شرح كتاب التوحيد 98

شرح كتاب التوحيد 98

الدرس في شرح كتاب التوحيد 98، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الشفاعة في الإسلام وتاريخها

المقطع يشرح مفهوم الشفاعة في الإسلام بناءً على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ويبين اختلاف الطوائف حولها. يوضح أن الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله.

شروط وأهمية الإخلاص للشفاعة

يشرح المقطع شروط الشفاعة يوم القيامة، ويؤكد على أهمية الإخلاص لله تعالى في العبادات والأقوال والأفعال، وأن الشفاعة تكون بإذن الله لمن ارتضى.

الأعمال الصالحة لنيل الشفاعة

يذكر المقطع أهمية الأعمال الصالحة في نيل شفاعة الرسول، مثل قراءة القرآن، الصيام، سكن المدينة، الصلاة على النبي، وكثرة الصلاة.

ختام وأهمية نيل الشفاعة

يذكر الشيخ الأسباب الكثيرة لنيل الشفاعة ويطلب من الله أن ينفع بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال أبو العباس، وهنا يعني بأبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ذكر عبارة من عباراته القيمة والتي تنفع في هذا المقام، في مقام الشفاعة، وخاصة في بيان الآية السابقة التي مرت معنا في درس أمس. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى من أئمة أهل السنة التي نفع الله جل وعلا به بدعوته وبكتاباته وبما كان من ردوده على أهل البدع بكل أطيافهم ومِلَلهم ونِحَلهم. قال رحمه الله تعالى: قال أبو العباس، نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة. وهذا منه تعليق على ما مضى من الآية السابقة، في أن الله سبحانه وتعالى تدرج مع الكفار في إزالة ما تعلق به، فليس هناك ملك لآلهتهم، وليس لهم مشاركة مع الله، وليس منهم معاون. قال رحمه الله تعالى: ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وقد أشرنا إلى ذلك، إلى أن الشفاعة المثبتة، وهي الشفاعة الشرعية، تقوم على شروط، ومنها أن تكون بإذن الله سبحانه وتعالى. قال: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم. أي شفاعة منفية؟ هي الشفاعة المدعى للآلهة والأصنام أنهم يمتلكوها، وأنها نافعة لأتباعهم، فهذه شفاعة منفية. وهذه مسألة مهمة جدا، لأن بها وقع الخلط بين الناس في فهم الشفاعة، إذ أن من الناس من فتح باب الشفاعة على مصراعيه، كما ذكر ربنا جل وعلا عن المشركين من عباد الأصنام والأوثان، وهكذا ما كان عند اليهود ومن عبدة النصارى، وهكذا ما كان في هذه الأزمان من الفرق الضالة كالقبورية وغيرهم، ممن جعلوا الشفاعة هي ملك لمعبوديهم الذين اتخذوهم ندا مع الله. فهذه طائفة من الناس، ويقابلهم، وإزاؤهم طائفة أخرى، وهي التي ألغت باب الشفاعة جملة وتفصيلا، كحال الخوارج والمعتزلة، فيرون أنه ما هناك أحد ينتفع من أحد، ما هناك أحد ينتفع من أحد، الشفاعة، الشفاعة ما عندهم شفاعة، عندهم نعم شفاعة فصل القضاء يوم القيامة، الشفاعة الكبرى نعم هي، أما ما عدا ذلك أن أحدا يشفع لأحد في أن يخرج من النار لا، أو أن أحدا يشفع في أحد في أن لا يدخل النار لا، ما عندهم هذا. واستدلوا بالآيات الدالة على أن الله نفى الشفاعة، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، وهكذا من الآيات من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، قالوا: هذه الآيات صريحة. وهذه الطائفة الثانية، فعندي طرفان ووسط، الطرف الأول من فتح باب الشفاعة، والثاني من أغلق باب الشفاعة، والوسط الصواب، وهو أن الشفاعة باب مفتوح، لكن بشروط، لكن بشروط، ومن شروطه ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ولا يكون ذلك إلا بعد إذنه. قال رحمه الله تعالى: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، ولا يبدأ بالشفاعة أولا. كما أورد رحمه الله هذا الحديث، فالنبي إذا أراد أن يشفع لا يبدأ بالشفاعة حتى ينتظر الإذن من الله. قال: وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، ولا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: له من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه». فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. فهذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، عندما سأل أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». ففيه إشارة إلى مسألة عظيمة، أولا إلى فضيلة أهل الإخلاص، وفيه فائدة على أن أهل الإخلاص هم أولى الناس بشفاعة رسول الله، لأن أبو هريرة سأل: من أسعد الناس بشفاعتك؟ فذكر هذا الصنف أنهم أسعد الناس وأحضى الناس بشفاعته، وهم أهل الإخلاص. وفيه كذلك يا عبد الله بيان لعظيم شأن الإخلاص في الإسلام، وأنك تخلص لله، ليس الشأن أن تعبد الله، لكن الشأن أن تخلص مع الله. كم من مصلين، وكم من صائمين، وكم من قائمين، وكم من ذاكرين لله جل في علاه، إلا أن النوايا ينازعها المنازع، فمنهم من يصلي لله ويريد حظ الناس، ومنهم من ينفق الأموال لبناء المشاريع الخيرية، وكذلك قلبه يلتفت إلى ثناء الناس، وهذا الذي يتعبد الله ويريد من ذلكم السمعة والرياء، وهكذا قس على ذلك من هذه الحظوظ في حق من عبد الله، لكنه شاب العبادة بماذا؟ بالرياء والسمعة وحظ من حظوظ الدنيا. هؤلاء من أبعد الناس عن الشفاعة، فمن أراد أن يكون من أهل الشفاعة وجدير بها، عليه أن يخلص لله في كل أقواله وأفعاله وأحواله، في طاعاته وعباداته، في أخذه وعطائه، في معاملاته، وفي أمواله، هذا هم أهل الإخلاص. إذا كنت كذلك يا عبد الله، فأنت حينها من أحضى الناس بشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث أيضا بيان على أن الذي ينتفع من لا إله إلا الله من قام بلوازمها، حين تنتفع بهذه الكلمة، لا إله إلا الله لها لوازم، لها شروط، لها مقامات من المحبة والصدق والقبول والانقياد، ومن ذلكم الإخلاص، إذا قلت: لا إله إلا الله خالصا لله، وفي ذات الله، حين عبد الله تنتفع بهذه الكلمة حق الانتفاع. وفي هذا الحديث كذلك مسألة عظيمة، فيها بيان على أن الشفاعة تنال بشيء من الأعمال، بشيء من الأعمال، فيا من تريد شفاعة الرسول، أو أن الله عز وجل يمن عليك بشفاعة رسول الله لك، إذن قم يا عبد الله ببعض الأعمال التي تجعلك من أحضى الناس بنيل شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وما سيأتي ذكره وقد جاء ذكر ذلك في السنة النبوية كلها تدل على أنك تتمثل بالعبادات والأعمال الصالحة، لأنك تأتي بالبدع والمحدثات فضلا أن تأتي بالشرك والإلحاد، فمن أشرك مع الله فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة، من اتخذ مع الله ندا يدعوه ويستغيث به ويستعين به ويرجوه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة، وإنما الشفاعة ينالها أهل الإخلاص. كذلك من الأعمال التي جاءت بها السنة، ما يكون إخواني في الله من قراءة القرآن والإكثار منه، كما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «إن القرآن يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة». تنتفع يا عبد الله من قراءتك للقرآن، فهي مما تمهد لك أن تكون من أهل الشفاعة. كذلك الصيام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد». فكونك تكثر من الصيام، ليس رمضان فحسب، كذلك النوافل كالإثنين والخميس والمناسبات في يوم عرفة، وهكذا في أيام ذي الحجة، وقس على ذلك المواسم، أكثرت من الصيام تكون مؤهلا لنيل الشفاعة. وهكذا من ذلك سكن المدينة، إذا استطعت أن تسكن المدينة، وهي المدينة النبوية، فإن النبي جعل لأهلها ميزة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، من استطاع أن يموت في المدينة فليمت، فإني أشفع لمن يموت بها». وهكذا الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام والإكثار، وخاصة بعد الأذان، بعد أن تردد خلف المؤذن أذانه، ثم تصلي على النبي وتسأل له الوسيلة، فإن ذلك من أعظم الأعمال التي تستجلب لها الشفاعة، كما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة». وهكذا من الأعمال كثرة الصلاة، كثرة الصلاة الفرائض والنوافل، وقس على ذلك ما يكون من السنن القبلية والبعدية والقيام، فإن ذلك مما تنتفع به. ولهذا عندما قال ذلك الرجل: يا رسول الله، أدعو الله أو أسأل الله مرافقتك في الجنة؟ قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». إذا تريد أن أدعو الله لك بأن أجعلك مرافقا لي في الجنة، أي أدعو الله لك بذلك، أعني على نفسك بماذا؟ بكثرة السجود، بالصلاة. فمن كان مكثرا للصلاة، فهؤلاء من أحضى الناس بالشفاعة. فالشاهد إخواني في الله، أسباب الشفاعة كثيرة، وكلها تدل على أن الإنسان لا يكتفي بالإدعاء ولا بالتمني، وإنما يقوم بالعمل الصالح الذي ينفعه. وقد ذكرنا في فوائد الرسالة أن لشيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله رسالة عظيمة باسم الشفاعة، وهو سفر ضخم، وقد ذكر فيه رحمه الله تعالى الأسباب الكثيرة لنيل الشفاعة، بمثل هذه الأعمال والأقوال. هذا الذي أذكره في هذا المقام. وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.