التعليق على صفة صلاة النبي للألباني 18

الدرس في التعليق على صفة صلاة النبي للألباني 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

استحباب الاستعاذة من أربع بعد التشهد الأخير

يشرح المقطع حكم الاستعاذة بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال بعد التشهد الأخير، مبينًا خلاف العلماء بين الوجوب والاستحباب. كما يستعرض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد كالتعوذ من المأثم والمغرم، وسؤال الحساب اليسير، والحياة والموت بالخير، مع جواز الدعاء بغير المأثور عند الجمهور.

أدعية نبوية جامعة وشرح معانيها

يستعرض المقطع عدة أدعية نبوية عظيمة منها دعاء يشمل العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وسؤال النعيم الدائم ولذة النظر لوجه الله. ويذكر دعاء الحياة والموت بالخيرة، ودعاء أبي بكر للاعتراف بالذنب وطلب المغفرة، ودعاء عائشة الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وينتهي بحديث الرجل الذي سأل عن الدعاء في الصلاة فأرشده النبي لسؤال الجنة والاستعاذة من النار.

أدعية التشهد والتوسل المشروع وكيفيات التسليم

يستعرض المقطع أدعية وردت في التشهد الأخير مثل سؤال الجنة والتعوذ من النار، والتوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته كأعظم اسم يُدعى به، ويبين أنواع التوسل المشروع والممنوع. كما يفصل كيفيات التسليم من الصلاة وأحكامه، والنهي عن الإشارة باليدين عند التسليم.

حكم التسليم في الصلاة وخاتمة كتاب صفة صلاة النبي

يبيّن المقطع أن التسليم ركن من أركان الصلاة عند الجمهور، وأن التسليمة الأولى واجبة بإجماع والثانية مستحبة عند أكثر العلماء، بينما يكتفي المالكية بتسليمة واحدة. ويختتم بالتأكيد على تساوي الرجال والنساء في صفة الصلاة، وردّ الأحاديث الضعيفة التي تخصّ المرأة في السجود.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة البادي رحمه الله في كتابه "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم": "وجوب الاستعاذة من أربع قبل الدعاء". قال: "وكان صلى الله عليه وسلم يقول: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال، ثم يدعو لنفسه بما شاء". والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وجمهور أهل العلم ذهبوا إلى أن الاستعاذة بالله جل وعلا من هذه الأربع في آخر التشهد على جهة الاستحباب، واستدلوا بحديث ابن مسعود في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»، وأيضًا حديث ابن عباس في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم ليدعو بما شاء»، بعد أن قال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء». قال: إذن هذا الدعاء ليس بواجب. وذهب إلى الوجوب الظاهرية، وطاووس، ورجحه جماعة من أهل العلم: الصنعاني والشوكاني، على ظاهر الأمر. قال: «فليستعذ»، يعني: سلم. يقول: «فليستعذ»، واللام لام الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. فإذا تكون الاستعاذة بالله من هذه الأربع بعد الفراغ من التشهد من الواجبات على الصحيح. «استعاذ بالله من عذاب جهنم»: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، يعني: ألجأ إليك وأعتصم بك أن تنجيني من النار، من نار جهنم. قالوا: «ومن عذاب القبر» أيضًا تستعيذ من عذاب القبر: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. «ومن فتنة المحيا والممات»: فتنة المحيا يعني فتنة الدنيا، والمال، والنساء، إلى آخر ذلك من فتن الحياة. وفتنة الممات: أي عند الموت، أن تفتن عند الموت، والموت فتنة في نفسه ومصيبة عظيمة، فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من فتنة المحيا والممات. «وكذلك من شر فتنة المسيح الدجال». وفي هذا دلالة على أن هذه الأشياء المستعاذ منها موجودة. فقوله: نستعيذ بالله من عذاب جهنم، معنى هذا أن جهنم موجودة مخلوقة الآن، كما هو قول أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة الذين أنكروا وجود النار والجنة الآن، وقالوا: إنما يخلقهم الله يوم القيامة. وكذلك فيه دلالة على ثبوت عذاب القبر، لهذا نستعيذ بالله سبحانه وتعالى من عذاب