنصيحة لأهله: إذا مت فافعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، وهذا من النصيحة التي جعلها الله عز وجل عليه. فإن كان يعلم أن أهله قد يرتكبون أشياء غير صحيحة، فإنه يجب عند بعض العلماء أنه يوصي عليهم، مثلا إذا كانوا ينوحون يقول: لا أحل لأحد أن ينيح عليه من النساء وغيرهم. لهذا تجد كثيرا من الصحابة أوصوا بذلك، لما حضر أبا موسى الوفاة أخذته غيبوبة ثم أفاق، فسمع بعض النساء يصرخن فقال: إنني بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. الصالقة هي التي ترفع صوتها بالصياح، والشاقة التي تشق ثيابها، والحالقة التي تحلق شعرها لأجل المصيبة. فلهذا يجب عليه إذا عرف أن أهله سيفعلون منكرات بعد موته أو لأجل موته، فإنه يوصيهم. أو إذا كان مثلا له أثر عليهم في وجوده في حجابهم في كذا، فإذا مات يعلم أنهم سيتركون هذه الأشياء، فلهذا يوصيهم. فالوصية إذا كانت على حق فالصحيح أنها تجب. وكذلك إذا كان عليه دين لا يعلمه أحد، أو له حقوق عند الناس لا يعلمها إلا هو، أيضا يجب عليه أن يعلم ورثته بذلك، لأن المال هذا الذي سيكون بعد موته سيتحول إلى ورثته. فمثل هذه المعاني يجب عليه أن يوصي، يجب على من له ما يوصي فيه. وأما إذا كان ليس عليه حقوق لأحد، ولا لأحد عليه حقوق، وأيضا يعلم أن أهله على السنة وعلى الخير، فلا يجب عليه الوصية. فهذا هو الصحيح، وإلا فمذهب جمهور العلماء على أن الوصية ليست واجبة. والصحيح أنها واجبة فيما يكون فيه الحق. وجاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا وصيته مكتوبة عند رأسه». إذا كان هناك شيء يجب عليه أن يوصي فيه، فلا بد أن يوصي. وهو مذهب الشافعي في القديم كما حكاه الإمام البيهقي. وذهب جمهور العلماء إلى أنها مستحبة وليست واجبة. لكن الصحيح كما قلنا: إذا كان هناك شيء يجب عليه أن يوصي فيه، فهو حق، إما من حقوق الورثة أو حق للناس عليه، أو كذلك كما قلنا شيء واجب عليه أن يوصي فيه، فإنه يجب عليه أن يوصي. قال: ولا تصح ضرارًا. وجاء في ذلك الحديث: «لا يصح أعلمي حريرة في شهر بن حوشب». لكن الآية تكفي في هذا، الله عز وجل يقول: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ مُضَارٍ﴾، وصية من الله. إذا كان سيوصي لأجل الضرر أنه يضر الورثة، فهنا أكثر العلماء يقولون: إن الوصية غير صحيحة إذا كان الوصية فيها ضرر على الورثة. وهذا متى إذا كان أوصى. أما إذا كان أعطى في نفس الوقت وفي حياته، فهذا له ولو قسم ما له كله. بعض الناس يقسم ما له قبل وهو في الحياة يعطيه لورثته ويوصي مثلا أو يجعل وقفا لمسجد أو كذا، فهذا جائز. وإن كان هو خلاف الأولى، إلا إذا كان الشخص رأى أن أولاده سيختلفون بعده ورأى كذا أو أمور أدركها من أولاده، فله أن يفعل ذلك. لكن لا يجعلها وصية لأنه لا وصية لوارث كما سيأتي، ولا يجعلها أيضا فيها ضرر على الورثة أو على أحد الورثة، فإنه لا ضرر ولا ضرار. وقال الله عز وجل: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ مُضَارٍ﴾، فلهذا لا يضر في وصيته. وإن كان أوصى في مرضه المخوف، فإنه غالبا تكون من الثلث. إذا كان في مرض الموت غالبا تكون من الثلث، معنى يقطعها من الثلث، أي إذا كانت في مال فتكون من الثلث. وأما إذا أوصى