استعدوا لذلك اليوم بالأعمال الصالحة

استعدوا لذلك اليوم بالأعمال الصالحة

المحاضرة بعنوان استعدوا لذلك اليوم بالأعمال الصالحة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

التحذير من الغفلة والدعوة للتقوى والاستعداد ليوم القيامة

يذكر الشيخ نعم الإسلام والسنة ويحث المسلمين على تقوى الله والاستعداد للقاءه، محذراً من انتشار المعاصي والغفلة. ويستشهد بآيات قرآنية تؤكد الحساب والجزاء يوم القيامة.

أهوال يوم القيامة: الحساب، الميزان، الصراط، وإثبات البعث

يصف الخطيب مشاهد يوم القيامة من مجيء الرب والملائكة للحساب، ونشر الصحف، ونصب الموازين بالقسط، والعبور على الصراط فوق جهنم. ويستدل بإحياء الأرض الميتة على قدرة الله على البعث محذراً من الاعتماد على الدنيا دون الأعمال الصالحة.

الحث على الإنفاق في سبيل الله قبل يوم القيامة

تأمر الآية المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم الله قبل مجيء يوم لا ينفع فيه بيع ولا صداقة ولا شفاعة. وتؤكد أن الكافرين هم الظالمون في ذلك اليوم.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوم يقدم هذه المادة: استعدوا لذلك اليوم بالأعمال الصالحة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فنعم إخواني في الله، ذكرنا بعظيم نعمة الله عز وجل علينا بنعمة الإسلام، ونعمة السنة، ونعمة هذا الخير والفضل الذي ساقه الله عز وجل إلينا وخصنا به، وحجبه عن كثير من الناس، وملايين من البشر. فيا أيها الناس، اتقوا الله تبارك وتعالى في هذا الدين، واتقوا الله عز وجل في هذه السنة، وأعدوا العدة وأعدوا العدة للقاء الله تبارك وتعالى، فإن الله عز وجل أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه الكتاب، أرسله بالهدى ودين الحق، وأقام الحجج والبينات والبراهين، فوفق الله عز وجل من كتب لهم السعادة بالاستجابة والمسارعة والمنافسة في طاعة الله تبارك وتعالى، وحجب الله عز وجل هذه النعمة عن كثير من الناس، فلم يرفعوا رؤوسهم لها، ولم ينقادوا لهذا الخير، ولم يستنوا بسنة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الناس، نعمة عظيمة والله أن يتمتع الإنسان وأن يتلذذ بطاعة الله، وأن يكون في عداد عباد الله الصالحين، نعمة عظيمة عباد الله أن يكون من أتباع محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. نعم عباد الله، هذه الحياة الدنيا جعلها الله عز وجل داراً للابتلاء والامتحان والاختبار، أمدنا بالسمع وأمدنا بالأبصار، وأعطانا العقول لننتفع بها ولنستفيد منها، وجعل لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. نعم عباد الله، كثير من الناس كالأنعام بل هم أضل سبيلا، لم ينتفعوا بهذه العقول، ولم يستفيدوا من هذه الأسماع، ولم يستفيدوا من هذه الأبصار، بل اتخذوا حياتهم لهواً ولعباً، وتفلتاً وتمرداً على أوامر الله تبارك وتعالى. ونحن عباد الله في زمن كثر فيه الإعراض، وعمت فيه الغفلة عند كثير من الناس، ما أكثر إضاعة الصلوات، وما أكثر اتباع الشهوات، ما أكثر الزنا، وما أكثر أكل الربا، وما أكثر التبرج والسفور الذي ملأ الشوارع وملأ الأسواق، ما أكثر عباد الله اتباع هذه الموبقات والتخلي عن كثير من الواجبات، ما أكثر الخنا والفحش، ما أكثر عباد الله المعاصي والمنكرات في مجتمعات المسلمين. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. نعم عباد الله، الله تبارك وتعالى أمرنا في كتابه الكريم في كثير من الآيات بالاستعداد للقاء الله تبارك وتعالى، ليست الحياة هي هذه الحياة الدنيا فقط، وإنما أمامنا أهوال، وأمامنا شدائد، وأمامنا مواقف. عباد الله، علينا أن نستعد لذلكم اليوم الذي ذكرنا الله تبارك وتعالى به: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. نعم يا عبد الله، أمامك القبر وظلمته، وأمامك الموت وسكرته، وأمامك القبر وظلمته، وأمامك سؤال الملكين وروعته، وأمامك الحساب وشدته. نعم عباد الله، الله تبارك وتعالى وصف ذلكم اليوم بالأوصاف العظيمة والأوصاف الشديدة حتى يستعد الناس لذلكم اليوم. نعم عباد الله، أمامنا الموت الذي ينزل على الصغير