القبر، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافًا للعقلانيين من المعتزلة ومن صار على طريقتهم في إنكار عذاب القبر. وكذلك أيضًا فيه دلالة على ثبوت فتنة المسيح الدجال، وأن الدجال موجود ومخلوق وسيخرج كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة. وفيه بعد ذلك استحباب الدعاء بعد الفراغ من هذه الاستعاذة من هذه الأمور الأربع؛ تدعو لنفسك بما بدا لك وما شئت من الأدعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أفضل وأكمل. وأن هذا الإنسان يدعو بشيء يعني مما يحتاجه من أمور الدنيا فلا بأس، لعموم قوله: «فبما بدا له». قال: «وكان صلى الله عليه وسلم يدعو به في تشهده». وكان صلى الله عليه وسلم يدعو به في تشهده، رواه أبو داود من حديث ابن عباس. قال: «وكان يعلمه الصحابة رضي الله عنهم كما يعلمهم السورة من القرآن»، رواه مسلم كذلك من حديث ابن عباس. قال: «الدعاء قبل السلام وأنواعه». قال: «وكان صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته بأدعية متنوعة، تارة بهذا وتارة بهذا، وأقر أدعية أخرى، وأمر المصلي أن يتخير منها ما شاء». يعني: من هذه الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهل يجوز له أن يدعو بغير هذه الأدعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الصحيح أنه يجوز، لعموم هذه الأحاديث: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»، وفي قوله: «ثم ليدعو لنفسه بما بدا له» يدل على أنه يجوز أن يدعو بغير هذه الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا مذهب الجمهور: الجواز. بخلاف أبي حنيفة؛ أبو حنيفة قال: لا يجوز أن تدعو إلا بما ورد في الكتاب والسنة، إلا بما ورد ملجئًا في الكتاب والسنة. قال: «وهذه هي يعني الأدعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «أولًا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». وهذا في الصحيحين. وقوله: «من المأثم» يعني: من الوقوع في الإثم، الوقوع في الإثم. «والمغرم» يعني: الدين، فتستعيذ بالله سبحانه وتعالى أن تقع في الديون؛ لأنها سبب يعني حصول الهموم والغموم، وربما وقع الإنسان في الكذب بسبب الدين. ولهذا قالت عائشة: «قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟» فقال: «نعم، إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف». إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف. يعني: يقول لصاحب الدين: أبشر، سآتيك بالدين في اليوم الفلاني، وهو يكذب، ما يأتي له به، ويعد ويخلف: سآتيك به غدًا، بعد غد، بعد أسبوع. فلذلك كان السلم يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من المغرم. قال: «ثانيًا: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل بعد». نزله الله، وهذا رواه النسائي بسند صحيح. «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت»: هذه استعاذة من شر ما عملت من الأعمال، وما هنا اسم موصول بمعنى: الذي، أي: من شر الذي عملته. تستعيذ من كل شر عملته. «ومن شر ما لم أعمل بعد»: يعني مما سيعمل في المستقبل، أو قضيته علي في المستقبل، فتستعيذ بالله منك أن أعمله. فأنت تدعو الله سبحانه وتعالى أن يعصمك من عمله أو الوقوع فيه. قال: «الثالث: اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا». وهذا رواه أحمد والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي. «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا»: يعني اجعلني من أهل اليمين الذين يأخذون الصحف بأيمانهم، وممن ينجون ويفوزون بالجنة. يعني: الله عز وجل لقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-8]، يعني: تعرض له أعماله عرضًا يسيرًا، يذكر بها، ويغفر الله سبحانه وتعالى له. بخلاف من نوقش الحساب، فهذا يعذب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب». فلما قالته عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟» قال: «ذاك العرض». يعني: تعرض أعمال المؤمن عليه ولا يناقش بها. فقال: «ذاك العرض، من نوقش الحساب عذب». قال: «الرابع: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق». وفي رواية: «الحق والعدل في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا يبيد، وأسألك قرة عين لا تنقطع» - ولا تنفذ ولا تنقطع - «وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين». رواه النسائي كذلك، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي. هذا أيضًا من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام، هو دعاء عظيم. «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي». هذا خير أن يسأل الإنسان الموت، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الإنسان ربه الموت، يعني: يقول: اللهم أمتني، أو يتمنى الموت. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فإن كان ولا بد أن يقول شيء من ذلك، فهذا يقول: «اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي». لأنك إذا طلبت الموت ربما يكون الموت ليس خيرًا لك، أنت تحتاج إلى زيادة عمل وزيادة توبة ورجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فتسد الباب على نفسك. لكن هناك تعلق الأمر بما يعلمه الله سبحانه وتعالى من خير لك، هذا خير لك، فتقول: «أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي». «اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة»: في الغيب يعني: في حال الغيب عن أعين الناس، والشهادة: أي في حال شهود الناس وحضور الناس. فتسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك خشيته والخوف منه في السر والعلانية. «وأسألك كلمة الحق»: في رواية: «الحق والعدل في الغضب والرضا». يعني: لا يحملك الغضب أو الرضا على الجور والظلم، وعدم قول الحق، وعدم العدل. «وأسألك القصد في الفقر والغنى»: يعني أن تكون مقتصدًا معتدلاً في تصرفاتك، وفي نفقاتك، وفي أعمالك، في حال غناك وفي حال فقرك. فلا يحملك الفقر على البغي والظلم والاعتداء، ولا يحملك الغنى على البطر والطغيان ومجاوزة الحد، ومنع ما أوجب الله سبحانه وتعالى. قال: «وأسألك نعيماً لا يبيد، وأسألك قرة عين لا تنفد ولا تنقطع». وهذا في الجنة، النعيم الذي لا ينتهي ولا يفنى، وما تقر به العين مما لا ينقطع، هذا في جنة الله سبحانه وتعالى. قال: «وأسألك الرضا بعد القضاء»: يعني إذا قضيت علي شيئًا أن أكون راضيًا بقضائك. «وأسألك برد العيش بعد الموت»: يعني إذا متّ فيكون موتي راحة لي، وكذلك سعادة، لا عذاب ونقمة. «وأسألك لذة النظر إلى وجهك»: فإن النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى من أعظم نعيم أهل الجنة. قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله جل وعلا هذه النعمة العظيمة، لذة النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم هذه النعمة العظيمة، وأن لا يحرمنا جل وعلا من لذة النظر إلى وجهه. «وأسألك الشوق إلى لقائك»: يعني يكون في القلب شوق ومحبة ورغبة في لقاء الله سبحانه وتعالى، مما يحمل الإنسان على لزوم الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات. «في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين». قال: «الخامس: علم صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». رواه البخاري ومسلم. نعم، هذا الدعاء في اعتراف العبد بذنوبه وتقصيره، وسؤاله الله سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة. «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»: يعني بالذنوب والخطايا والسيئات، والتقصير في الواجبات، والوقوع في شيء من المحرمات. «ولا يغفر الذنوب إلا أنت»: فالذي بيده المغفرة هو الله سبحانه وتعالى. فأنت تعترف لله سبحانه وتعالى بالذنب، وتسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة. قال: «فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». والجمع بين المغفرة والرحمة: فتكون المغفرة هنا بمعنى الستر، «اغفر لي» أي: استر ذنوبي، ولا تكشفها، ولا تظهرها، ولا تفضحني. والرحمة بمعنى: محو هذه السيئات، محو هذه السيئات وعدم المؤاخذة بها. مع ماذا اجتمعت المغفرة والرحمة؟ فالمغفرة: الستر، والرحمة: التجاوز وعدم المؤاخذة. وإذا أطلق أحدهما وانفرد دخل فيه معنى الآخر. إذا ذكرت المغفرة منفردة دخل فيها معنى الرحمة، وإذا ذكرت الرحمة كذلك منفردة دخل فيها معنى المغفرة. قال: «سادسًا: وأمر عائشة رضي الله عنها أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. وأسألك» - في رواية: «اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. وأسألك» - في رواية: «اللهم إني أسألك من الخير ما سألك عبدك ورسولك محمد، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته لي رشدًا». وهذا الحديث رواه أحمد، والطبراني، والبخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، كما قال الألباني رحمه الله في التعليق. وهو أيضًا من الأدعية الجامعة التي كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة. «اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله»: عاجله يعني في الدنيا، وآجله في الآخرة، أو ما يقع في المستقبل. فهذا الدعاء يشمل خير الدنيا والآخرة. «ما علمت منه وما لم أعلم»: يعني ما غاب عني علمه، فكذلك عجله لي، وارزقني، ويسره لي. ثم الاستعاذة من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت وما لم أعلم، ففيه كذلك استعاذة من جميع الشرور في الدنيا والآخرة. ثم سؤال الله سبحانه وتعالى الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك فعل هذا العمل الذي يدخلك الجنة، أو كذلك قول هذا القول الذي يدخلك الجنة. ثم الاستعاذة من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل. ثم سؤال الله سبحانه وتعالى من خير ما سأل النبي عليه الصلاة والسلام ربه، وهكذا الاستعاذ من شر ما استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه كلمات جامعة عامة في سؤال الله سبحانه وتعالى كل خير، والاستعاذة منه من كل شر. قال: «سابعًا: وقال رجل: ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار. قال: أما والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حولها ندندن». من مواهب داود، من مجاهد، ومن خزيمة. وقوله: «أما والله ما أحسن دندنتك»: الدندنة: الصوت الخفي، يعني تسمع الصوت لكن ما تفهم ما هو هذا الصوت، ما هو هذا الكلام. يعني: يريد أن الرجل أنه يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذًا يتمتمان بشيء، ويتكلمان بشيء، لكن لا يفهم ما هذا الكلام. فقال هذا الرجل: «النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أشهد وأشهد، أتشهد، وأسأل الله الجنة، أعوذ به من النار، ما أزيد على هذا، وما أدري ما دندنتك، ولا دندنة معاذ». يعني: ما الذي تتكلمان به أنت ومعاذ؟ قال القرطبي وسلم: «حولها ندندن». هذه الأدعية حول الجنة والنار، سؤال الله الجنة، واستعاذ بالله من النار. نعم، هذا في أيضًا الاقتصار على سؤال الله الجنة، واستعاذ به من النار، أنه لا بأس أن يسأل الله سبحانه وتعالى العبد ربه أن يدخله الجنة، وأن ينجيه من النار. قال: «الثامن: وسمع رجلًا يقول في تشهده: اللهم إني أسألك يا الله» - في رواية: «بالله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم». فقال صلى الله عليه وسلم: «قد غفر له، قد غفر له». رواه أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة. أيضًا في استحباب هذا الدعاء الذي فيه تعظيم الله سبحانه وتعالى بتفرده ووحدانيته جل وعلا، وأنه الإله المتفرد، المتفرد بالألوهية، الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. قال: «التاسع: وسمع آخر يقول في تشهده أيضًا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «تدرون بما دعا؟» قالوا: «الله ورسوله أعلم». قال: «والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم». وفي رواية: «الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وقول: «قد دعا الله باسمه العظيم» في التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، وهو نوع من أنواع التوسل المشروع. فالتوسل المشروع: تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، يا رزاق ارزقني، طيب، ونحو ذلك. والنوع الثاني من التوسل المشروع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح. تتوسل إلى الله بصلاتك، بصيامك، بقراءتك للقرآن، بطلبك للعلم، أن يغفر لك، أو يرحمك، أو يرزقك، إلى آخره. والنوع الثالث: التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحي. هذا أيضًا من النوع