الدرس في كتاب المناسك 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
طواف الوداع واجب على الحجاج والمعتمرين قبل مغادرة مكة، ويجب أن يكون آخر عهدهم بالبيت. يترتب على تركه دم إن كان غير حائض.
يمكن الجمع بين طواف الوداع وطواف الإفاضة، ويعيد الطواف إذا أقام أو اتجر بعد أدائه. يجب على المعتمر أداء طواف الوداع قبل مغادرة مكة.
العمرة تجزئ عن فرضها وتباح في كل وقت، وأدنى مناسكها إحرام وطواف وسعي وتقصير. يمكن أداء العمرة في أي وقت، وللنبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلها في رجب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، آله وصحبه ومن والاه. مبادئ قال المؤلف رحمه الله وتعالى: فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده. طواف الوداع هو الطواف الذي يودع به الحاج مكة، يودع به مكة، وهذا الطواف يكون آخر عهده. بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: «وليكن آخر عهد أحدكم بالبيت». أن يكون آخر شيء في مكة أنه يطوف. وإن مثلا دخل مكانه أو المكان الذي سكن فيه، لا يكون دخوله لبث وإنما يأخذ معداته، أو أنه ينتظر الرحلة، ينتظر رفقته متى يذهبون. فإن كان يعرف أنهم سيذهبون غدا أو بعد غد، فلا ينبغي أن يطوف قبل ذلك، وإنما يطوف إذا هم بالرحلة. وهذا طواف الوداع، منهم من قال إنه سنة، ومنهم من قال إنه واجب. والصحيح أنه واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وأسقطه عليه الصلاة والسلام عن الحائض لما حاضت صفية رضي الله عنها. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر -معنى يخرج منها- فقال له: «أن صفية حائض». فقال: «حابستنا هي». فقالت: لا يا رسول الله، قد طفت. قال: «إذن تنفر معنا». فرخص لها في عدم طوافها طواف الوداع. فالحائض رخص لها، وكما قلنا أن الترخيص يدل على العزيمة، وهذه قاعدة ذكرها أكثر من واحد، ذكرها أيضا الحافظ ابن رجب في قواعده، وذكرها أيضا السيوطي: أن الترخيص يدل على العزيمة. فما دام أنه رخص للحائض، فدل على أن غيرها لا يرخص له. فلهذا فطواف الوداع واجب، ويأثم من تركه، وعلى قول جمهور العلماء عليه دم. وله أن يجعل طواف الزيارة أو طواف الإفاضة وطواف الوداع واحدا، له أن يجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع. وهذا أيضا ينفع المرأة إذا كانت حائضا وستطهر، فتجعل طواف وداعها طواف إفاضتها. وهل المعتمر أيضا يجب عليه أن يطوف؟ الأدلة محتملة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في الحج، وإلا فالأدلة محتملة حتى للمعتمر. فلهذا الأَوْلى أن المعتمر أيضا يطوف إن وجد فرصة للطواف. قال: فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، معنى إذا طاف طواف الوداع ثم أقام أو اتجر، عمل له شيء، باع أو أخذ شيئا وباعه، فهذا أيضا يعيد طواف الوداع. قال رحمه الله: وإن تركه غير حائض رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم. وإن تركه غير حائض -الحائض مرخص له- وأما غير الحائض، سواء كان رجلا أو امرأة، لا بد أن يطوف طواف الوداع. فإن تركه رجع وطاف طواف الوداع، فإن شق عليه أو لم يرجع فعليه دم -معنى يذبح شاة-. قال: وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن الوداع. هذا ذكرنا. قال: ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعيا بما ورد، وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء -معنى يجوز لها أن تدعو، لكن الطواف لا يجوز أن تطوف-. قالوا: يستحب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه. والأولى أن يقول: يستحب زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن القبر لا يزار بذاته، وإنما تبعا للمسجد. من كان في المسجد ولم يأت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام -أي لم يصح شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن الصحابة- بجواز أو بالاستحباب بزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وشد الرحال. بل الذي جاء العكس: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة المساجد». فالمسجد النبوي تشد إليه الرحال. فلهذا فالأولى أن يقول: يستحب زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إذا كان في المسجد يستحب له زيارة القبر. وهذه من الأخطاء التي وقع فيها كثير من الفقهاء. وقد تكلم على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية وأشبع فيها الكلام، خاصة في رده على الأخنائي. قال: وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات أو من أدنى الحل -من مكيين ونحوه- معنى يريد من كان في مكة، قام في مكة. إن كان مكي فهو من أدنى الحل. هذا على قول الجمهور كما قلنا، وإلا فبعض العلماء يقول: إن المكي ليس عليه عمرة أصلا؛ لأنه من أهل البيت، سواء كان من مستوطن أو مقيم، ليس عليه عمرة، وإنما عليه الطواف فقط، له أن يطوف. قال: أو من أدنى الحل من مكيين ونحوه، لا من الحرم، يعني ليس هناك إحرام من الحرم أبدا، ما يكون إحرام من الحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر المواقيت قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن حتى أهل مكة من مكة». وهذا يريد إحلال الحج وليس إحلال العمرة، لكن إحلال العمرة لا بد أن يكون من الحل. لهذا أخرج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة -أو أمر عبد الرحمن أخاها- أن يخرجها إلى التنعيم. قال: فإذا طاف وسعى وقصر حل. أن هذه ما هي العمرة: إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير. وهنا قال: وقصر حل، يريد أدنى شيء، ليس المراد أن التقصير أفضل، لا، إنما يريد أن أدنى الشيء هو التقصير، والحلق أفضل. قال: وتباح كل وقت، أي العمرة وتجزى عن الفرض. تباح كل وقت، ليس لها وقت معين، سواء كانت العمرة المفردة أو العمرة مع الحج. إذا كانت مع الحج تكون في الأشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة. وإن كانت ليست مع الحج تكون في أي وقت، في أي شهر إن شاء. والنبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلها في رجب. وأما قول ابن عمر أنه اعتمر في رمضان، فهو غير صحيح. والظاهر أن عبد الله بن عمر ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر لما دخل في مكة في فتح مكة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر لما دخل مكة، لم يعتمر، وإنما دخل ثم خرج بعد ذلك إلى حنين، ولما رجع من حنين أحرم في الجعرانة ثم اعتمر، وكان أحرم من الجعرانة. قالوا: تجزي عن الفرض، تجزي عن الفرض أي فرض العمرة. سواء كانت مع الحج أو مفردة، العمرة الواجبة هي عمرة واجبة على الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها. لكن تجزي سواء كان مفردة أو مع الحج، من أتى بها مع الحج أجزأت، ومن أفردها أجزأت.