ضرارًا، معنى أراد أن يضر أحد الورثة، فهذا لا يقبل منه عند جمهور العلماء. مثلا بعض الناس يتزوج امرأة في آخر حياته، ثم إذا حضره الموت يوصي بهذا المال لأولاده يقول: هذا المال لأولادي أو لأحفادي، يريد أن يضر بهذه المرأة، هذا لا يجوز، وصيته تعتبر باطلة لأجل أنه أراد الإضرار. وجاء عن ابن عباس أن الإضرار في الوصية من الكبائر، صح موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه. ثم قال رحمه الله: ولا لوارث، ولا في معصية. معناه: لا تصح لوارث. وجاء من حديث عمر بن خارجة في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». فلا وصية لوارث، والحديث صحيح. وجاء أيضا له شواهد من حديث أبي أمامة ومن حديث غيره. وأجمع العلماء على ذلك على أنه لا يجوز الوصية لوارث، فمن أوصى لوارث فوصيته باطلة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال هذه الكلمة: «لا وصية لوارث» في عام الفتح. ولهذا نقلها كثير من الصحابة وأصبح الحديث له شواهد، فلهذا فالوارث لا وصية له. لكن إذا كان وارثا محجوبا، هل تكون له الوصية؟ فقالوا: لا بأس أنه يوصي للوارث المحجوب. لكن إذا لم يمت هذا الشخص، وورث هذا الشخص مثلا. إنسان له أخ ومعه ابن واحد ومعه بنات ومعه أخ، فأراد أن يوصي لأخيه. فقال كثير من العلماء: لا بأس أنه يوصي لأخيه. لكن إذا حصل أن ابنه مات قبله، فتلغى هذه الوصية، لأنه إذا مات الابن سيكون الوارث من الأخ، لأنه بعد أن يعطى قسم البنات فلهذا فالوصية هذه تلغى لأنها وصية لوارث. لكن إذا مات الأب قبل الابن، فهذه الوصية تكون لغير وارث لأن الأخ محجوب محجوب بالابن، فما دام أنه محجوب فهو ليس بوارث، فلهذا فالوصية لوارث لا تصح. قالوا: لا تصح في معصية، لأن الوصية في معصية تكون حراما على صاحبها، فلهذا لا تنفذ هذه الوصية. ولم يكن هناك ولم يأتي دليل صريح في هذه المسألة، لكن الدلالة تدل على هذا. لا يجوز للإنسان أن يوصي في معصية، فإذا كانت معصية فلا طاعة له، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل. فإذا أوصى إلى مخلوق، فإذا أوصى في معصية مثلا بعضهم يوصي من يجعل بعض ماله للقبور، ليس لتشييدها أو ليس لأجل حماية القبور وتسويرها، فهذا لا بأس. لكن يجعلها لأجل السدنة ولأجل أن من باب التبرك ويأخذها غالبا السدنة الذين يكونون عند هذه القبور، وهذا لا يجوز. فلهذا إذا كان وصيته للقبور، إما أن تحول إلى المسجد، إنسان أوقف مالا للقبر يحول للمسجد حتى يكون وقفه صحيحا، أو أنه يلغى هذه الوصية. تلغى هذه الوصية ولا ينفذها الورثة لأنها وصية باطلة، وصية خطأ. أن بعض الجهال بعض الحكام تجد أنه على جهل: لماذا تجعل مالك لقبر؟ ما الذي يكون في القبر؟ فإن كان كما قلنا لعجل تشييد السور للمقبرة، ومثلا جلب الأحجار أو جلب مثلا شيء مما يكون في الدفن وغيره، فهذا ما في شيء. أما لأجل التبرك أو لأجل مثلا الزوار الذين يزورون ولأجل غيرها من هذه الأمور التي ليست مشروعة، فهذا لا يجوز. ثم قال رحمه الله: وهي في القرب من الثلث. إذا أوصى في القرب، مثلا في صدقة للفقراء أو وقف للمسجد أو وقف أيضا للفقراء وغيرها من العادي الأمور يجعلها وصية، فهذه تكون من الثلث. أي يخرجها من الثلث. وأما إذا زاد على الثلث، فإنه يرجع إلى الثلث. لو قال مثلا: هذا البيت الذي لي بعد أن أموت يكون تابعا للمسجد، أو هذا البيت لأبناء ابني فلان الذي مات مثلا، هم ليسوا من الورثة، لكن يوصي لهم لأجل أنهم ليس معهم شيء، فيوصي لهم بالبيت. فينظر هذا البيت هل له مال آخر غير هذا البيت؟ فإن كان له أموال أخرى فلا بأس أن يخرج هذا البيت لأبناء ابنه. وإن كان مثلا ليس معه إلا هذا البيت، فإنه يخرج لهم الثلث، ثم يعطى هؤلاء الذين أوصي لهم يعطون الثلث. قال: ويجب تقديم قضاء الدين، يعني يجب أن يقدم قضاء الدين على الوصية. لماذا؟ لأن الدين حق في المال. وأما الآية: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، أخر الدين ليس لأجل أن الدين يؤخر بعد الوصية، وإنما لأجل أن الناس لا يهتمون بالوصية، فقدمها الله عز وجل على الدين. وإلا من ناحية الوجوب، وقد ذكر كثير من العلماء الإجماع في هذه المسألة على أن الدين يقدم. لأجل أن الدين واجب في المال، واجب في هذا المال الذي لهذا، فلهذا فوصيته في مال فيه حقوق، أولا يعطى الناس الحقوق، فإذا أعطى الناس حقوقهم فبعد ذلك ينفذ الوصية. وجاء عن بعض الصحابة هذا الأمر على أن الدين يقدم على الوصية، وجاء عن علي وعن غيره. لأن الديون الواجبة وكذلك أيضا ما يتعلق بنفس التركة يتعلق بنفس التركة يقدم على الدين الذي لا يتعلق بنفس التركة. كيف يتعلق بنفس التركة؟ مثل مثلا رهن، رهن في دين، هذا الرهن متعلق بنفس التركة، فلابد أن يؤدى هذا الرهن أولا. وهكذا فكل ما كان متعلقا بنفس التركة أولى من غيره. ثم يسدد الديون الأخرى. فإن لم يكن معه شيء، وضمنه أحد الورثة، فمعنى هذا ضمان له في دينه. لكن إذا كان معه مال فيدفع من ماله، إلا إن تبرع أحد الورثة وقال: أنا أقضي ما عليه من دين. قال: وإن مات ولم يترك ما يقضي دينه قضاه السلطان من بيت المال. وهذا القول للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في خطبة: «من خلف مالا فلورثته، ومن خلف كلا أو دينا فإلى علي ودينه علي». وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام أيضا: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا فعلي». وهذا بعدما فتح الله عز وجل الفتوحات وجاءت الأموال، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل من ترك دينا جعله إن كان عنده ما يسدد وإلا جعله عليه، أنه يسدد من بيت مال المسلمين. يسدد من بيت مال المسلمين ولا بأس أنه يسدد ولو ترك دينا، لكن إن ترك مالا فأولى ورثته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا خلاصة ما يذكر في كتاب الوصية. وليس للوصية صيغة معينة. عن بعضهم يقول: هذه وصية. جاء عن بعض السلف أنهم كتبوا وصية، لا بأس مثلا أن يكتب مثلها، ما في شيء. لكن ليس عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعضهم يكتب الوصية لأجل الطريقة التي يكتب بها الشخص وصيته: أوصي أهلي بكذا وكذا، هذا ما في شيء. لكن ليس هناك عن النبي عليه الصلاة والسلام فليس هناك شيء مقيد يقيد بالوصية أنه يكتب كذا ويكتب كذا، يكتب ما بدا له. لكن يكتب إذا كان عليه حقوق يكتب هذه الوصية فيما عليه من الحقوق. ولا شك أنه إذا أوصى أهله بتقوى الله وأوصى أهله باتباع النبي عليه الصلاة والسلام وغيره، فهذا شيء عظيم.