الجائز. أما التوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بحقه، أو بحرمته، أو نحو ذلك، فهذا غير مشروع. قال: «العاشر: وكان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». هو مسلم عن علي رضي الله عنه. هذا أيضًا مما يستحب أن يقال في آخر الدعاء قبل التسليم. «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت»: وما أخرت يعني ما سيقع في المستقبل. «وما أسررت وما أعلنت»: ما وقع مني حالة الإسرار والغيبة، وما أوقع حالة الإعلان والشهادة. «وما أسرفت»: يعني من الذنوب والمعاصي. «وما أنت أعلم به مني»: مما قد ربما نسيته أو غفلت عنه. «أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». إذن يكون هذا الدعاء في آخر ما تدعو به قبل السلام. قال: «التسليم»: يعني من الصلاة. والتسليم من الصلاة هو ركن من أركان الصلاة. لحديثي علي وأبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفتاحها التكبير، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وهذا قول جمهور أهل العلم. وقال فيه الحنفية: فقالوا: التسليم من الصلاة مستحب وليس بواجب. واستدلوا بحديث عبد الله بن عامر: «إذا أحدث الإمام قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته». إذا أحدث الإمام قبل أن يتكلم يعني: بالتسليم، فقد تمت صلاته. وهو حديث ضعيف، راويه ضعيف: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف. قال: «ثم كان صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، ويسلم عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيسر». رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي. روي عن بعض الصحابة، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «يسلم حتى يرى بياض خده الأيمن، ثم يسلم عن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر». قال: «وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: وبركاته». يعني يقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله». وهل عند أبي داود، وابن خزيمة؟ وأشار إلى تصحيح العبد الحق لهذه الزيادة، والنووي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم. جاء من حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه. قال: «وكان إذا سلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، اقتصر أحيانًا على قوله عن يساره: السلام عليكم». فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم». هذه كيفية ثالثة في التسليم. قال: «رواه النسائي وأحمد». قال: «وكان أحيانًا يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن شيئًا». يعني هكذا: «السلام عليكم». قال: «أو قليلا». رواه البخاري، والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها. يعني يكون لدينا الآن أربع كيفيات: الأولى: وهي الأكثر والأشهر: «السلام عليكم ورحمة الله» على اليمين، «السلام عليكم ورحمة الله» على اليسار. الثانية: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» على اليمين، «السلام عليكم ورحمة الله» على اليسار. الثالثة: «السلام عليكم ورحمة الله» على اليمين، وعلى اليسار: «السلام عليكم». الرابعة: «السلام عليكم» على جهة اليمين فقط. طبعًا كما ذكرنا: الأشهر يعني والأكثر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله هو: «السلام عليكم ورحمة الله» على اليمين، و«السلام عليكم ورحمة الله» على الشمال. على أن بعض أهل العلم طبعًا يضاعف الكيفيات الأخرى، يضعف الكيفيات الأخرى. فهذه الكيفية هي المتفق عليها: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله». وبقية الكيفيات: بعض العلماء يحسنها، كالشيخ الألباني هنا، وجماعة من أهل العلم، وبعضهم لا يرى ثبوتها. فالأمر فيها واسع. قال: «و كانوا يشيرون بأيديهم إذا سلموا عن اليمين وعن الشمال». فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟» وشمس: جمع شموس، وهي النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه وحدته. يعني: ما لكم تفعلون هكذا مثل ما تفعل الدواب التي نفرت؟ فيشيرون بأيديهم مع السلام: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله». ومن ذلك أيضًا الإشارة باليدين عند السلام، بعضهم يد يسلم: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله». هذا يدخل في هذا النهي. قال: «إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده». يعني: لا يشير بيده مع السلام، إنما يسلم بلسانه. قال: «فلما صلوا معه أيضًا لم يفعلوا ذلك». وفي رواية: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخده، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله». والسلام هنا يعني: من حكمه أن المصلي يسلم على أخيه؛ لأنه في أثناء الصلاة هو ممنوع من الكلام والسلام والمصافحة ومخابرة الأخ لأخيه؛ لأنه مشغول بذكر الله سبحانه وتعالى. فإذا فرغ، أول ما يفرغ من الصلاة، يسلم عن يمينه وشماله، يسلم على من في يمينه، ويسلم على من في شماله. وحينئذ يشرع له الكلام، وكل ما كان ممنوعًا في أثناء الصلاة. قال: «وجوب السلام». قال: «وكان صلى الله عليه وسلم يقول: وتحليلها يعني الصلاة التسليم». نعم، حديث علي وأبي سعيد عند الحاكم، وصححه الذهبي، وهو صحيح. وكما ذكرنا أن السلام ركن من أركان الصلاة، هو قول جمهور أهل العلم، خلافًا للحنفية. والقول بوجوبه قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. واتفق العلماء على وجوب التسليم الأولى، على وجوب التسليم الأولى. وأما التسليم الثانية فقول أكثر أهل العلم أنها مستحبة، قول أكثر أهل العلم أنها مستحبة. بل نقل الإمام النووي الإجماع على ذلك، على أن من سلم تسليمة واحدة فقد صحت صلاته، ويستحب له أن يسلم التسليمة الثانية. ونقل هذا عن جماعة من الصحابة، كعمر، وأنس، وابن عمر، وعائشة، وجماعة من التابعين. حتى الذين يقولون بالتسليمتين، طبعًا بعض المذاهب يرون أن السلام مرة واحدة، كإمام مالك، يعني يرى التسليم مرة واحدة فقط: «السلام عليكم». ويعملون بهذا الأصل في بعض البلاد التي فيها المذهب المالكي، كالسودان مثلًا والمغرب، يسلمون تسليمة واحدة في الصلاة، هذا مذهبهم. طيب، الذين يقولون بهذا، أو الذين يقولون بالتسليمتين، ما حكم التسليم الثاني عندهم؟ عندهم أنها مستحبة، أنها مستحبة. قول الشافعي وأحمد: فالتسليم الثاني مستحبة، وليس واجبة. نعم، قال ابن المنذر: «أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة». نعم، هذا آخر ما يتعلق بهذا الكتاب، كتاب "صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام". ثم قال هنا في الخاتمة: «كل ما تقدم من صفة صلاته صلى الله عليه وسلم يستوي فيه الرجال والنساء، ولم يرد في السنة ما يقتضي استثناء النساء من بعد ذلك من بعض ذلك. بل إن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" يشملهن، وهو قول إبراهيم النخعي: "تفعل المرأة في الصلاة كما يفعل الرجل"». رواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح، وروى البخاري في التاريخ الصغير بسند صحيح: «أم الدرداء أنها كانت تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة». وأيضًا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال» يدل على هذا. قال: «وحديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل». يعني: المرأة تضم نفسها في السجود، ما تفترش وتفتح يديها، وتبعد يعني بطنها عن قدميها إلى آخره. في هذا الحديث، لكنه لا يصح. أن المرأة تضم نفسها، هذا الحديث ضعيف. حديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل: مرسل، لا يصح. رواه أبو داود في المراسيل عن يزيد بن أبي حبيب. وأما ما رواه الإمام أحمد في مسائل ابنه عبد الله، عنه عن ابن عمر، أنه كان يأمر نساءه يتربعن في الصلاة، فلا يصح سنده؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. قال: «هذا آخر ما تيسر جمعه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير للتسليم، وأرجو الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، هاديًا لسنة نبيه، الرؤوف الرحيم. سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت، صليت، وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وبهذا انتهينا من قراءة هذا الكتاب والتعليق عليه. غفر الله لمؤلفه، وللحاضرين والسامعين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.