الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 4

الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أوقات إجابة الدعاء العامة وفضل ما بين الأذان والإقامة

يذكر المصنف أوقاتاً مخصوصة لإجابة الدعاء كآخر الليل، وبعد الأذان، وبين الأذان والإقامة، مستدلاً بأحاديث صحيحة. ويؤكد أن الدعاء بين الأذان والإقامة أفضل من قراءة القرآن في ذلك الوقت، وينبه إلى فضل أدبار الصلوات المكتوبة قبل السلام لاجتماع أسباب الإجابة.

موطن إجابة الدعاء بعد التشهد في الصلاة

يشرح المقطع كيف تُهيئ أركان الصلاة العبدَ لحالة ذل وخضوع تجعل دعاءه بعد التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حريًّا بالإجابة، مستدلاً بحديث ابن مسعود. كما يشير إلى أن الدعاء في هذا الموطن من أعظم مواطن الإجابة.

تحديد ساعة الإجابة في يوم الجمعة واغتنامها

يستعرض المقطع قولين رئيسيين في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة: من صعود الإمام على المنبر حتى انتهاء الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر حتى غروب الشمس، ويرجح ابن القيم هذين القولين. ويؤكد على اغتنامهما بالإكثار من الدعاء لا سيما في السجود وبعد التشهد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في رسالته "الدعاء الذي لا يرد" في ذكره لأسباب إجابة الدعاء: فإن من الأمور التي تعين على إجابة الدعاء تحري أوقات الإجابة، وقد ذكر منها: الثلث الأخير من الليل، أي استغلال هذا الوقت في الدعاء. وهكذا أيضًا عند الأذان، أي بعد الفراغ من الأذان مباشرة. الوقت الثالث: بين الأذان والإقامة. وقد ورد قال المصنف: وقد ورد في فضل الدعاء بين الأذان والإقامة مطلقًا عدة نصوص، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة». والحديث أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في كتابه "الإرواء". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نودي بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء». وهذا الحديث أخرجه الطيالسي في مسنده، وصححه الألباني رحمه الله في "الصحيحة". فهذان حديثان يخبر فيهما النبي صلى الله عليه وسلم باستجابة الدعاء في هذا الوقت بين الأذان والإقامة. «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»، وهذا الحديث من حديث أنس رضي الله عنه. وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا نودي بالصلاة» يعني الأذان، «نودي بالصلاة» أي بالأذان، «فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء»، «فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء». فينبغي للمؤمن أن يستكثر لنفسه في هذا الوقت من الدعاء وطلب الخير من رب العالمين. نعم، يستغل المؤمن هذا الوقت لاستجابة الدعاء. ولهذا قال أهل العلم: إن الوقت بين الأذان والإقامة أفضل من قراءة القرآن، وإن كان قراءة القرآن في الجملة هو من أفضل الذكر، لكن كون هذا الوقت وقته إجابة للدعاء فاستغلاله بالدعاء أفضل من استغلاله بقراءة القرآن. فيحرص المسلم إذا جاء إلى المسجد مثلاً وصلى ركعتين تحية المسجد أو السنة القبلية الراتبة، وهناك وقت حتى تقام الصلاة، فالأفضل أن يستغل هذا الوقت بالدعاء، يرفع يديه ويدعو، فإن هذا موطن من مواطن إجابة الدعاء. والعبادة الفاضلة قد تكون المفضولة أفضل منها بسبب عارض من العوارض أو مصلحة من المصالح. فمن ذلك مثلاً: قراءة القرآن، كما علمنا أفضل الذكر، لكن ما هو الأفضل بعد الفراغ من الصلاة؟ أن يقرأ الإنسان القرآن، أو أن يأتي بأذكار بعد الصلاة؟ الجواب: أنه يأتي بأذكار بعد الصلاة، من الاستغفار، و«اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، وغير ذلك من أذكار الصلاة التي تقال بعدها. لماذا؟ لأن هذا أفضل، لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضًا التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن، بل نُهينا عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. وهكذا أقصد: الدعاء بين الأذان والإقامة أفضل من قراءة القرآن، وإن كان الدعاء هو مفضول بالنسبة لقراءة القرآن فهو فاضل، لكن كون هذا الوقت وقت تجاب فيه الدعوات، فيكون إذن فعل هذه العبادة المفضولة أفضل من فعل تلك العبادة الفاضلة. الرابع: أدبار الصلوات المكتوبة، أي قبل السلام، يعني في آخر الصلاة. قال: فإن هذا الوقت فاضل وحري بأن يجاب دعاء الداعي فيه، لأنه اجتمعت فيه العديد من أسباب إجابة الدعاء. قال: فالمسلم يكون متطهرًا لأنه لا يصلي إلا على طهارة، قال: ومستقبلًا للقبلة، ويكبر الله ويعظمه ويتلو كلامه، يعني في الصلاة، فهو يقف تجاه القبلة ويرفع يديه ويكبر، والتكبير فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، ويقرأ القرآن، ثم يركع ويسجد خضوعًا وذلاً لله رب العالمين، ثم إذا جلس للتشهد بعد هذه الأعمال العظيمة يبدأ بتحية الله وتعظيمه: «التحيات لله والصلوات والطيبات»، وبعدها ينطق بشهادة التوحيد لله عز وجل، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بأكمل الصلوات وهي الصلاة الإبراهيمية. فجميع ما تقدم من مواقف العبودية الجليلة تجعل هذا الموطن من أهم أوقات إجابة الله عز وجل لدعاء السائلين المصلين، فقد اجتمع في هذا الموطن كونه على طهارة، مستقبل القبلة، يصلي لله جل وعلا، معظما لله عز وجل بالتكبير وقراءة القرآن، كذلك هو على صفات الذل والخضوع من الركوع والسجود، ولا هيئة يكون فيها العبد أعظم ذلاً وخضوعًا وانكسارًا لربه جل وعلا من مثل السجود، ثم