والكبير، وينزل على الصعلوك والملك، وينزل على الغني والفقير، وينزل على الذكر والأنثى. نعم عباد الله، أمامك فتنة القبر التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في كتاب الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وهكذا عباد الله، أمامنا ذلكم اليوم العصيب، وذلكم اليوم العظيم الذي يجمع الله عز وجل فيه الأولين والآخرين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. نعم عباد الله، يجمع الله سبحانه وتعالى الخلائق من أولها إلى آخرها، من لدن آدم إلى آخر من يبقى على ظهر هذه الأرض، كلهم يجمعون في صعيد واحد، كلهم يجمعون في مكان واحد، مكان مستوٍ لا جبال ولا هضاب ولا سحاب ولا ظلمة ولا قتر، كلهم يجمعون في صعيد واحد ينتظرون العرض على الله سبحانه وتعالى بعد أن يخرجوا من قبورهم. نعم، كما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. في ذلك الموقف العصيب، عباد الله، يجتمع الخلائق، وتدنو الشمس منهم، وتكون منهم بمقدار ميل، قال الراوي: «لا أدري هل الميل المسافة أم الميل الذي يكتحل به»، فيكون الناس في الشدة والعرق كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم متفاوتين، منهم من يكون عرقه إلى عقبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يكون إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. نعم، متفاوتون بقدر تفاوتهم في الأعمال في الدنيا. نعم عباد الله، الناس متفاوتون في ذلكم اليوم العظيم والشديد كما أنهم تفاوتوا في الدنيا، ليسوا سواء في الدنيا، هكذا في تلكم الأهوال والشدائد لا يكونون سواء. ثم يأتي الرب سبحانه وتعالى ليفصل بين الخلائق: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، يكون الحساب: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾، تتطاير الصحف، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله ووراء ظهره، تنصب الموازين بالقسط: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. ويقول الله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. نعم عباد الله، وفي ذلكم الموقف المرور على الصراط، كل الخلائق تمر عليه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾. نعم عباد الله، الناس جميعا يمرون على الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، أدق من الشعر وأحد من السيف، نعم وهو مع ذلك دحض مزلة، أي أنه تنزلق ولا تثبت عليه الأقدام: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾، مع وجود الخطاطيف، ومع وجود الكلاليب، ومع وجود الحسك، فالأمر عظيم والأمر شديد، وهذه الأهوال كائنة لا محالة ولا مفر منها، خلافاً لأولئك العابثين الساهين اللهين الكافرين بالله رب العالمين، الذين أنكروا ذلكم اليوم واستبعدوا أن تعاد الخلائق، أن يعاد الإنسان بعد أن يصير تراباً ورفاتاً. والله سبحانه وتعالى أقام الدلائل على حصول ذلكم اليوم، وأقام الحجة، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم. الذي ابتدأ الخلائق بالخلق قادر على إعادتها، أليست الإعادة أسهل من البدء؟ أليست الإعادة أسهل من البدء؟ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وكل عليه هين سبحانه وتعالى. وانظروا عباد الله إلى الأرض الميتة، ضرب الله عز وجل بها المثل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. نعم عباد الله، هذا اليوم حاصل وكائن، فعليك أن تستعد لذلكم اليوم، لا تستعد يا عبد الله بالأموال، ولا تستعد بالعشائر والبنين والبنات والزوجات، لا تستعد لذلكم اليوم بالوظائف، ولا بالجاه، ولا بشيء من حطام الدنيا، فإنك إذا أخبرت في الدنيا عن خطر قادم، والله أعلم هل يكون أو لا يكون، فعندك من الأولاد، وعندك من الأموال، وعندك من الزملاء، وعندك من الأصحاب، وعندك وعندك مما تستطيع أن تدفع به هذا الخطر الذي وعدت به، وقد يحصل وقد لا يحصل. أما يوم القيامة فإن وعد الله حق، لا مفر ولا مهرب، وها في ذلكم اليوم لا صديق ولا حميم، ولا شفيع، ولا أخ، ولا أب، ولا أم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. نعم عباد الله