الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المحور أنواع التوسل المشروع الثلاثة وهي التوسل بأسماء الله وصفاته، وبالعامل الصالح، وب دعاء الرجل الصالح مع الأدلة من القرآن والسنة. كما يحذر من التوسل الممنوع كالتوسل بالجاه أو الأموات أو ذوات الصالحين، مؤكداً على موافقة الدعاء لأسماء الله وصفاته.
يتناول المحور دعاءين نبويين عظيمين: الأول دعاء الاستغفار الذي علمه النبي لأبي بكر متضمناً التوسل بأسماء الله الغفور الرحيم. والثاني دعاء كشف الهم والحزن المتضمن الاعتراف بالعبودية والتوسل بجميع الأسماء الحسنى المعلومة والمجهولة مع شرح معاني ألفاظه.
يشرح المحور كيف يكون القرآن ربيعاً للقلب ومصدراً للراحة، مستعرضاً دعاء النبي لذهاب الهم والحزن. ويؤكد على التوسل إلى الله بالتوحيد والإيمان وأسمائه الحسنى الدالة على تفرده بالألوهية كما في دعاء الشهادة والاسم الأعظم.
يبيّن المحور أن سؤال الله بأسمائه الحسنى، لا سيما الدالة على توحيده وتفرده بالألوهية، من أعظم أسباب إجابة الدعاء. ويحث العبد على الحرص على التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وتوحيده عند كل دعاء وسؤال.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في رسالته "الدعاء الذي لا يرد"، في ذكر أسباب إجابة الدعاء التي ذكرها الإمام ابن القيم -رحمه الله-: قال: الأمر الحادي عشر: التوسل لله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وتوحيده. قال: التوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته يعتبر من أعظم الوسائل في إجابة الدعاء، والله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلا، جل وعلا، وأمرنا الله جل وعلا أن نسأله بها. قال: وقد أمر الله سبحانه وتعالى به، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، أمرنا الله جل وعلا أن ندعوه بأسمائه، ولله الأسماء الحسنى التي تبلغ الكمال في الحسن والجمال، وكذلك شمولها على المعاني العظيمة والصفات الجليلة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فأمرنا الله جل وعلا أن ندعوه بأسمائه، وهذا من التوسل المشروع: أن تتوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، فتقول: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، يا رزاق ارزقني، وهكذا تسأل الله عز وجل بأسمائه. قالوا: لهذا كانت عامة الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله تشتمل على التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع: أن تتوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. والنوع الثاني من التوسل المشروع: أن تتوسل إلى الله جل وعلا بالعمل الصالح، بصلاتك وصيامك وزكاتك وحجك، وطلبك للعلم، وقراءتك للقرآن، إلى آخر ذلك من الأعمال الصالحة، تتوسل إلى الله جل وعلا بهذا العمل الصالح أن يغفر لك أو يرحمك، أو إلى آخره مما تطلبه من الله سبحانه وتعالى. ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين سدت بهم الصخرة، فتوسل كل واحد منهم بعمل صالح إلى الله جل وعلا، فتوسل الأول ببره لوالديه، والثاني بعفته وتركه للحرام، والثالث بأمانته، ففرج الله سبحانه وتعالى عنهم. والنوع الثالث من التوسل المشروع: التوسل إلى الله جل وعلا بدعاء الرجل الصالح، بدعاء الرجل الصالح، وهذا أيضا مما يجوز. ولهذا، في زمن عمر لما أصاب الناس القحط، أمر عمر العباس بن عبد المطلب عم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم، قال: «اللهم إنا كنا نستسقيك بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقيك بعم نبينا فاسقنا»، قم يا عباس فادعُ، فقام ودعا، فهذا من التوسل المشروع. أما التوسل الممنوع، وهو غير هذه الأقسام الثلاثة: التوسل بالجاه، أو التوسل بالأموات، أو التوسل بذوات الصالحين، أو غير ذلك، فهذا من التوسل الممنوع. قال: فيجمل بالدعاء أن يكون على ما يناسبه من أسماء الله عز وجل وصفاته، كما جاء في دعاء نبي الله شعيب عليه السلام: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89]، هنا توسل إلى الله جل وعلا بصفة الله جل وعلا: الفتح، أن الله يفتح على العباد، قال: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]، فالله عز وجل يفتح على العباد من خير الدنيا والآخرة، فتوسل إلى الله جل وعلا بهذه الصفة. وقال: وجاء في دعاء رسول الله عيسى عليه السلام: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114]، توسل إلى الله عز وجل باسمه: الرزاق. وقال: وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه لأبي بكر رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»، هذا توسل إلى الله جل وعلا باسمه الغفور والرحيم، تسأل من الله جل وعلا أن يغفر لك وأن يرحمك، فتضمن هذا الدعاء التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، والحديث في الصحيحين. قال: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أمته أن يتوسل إلى الله بعموم أسمائه الحسنى، يعني بجميع أسمائه جل وعلا التي نعلمها والتي لا نعلمها، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا». قيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهذا الدعاء العظيم الذي فيه أولًا: افتقار العبد إلى ربه، واعترافه بعبوديته لله، أنه عبد لله جل وعلا، وهو عبده وابن عبده وابن أمته، فهو عبد ابن عبد، فالعبودية ملازمة له لا ينفك عنها، بل إن العبد المؤمن ليفتخر بعبوديته لله وأنه عبد لله