يعظم الله عز وجل في التشهد، ثم يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يدعوه. قال: ولهذا جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للتشهد، في آخره: «ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»، والحديث في الصحيحين. يعني بعد هذه الأعمال كلها يدعو الله جل وعلا، فهذا حري أن يستجاب له. وقد اقترنت هذه الأعمال وهذه الطاعات والعبادات بدعائه، فيدعو الله عز وجل بعد فراغه من التشهد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، يتخير من الدعاء أعجبه إليه، ويحرص على أن يأخذ من الأدعية ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يدعو. إذا أراد أن يدعو بشيء من أمور الدنيا من خير الدنيا أو الآخرة فلا بأس أن يدعو، أن يدعو الله عز وجل بما شاء من ذلك، وحينئذ يرجى أن يستجيب الله عز وجل له. الخامس: عند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة. وذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي» يصلي، يعني يدعو، لأن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء. الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء. قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]، يعني ادعُ لهم. من جاءك بالصدقة فادعُ له. وكذلك حيث بهريرة في الصحيح قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من دعي إلى طعام فإن كان صائماً فليصلِّ» يعني يدعو لصاحب الطعام، «ومن كان مفطراً فليطعم». وهكذا يقول القائل: تقول ابنتي وقد قررت مرتحلاً: «يا رب جنب أبي الأنصاب والوجع، عليك مثل الذي صليت، فاغتنمي نوماً فإن لجنب المرء مضطجع، عليك مثل الذي صليت» يعني دعوتي. هذا معروف في اللغة أن الصلاة بمعنى الدعاء. قال: «قائم يصلي» يسأل الله خيراً، وهذا قرينة مؤكدة على أن المراد بالصلاة هنا الدعاء. قال: «إلا أعطاه إياه»، وقال بيده يقللها. وهذا الحديث رواه مسلم. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الجمعة فيها ساعة هي موطن من مواطن إجابة الدعاء، إذا وافق المسلم هذه الساعة وسأل الله عز وجل فيها استجاب الله له، قال: وهو يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه. قال: وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن هذه الساعة من صعود الإمام على المنبر إلى أن ينتهي من صلاة الجمعة، وذلك وذلك لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة»، رواه مسلم. يعني أن وقت ساعة الإجابة في يوم الجمعة هي من صعود الخطيب على المنبر إلى أن تقضى صلاة الجمعة. قال: وهذا الحديث روي عن أبي موسى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وروي موقوفاً عليه من كلامه، يعني من كلام أبي موسى. وهذا الذي رجحه جماعة من الحفاظ، ومنهم الإمام الدارقطني رحمه الله، رجح أن هذا الحديث الصحيح فيه الوقف، وأنه من قول أبي موسى رضي الله تعالى عنه. قال: ولهذا رجح عدد من العلماء بأن ساعة الإجابة تكون في هذا الوقت، فينبغي للمسلم أن يحرص على التأمين عند دعاء الخطيب، وأن يعتني كذلك بالدعاء في صلاة الجمعة كثيراً، لأنه تقدم أن فضيلة هذه الساعة تمتد إلى أن تقضى الصلاة، لا سيما حال السجود. قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»، والحديث في مسلم. يعني يحرص أن يكثر من الدعاء خاصة حال السجود، أنه موطن من مواطن الدعاء. وهكذا أيضًا عند الفراغ من التشهد وقبل السلام، وكذلك يجتهد في الدعاء بعد التشهد وقبل أن يسلم الإمام، فإنه من مواطن إجابة الدعاء كما تقدم. السادس والأخير من أوقات الإجابة: آخر ساعة بعد العصر، أي الساعة الأخيرة بعد العصر إلى أن تغرب الشمس من يوم الجمعة. فقد صح عن النبي عليه الصلاة السلام أنه قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله عز وجل شيئاً إلا آتاه الله عز وجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر». والهي أخرجه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله. ولعل هذا الحديث هو أصح ما ورد في تحديد ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وهو حديث جابر رضي الله عنه أنها آخر الساعة بعد العصر، آخر ساعة بعد العصر، فيكون هذا هو أو هي ساعة الإجابة التي ينبغي المسلم أن يحرص على الإكثار من الدعاء فيها. قال: لذلك ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد" أن أرجح وأرجى الأقوال في تحديد الساعة الفاضلة يوم الجمعة التي لا يرد فيها الدعاء القولان السابقان: الأول عند صعود الإمام على المنبر إلى أن تفرغ الصلاة، والثاني آخر ساعة بعد العصر إلى أن تغرب الشمس من يوم الجمعة. فعلى العبد الناصح لنفسه ألا يفوت هذين الوقتين الفاضلين. وقد ورد عن بعض السلف أنه كان في عصر يوم الجمعة لا يخرج من المسجد، بل يمكث في مصلاه إلى أن تغرب الشمس، حرصاً منهم على استغلال هذه الساعة المباركة. قال: بل يجتهد فيهما بالدعاء والطلب، ويخصهما بمزيد عناية ليدرك الخير الذي يطلبه ويؤمله من رب العالمين. فيحرص المسلم على هذه الساعات واللحظات والأوقات التي تستجاب فيها الدعاء، فيستغلها ويكثر من الدعاء فيها، فما أحوج المسلم إلى دعاء ربه وتضرع إليه، فالعبد فقير إلى الله جل وعلا، والله عز وجل هو الغني الحميد، سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فالعبد لا يستغني عن الله جل وعلا بدعائه وتضرعه إليه، وطلب قضاء حاجاته، وكشف كرباته، ونيل مطالبه بدعاء ربه سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً للمشاهدين.