سبحانه وتعالى. والله عز وجل أثنى على عباده المؤمنين في ذكر صفاتهم، وأول ما بدأ من ذكر صفاتهم صفة العبودية، قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] الآيات، أول ما ذكر وصفهم الله عز وجل بالعبودية. «ناصيتي بيدك»: يعني أنا تحت أمرك، أنت المتصرف فيّ. «ماضٍ في حكمك»: أي ما حكمت به، سواء كان حكمًا قدريًا أو كذلك حكمًا شرعيًا، فهو ماضٍ، لا بد أن يقع، أي الحكم الكوني، الحكم الكوني ما أردته كونيًا فلا بد أن يقع، سواء رضيت به أو لم ترضَ به. «عدل في قضاؤك»: أي ما قضيته فيّ من خير أو شر فهو عدل، وليس بظلم من الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن العبد ملك لله، والمالك يتصرف في ملكه كيف شاء، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. «أسألك بكل اسم هو لك»: هذا الآن توسل إلى الله جل وعلا بعموم أسمائه. «سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». إذن أسماء الله جل وعلا على هذه الأقسام: قسم علمه الله جل وعلا أحدًا من الخلق، أي استأثر بتعليمه إياه وإخباره به. والنوع الثاني، والقسم الثاني: أنزله الله في كتابه، في القرآن، أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. والقسم الثالث: استأثر الله به في علم الغيب، أي لا يعلمه أحد إلا الله، لا يعلمه أحد إلا الله. فأنت تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بجميع هذه الأسماء التي تعلمها، والتي لا تعلمها، والتي أخبر الله بها، والتي لم يخبر الله سبحانه وتعالى بها أحدًا. قال: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري». تجعل القرآن ربيع قلبي: ربيع قلبي أي راحته، تجعل القرآن راحة قلبي وطمأنينته وسعادته، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بالربيع، لأن زمن الربيع تطمئن فيه النفوس وترتاح، لما يرى الإنسان الزروع والزهور والورود والثمار في زمن الربيع يجد الراحة وطمأنينة، فأنت كذلك تسأل الله عز وجل أن يجعل هذا القرآن ربيعًا لقلبك، أي يجعل راحة قلبك في القرآن، ويجعل سعادة قلبك وطمأنينته بالقرآن، بقراءته وتلاوته وسماعه وتدبره ودراسته، فيكون هذا القرآن ربيعًا لقلبك، وكذلك نورًا لصدرك، وهداية وصلاحًا واستقامة. «وجلاء حزني، وذهاب همي»: يعني أن يذهب الله جل وعلا بالقرآن أحزانك، ما أحزنك من فقد حبيب أو ذهاب مال أو نحو ذلك، أو ما أهمك مما سيقع أو تخاف وقوعه في المستقبل، أن يذهبه الله بهذا القرآن، حين تسمع كلام الله جل وعلا تطمئن وترتاح، فتنسى هموم الدنيا ومصائبها وتقلباتها. قال: «إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا». قيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها هذه الكلمات وهذه الدعوات؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها»، يتعلم هذه الكلمات فيدعو الله سبحانه وتعالى بها. وقال: قول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «وتوحيده»، أي يشرع ويندب التوسل إلى الله جل وعلا بهذه الوسيلة العظيمة، وهي توحيده والإيمان به عز وجل، فهذه من أعظم الوسائل، بل هي أعظمها وأجلها. ومن شواهد هذا التوسل ما ذكره الله عز وجل من دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]. الشاهد بهذه الآية أنهم قالوا: ﴿فَآمَنَّا﴾، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، يعني بإيمانهم، هم الآن توسلوا إلى الله جل وعلا بإيمانهم وتوحيدهم لله، قالوا: ﴿فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، إذن التوسل إلى الله جل وعلا بالإيمان والتوحيد من أسباب إجابة الدعاء، فتقول: اللهم بإيماني وتوحيدي وإخلاصي لعبوديتك، ونحو ذلك من هذه الكلمات والألفاظ الدالة على توحيد الله سبحانه وتعالى، تسأل الله عز وجل ما أردت: اغفر لي، ارحمني، ارزقني، اشفني، إلى آخر ذلك. وقال: ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد»، قال: «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب». والحديث أخرجه أبو داود في سننه، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله-. انظروا: هذا الرجل دعا بأسماء الله جل وعلا الدالة على توحيده، اسم لفظ الجلالة: الله، وهكذا الأحد والصمد، الله والأحد الذان يدلان على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وأنه لا إله يستحق أن يعبد إلا الله، فلا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى، والصمد الذي تصمد إليه الخلائق في قضاء حوائجها، فهو معنى الألوهية: أنه الإله الذي يعبده الخلق والتجئون إليه. فلما تضمن هذا الدعاء التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه الدالة على توحيده وتفرده بالألوهية، قال النبي عليه الصلاة والسلام... وأيضًا مع الصفات الأخرى التي ذكرها: «الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد»، كل ذلك يدل على وحدانية الله، الذي لم ينفصل عن شيء ولم ينفصل عنه شيء، والذي ليس له كفوا، أي من يكافئه ومن يماثله ومن يشابهه سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب». إذا سأل العبد ربه جل وعلا بأسمائه الحسنى، ومن ذلك الأسماء الدالة على توحيد الله وتفرده بالألوهية، فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء، فحري بالعبد أن يحرص في دعائه وسؤاله لله سبحانه وتعالى أن يتضمن ذلك التوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته وتوحيده سبحانه وتعالى. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.